مستقبل التواجد الأمريكي في العراق

المقدمة
الفصل الأول
أثر التواجد العسكري الامريكي على مستقبل العملية السياسية
د. عبدالناصر المهداوي
الفصل الثاني
تداعيات التواجد الأمريكي على النفوذ الإيراني ومستقبل الميليشيات الموالية لإيران في العراق
شاهو القرداغي
الفصل الثالث
تداعيات التواجد الأمريكي الدائم في العراق إقليميا ودوليا
د. زيد عبدالوهاب
الفصل الرابع
هل سيعزز التواجد الامريكي في العراق دعوات اقامة فدراليات للمحافظات المتبقية على غرار كردستان
د. مهند يوسف
 
 الخاتمة
 
 
 

المقدمة

أهمية البحث

تكمن أهمية البحث في استكشافها لمجاهيل مستقبلية مرتبطة بالعملية السياسية والنفوذ الإيراني المتصاعد في العراق كما أن لها تأثيرا كبيرا على أذرع إيران في العراق وفي المحيط الإقليمي له، فمستقبل الحشد الشعبي و” حزب الله” اللبناني وبقية الميليشيات التابعة لولاية الفقيه مرهون بمدى تواجد القوات الأمريكية وفاعليتها في استهداف هذه الميليشيات بعد أن أدرجت العديد منها في قوائم الإرهاب.

مشكلة البحث

    يعد العراق ساحة مواجهة مرتقبة بين التواجد الإيراني والنفوذ الكبير له على الواقع السياسي والأمني في العراق وبين نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية وسعيها لتعزيز النظام السياسي والأمني بعيدا عن نفوذ إيران. وتندرج مشكلة البحث وفق التساؤلات الآتية؛-
  • بعد أن تغلغل النفوذ الإيراني في مفاصل الدولة العراقية سياسيا وأمنيا واقتصاديا، ما الدور الذي يمكن أن تلعبه القواعد الأمريكية للحد من هذا التغلغل؟
  • بات العراق ساحة للمواجهة السياسية وحتى العسكرية بين النظام الإيراني وأذرعه وبين الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها في المنطقة، فهل سيعزز التواجد الأمريكي حظوظ التحالف الأمريكي على حساب إيران وأذرعها؟
  • هل ستشكل قوات الحشد الشعبي والميليشيات التابعة لولاية الفقيه في العراق خطرا حقيقيا على القوات الأمريكية بعد أن رصد الشارع العراقي تعبئتها للجمهور السني الرافض سابقا للاحتلال لضمان مشاركتها المواجهة إن وقعت؟
  • ماهي حظوظ الحكومة الاتحادية بقادة عبد المهدي وصالح في ترجيح إحدى الكفتين على وجه الحقيقة وبعيدا عن التصريحات العامة التي لا تشكل وضوحا في الموقف؟
  • هل براغماتية الولايات المتحدة الأمريكية ممكن أن تفشل مشروع الرئيس ترامب في مواجهة الخطر الصاعد من إيران، بعد أن عاشت إيران والولايات المتحدة سنين من التفاهم والتكامل في عهد الرئيس باراك أوباما؟ أم أن مواقف ترامب الحازمة وفريق عمله جاد في تقليم أظافر إيران في المنطقة العربية؟
  • في حال نجحت الاستراتيجية الأمريكية في العراق هل سيعكس بصماته على الواقع السياسي والأمني في العراق ؟ وهل سيكون فرصة لإصلاح العملية السياسية وتغيير النظام في العراق إلى نظام أقاليم بعد نجاح تجربة كوردستان؟
  • هل سيحظى الساسة العراقيون على فرصة أن يغيروا من بوصلتهم تجاه تحقيق مصالح العراق على مصالح الأطراف المتنازعة على الساحة العراقية؟ أم أن العملية السياسية في ظل تراجع حظوظ إيران ستشهد تغييرا دراماتيكيا يحقق نقلة نوعية للعراق والعراقيين؟
  • هل غلبة التواجد الأمريكي على أذرع إيران في العراق والمنطقة العربية سيعزز من أهلية القوات الأمنية والجيش العراقي وبالتالي سيعود السلاح لأيدي الدولة بعيدا عن هيمنة الأحزاب؟ وهل هذا المطلب سيكون واقعيا بعد أن تغلغلت ميليشيات هذه الأحزاب بجميع الدوائر الأمنية؟ وما هو البديل الأمريكي؟ هل سيكون بتعزيز تواجد ضباط كبار من العهد السابق وبناء عسكر ذو عقيدة قتالية بعيدا عن الأحزاب والولاءات المتعددة؟
  • هل سيعود تحجيم النفوذ الإيراني خيرا على العراق بحيث سيغير واقع العملية السياسية والتشكيلات الأمنية والعسكرية وسيعزز من فرص إعادة الترتيبات الإدارية؟

فرضيات الدراسة

الفرضية الأولى

يرتبط إصلاح العملية السياسية والأمنية والاقتصادية في العراق بمقدار تحجيم النفوذ الإيراني الذي يراعي مصالحه على حساب مصالح العراقيين وبالتالي لا توجد أي إصلاحات حقيقية ما لم يحجم الدور الإيراني في العراق عبر التواجد الأمريكي الذي سيتكفل بحماية منجزات العراقيين من الاستهداف الإيراني.

الفرضية الثانية

    في ظل تنازع القوى وتوازن تأثيرها على الساحة السياسية والأمنية والإدارية والاقتصادية العراقية سيتيح فرصة سانحة للعراق والعراقيين للتخلص من الأحزاب الطائفية التي حكمت الاحتلال من بعد الاحتلال وقادته من فشل إلى فشل، وبالتالي سيتحرك الشعب العراقي لاقتلاع جذور الفساد والفاسدين من غير أن تستطيع إيران عمل شيء يذكر.

الفرضية الثالثة

    سيبقى العراق يدور في فلك إيران التي ستتنازل الأخيرة عن مزيد من جرائمها في حق الشعب العراقي وستبدل سياستها كي تخدع العراقيين في إمكانية إجراء إصلاحات حقيقية ودعمها شريطة أن تكون ولاءاتها للجناب الإيراني محسومة.

خطة البحث

   سيكون البحث من مقدمة وأربعة فصول وخاتمة، في المقدمة سنذكر فيها فيها مشكلة البحث وأسئلة هذه المشكلة ومن ثمة سيختار ثلاث فرضيات للبحث في إمكان الجواب على التساؤلات وسيتم اختبار الفرضية الأكثر حظوظا من أخواتها، وستتناول المقدمة بعد أهمية البحث ومشكلة البحث وفرضياتها وخططها ومنهجياتها. وفي الفصل الأول سنبحث في أثر التواجد العسكري الامريكي على مستقبل العملية السياسية. والفصل الثاني سيتناول تداعيات التواجد الأمريكي على النفوذ الإيراني ومستقبل الميليشيات الموالية لإيران في العراق. والفصل الثالث سيبحث تداعيات التواجد الأمريكي الدائم في العراق إقليميا ودوليا. والفصل الرابع سيكون جوابا على سؤال مهم؛ هل سيعزز التواجد الأمريكي في العراق دعوات إقامة فدراليات للمحافظات المتبقية على غرار إقليم كوردستان. وفي الخاتمة سيتناول النتائج والتوصيات وستذكر الفرضية التي استطاع البحث اختبارها.

منهجية البحث

     يعتمد البحث في منهجيته جملة مستويات منها؛ منهج تأريخي يستعرض به الواقع العراقي المزري في ظل هيمنة أحزاب إيران بعد الاحتلال الأمريكي، وتسليمه للعراق في عهد أوباما إلى إيران على طبق من ذهب، كما يعتمد المنهج الوصفي التحليلي للعديد من التصريحات المواقف سواء كانت للسياسيين العراقيين أو لساسة وقادة إيران والولايات المتحدة الأمريكية. كما يعتمد الأسلوب الاستشرافي الذي يحدد مآلات الصراع الأمريكي الإيراني على الساحة العراقية، ومستقبل التواجد الأمريكي الدائم في العراق بعد تصريحات الرئيس ترامب بذلك وعللها لتراقب أنشطة إيران.

الفصل الأول

الوجود الأمريكي وأثره على العملية السياسية الهشة في العراق

د. عبدالناصر المهداوي
 

تمهيد

        يعد الاحتلال الأمريكي للعراق في 2003 فاصلة تأريخية كبيرة في السياسية العراقية ونقطة تحول على أرض الوطن من حكم حزب شمولي تمكن من بسط نفوذه وعمل على استقرار العراق إلى حكم طائفي متعدد الوجوه والأشكال تسبب بخراب العراق وتدميره بسبب ما انتهجه من سياسة طائفية مقيتة أودت بالعراق ومواطنية على المستويات كافة، كذلك من تكريس الطائفية السياسية المستبدة إلى تسليم مساحة كبيرة من العراق إلى الإرهاب وبالتالي تحميل المواطن تداعيات الإرهاب لتنظيم الدولة “داعش” والميليشيات المسلحة وصولا إلى العصابات الإجرامية الخارجة عن القانون في ظل تدافع للنفوذ وتصارع بين البعد الإقليمي المتمثل بإيران والبعد الدولي الممثل بالولايات المتحدة الأمريكية، التي تباينت سياستها في العراق بين عهدي أوباما وترامب، فكانت في الأولى تخادم وتكامل وتسليم العراق على طبق من ذهب لإيران، وفي الثانية تدابر وتنافر وصراع وعقوبات حتى بات العراق ساحة لهذا الصراع. وفي هذا الفصل سنتناول العودة الثانية للقوات الأمريكية إلى العراق، ونخص بالتفاصيل تداعياتها على العملية السياسية، وكذلك سنرصد موقف المكونات والأحزاب والكيانات السياسية من التواجد الأمريكي وسيتم ذلك بمبحثين؛ المبحث الأول عن تكريس الطائفية السياسية في العراق والمبحث الثاني عن تداعيات وجود القوات الأمريكية على الساحة السياسية العراقية ومن ثمة نضمن الخلاصة أهم توصل إليه الفصل من نتائج أو توصيات.

المبحث الأول

احتلال العراق وتكريس الطائفية السياسية

     تعد العملية السياسية من سنة 2003 وليومنا هذا أهم مخرجات الاحتلال الأمريكي للعراق، على الرغم من تطور المشهد دراماتيكيا من مجلس الحكم إلى كتابة الدستور إلى توقيع الاتفاقية الأمنية التي سميت بالإطار الاستراتيجي بين الولايات المتحدة الأمريكية والعراق في عام 2008 وصولا إلى خروج آخر جندي أميركي العراق في 18/ 12/ 2011، باستثناء عدد من أفراد الجيش الأميركي الذين بقوا تحت سلطة السفارة الأميركية.
    إن احتلال العراق لم يكن اعتباطاً أو لتحقيق الحرية للشعب العراقي كما زعمت الولايات المتحدة، وإنما جاء من أجل أهداف هي في غاية الأهمية الإستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية، عبّر عنها بإستراتيجية شاملة طبقتها الولايات المتحدة في العراق بعد 2003 م، على المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية منها؛ تعزيز وتشجيع  التمفصل على أساس عرقي وطائفي عبر إنبات بذور الحرب الطائفية، وهكذا بدلاً من مبدأ المواطنة كأساس دستوري ينظم الروابط بين السكان ويعيد تعريفهم بصورة عصرية تتلاءم مع متطلبات التحول الديمقراطي المزعوم حل مبدأ الانتساب إلى الطائفة والعرق كأساس وبديل سياسي. وبدأ الأمريكان بعد 2003م يعيدون تعريف العراقيين ليس بوصفهم شعباً واحداً، وإنما بوصفهم كتلاً سكانية مبعثرة لا رابط وطني بينها، كما أنَّ مفهومَ الديمقراطية التي أرادت الولايات المتحدة تسويقه للعراقيين كان يعني أن يصوّت المواطن العراقي لطائفته وقوميته بدلاً من أن يصوّت لوطنه وهو بلا شك من أخطر ما واجهه المجتمع العراقيّ وإن أصبحت وحدته الوطنية على محك التقسيم والتفكيك .(1)
    ولعل أسوء مفصل من مفاصل العملية السياسية الطائفية التي رعتها الولايات المتحدة الأمريكية كانت في ولايتي المالكي من 2006-2014 مع اعتبار وجود إرهاصات بدعم الولايات المتحدة الأمريكية للمالكي، في عام 2006 لعب السفير الأمريكي زلماي خليل زاد دوراً محورياً في اختيار ودعم المالكي بصفته مرشح الكتلة الشيعية ليصبح رئيس الوزراء، مما عكس وضع أمريكا باعتبارها قوة الاحتلال الأساسية. وكانت واشنطن أقل حزماً في عام 2010، حيث انتظرت نتيجة المفاوضات بين الفصائل الشيعية التي لم يبرز منها أي بديل للمالكي. وقد ركّز المسؤولون الأمريكيون حينها على السعي إلى تحقيق نذر يسير من الشمولية في حكومة 2010-2014. غير أنه من وجهة نظر خصوم المالكي، بدت واشنطن وكأنها تتخلى عن المعارضة، بخلقها انطباعاً دائماً بأن الحكومة الأمريكية تدعمه بشكل ثابت لا يتأرجح (2).     الحقيقة المرة أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تكن تسعى لتكريس الديمقراطية في العراق بل كانت تسعى للفوضى الخلاقة التي من خلالها ستعيد ترتيب المشهد وفق رؤيتها، ومهندسة الفوضى الخلاقة في العالم وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايس (3) تعترف من أن الغزو الأمريكي للعراق وأفغانستان لم تكن لنشر الديمقراطية. وتكمن أهمية هذا الاعتراف لكونها صاحبة “نظرية الفوضى الخلاقة في الشرق الأوسط”، التي نراها تتجسد امامنا حروبا، ودولا فاشلة، وتهجيرا، وتقسيمات طائفية. السيدة رايس التي خدعت الكثيرين من الكتاب والمفكرين العرب من خلال تبريرها للحربين المذكورين آنفا (افغانستان والعراق) بالحديث عن تحويلهما إلى جنتين للديمقراطية وحقوق الانسان والرخاء الاقتصادي، اعترفت في محاضرة لها القتها في معهد بروكينغ الأمريكي أن الولايات المتحدة لم تذهب الى غزو أفغانستان عام 2001، والعراق عام 2003 من اجل تحقيق الديمقراطية، بل للإطاحة بحركة طالبان التي وفرت ملاذا آمنا لتنظيم “القاعدة”، وحكم الرئيس العراقي صدام حسين في بغداد الذي كنا نظن أنه كان يعيد بناء ترسانة من أسلحة الدمار الشامل.
    لا شك ان هذا الاعتراف جاء متأخرا ولكنه على درجة كبيرة من الأهمية لأنه يقدم تفسيرات دقيقة، وواضحة، لما يجري حاليا من عمليات تفتيت للدول القطرية، خاصة في العراق وسورية واليمن وليبيا، تحت عنوان الديمقراطية وحقوق الانسان. وقد يُخال للبعض أنّ نظريّة الفوضى الخلاّقة هي من إبداع المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأميركية، وبالتالي فإنها ستزول بخروجهم من دوائر السلطة في واشنطن، أو أنها مجرّد خطة عسكريّة سياسية وضعها بعض المختصّين في الاستراتيجية الدولية، ولكن الحقيقة أنّ هذه النظريّة قد أُعِدَّ لها منذ السبعينيات من القرن الماضي وبالأساس في أوساط العلماء والمفكّرين. (4) تهدف لتمكين الولايات المتحدة الأمريكية من قياد الأمم والشعوب عبر توظيف هذه الفوضى إلى ما يحقق لهم مصالحهم على المديات المتوسطة والبعيدة.
    ومع انسحاب القوات الأمريكية من العراق في عام 2011 زمن ولاية باراك أوباما خف التأثير الأمريكي وتفردت إيران في الهيمنة على المشهد السياسي الذي تعمد فيه المالكي من إقصاء المنافسين من العرب السنة، وتفرد في قيادة حكومة طائفية فاسدة حد النخاع حتى أسلم ما يزيد عن 44% من الأراضي العراقية للإرهاب المتمثل ب”داعش”، وهناك مقولات تشير إلى تعاون وتكامل  أمريكي مع إيران، فقد تعاون الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما مع إيران منذ بواكير حملته الانتخابية، وذكرت الصحف يومها في عام 2008؛ دعوة المتنافس على ترشيح الحزب الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية الأميركية باراك أوباما إلى “زخم دبلوماسي” في التعامل مع أزمة العراق يشمل محاورة إيران، وقال في جلسة للكونغرس ناقشت تقرير قائد القوات الأميركية في العراق الجنرال ديفيد بترايوس والسفير الأميركي هناك رايان كروكر، لا أعتقد أننا سنكون قادرين على جعل الوضع يستتب دون ذلك. وبعد الانسحاب الأمريكي نهاية عام 2011 تبين أن أوباما سلم العراق على طبق من ذهب إلى إيران وهذا الأمر مجمع عليه أمريكيا وعراقيا (5). فمدة ولايتي باراك أوباما كانت المدة الذهبية لتمكن إيران من الهيمنة المطلقة على العراق برضا أمريكيا.
 مع مجيء الجمهوريين للحكم في الولايات المتحدة الأمريكية بفوز دونالد ترامب للرئاسة، أعلن ترامب في 13 أكتوبر 2017 استراتيجية جديدة في التعامل مع إيران وتتضمن الاستراتيجية الجديدة، حسب بيان للبيت الأبيض، سبعة عناصر أساسية هي، تحييد التأثير المزعزع للاستقرار للحكومة الإيرانية وكذلك تقييد عدوانيتها، ولا سيما دعمها للإرهاب والمسلحين. وإعادة تنشيط التحالفات الأميركية التقليدية والشراكات الإقليمية كـمصد ضد التخريب الإيراني واستعادة أكبر لاستقرار توازن القوى في المنطقة. حرمان النظام الإيراني، ولاسيما الحرس الثوري، من تمويل أنشطته الخبيثة ومعارضة أنشطة الحرس الثوري الذي يبدد ثروة الشعب الإيراني. مواجهة تهديدات الصواريخ الباليستية والأسلحة الأخرى الموجهة ضد الولايات المتحدة وحلفائها. حشد المجتمع الدولي لإدانة “الانتهاكات الجسيمة للحرس الثوري” لحقوق الإنسان واحتجازه لمواطنين أمريكيين وغيرهم من الأجانب بتهم زائفة، (6). الأمر الذي وضع العراق باعتبار النفوذ الإيراني المتزايد فيه في عين الولايات المتحدة الأمريكية، واتخذ أولوية للسياسة الأمريكية الخارجية.
     إن السلوك الامريكي القادم تجاه العراق سيركز على عودة الانغماس في الشأن العراقي بعد سنوات من الانكفاء للوراء كما ارادت ذلك ادارتي اوباما، وسيكون السلوك الجديد ميالا للتدخل في الشؤون السياسية والعسكرية والاقتصادية، وما تقوم به اللجنة الامريكية لمكافحة الفساد التي ارسلتها الولايات المتحدة، الا بداية لكشف ملفات كبيرة ستؤثر على مجريات الواقع السياسي في العراق، والولايات المتحدة تهيء المسرح لدورها القادم، داخل منقسم قابل للانفجار في اي لحظة، دفع دول عربية للتدخل في العراق والبحث عن ادوار كانت ممنوعة من تأديتها منذ عام 2003، العمل على تقليل الدور الايراني في العراق، ضبط الدور التركي، عودة جديدة للشركات الامنية الامريكية بلباس ومهمات جديدة (7). بمعنى آخر علمت الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الجمهوريين وترامب فداحة خطأ أوباما الذي مكن إيران من العراق.
     ومن ثم فان العودة للانغماس والتغيير سيشكل العلامة القادمة للسلوك الأمريكي تجاه العراق والذي قد يأخذ واحد من اتجاهين، الاتجاه الاول الاعتماد على مجموعة جديدة لحكم العراق تعمد لإعادة ترميمه من جديد ليعود ليمارس دوره المفقود مدعومة بالرضا التركي السياسي، والدعم الأمني الأمريكي والمالي الخليجي. اما الاتجاه الثاني فإنها ستلجأ لتقسيم العراق الى اقليمين كما يؤيد ذلك رئيس الاركان الامريكي دنفورد الذي قال إن العراق لا يصلح أن يقسم سوى لدولتين دولة للشيعة ودولة للأكراد أما السنة فلا يستطيعون إنشاء إقليمهم أو دولتهم. وإذا ما حصل ذلك فاعتقد ان السنة سيلتحقون بدولة كردستان وهناك اصوات تدعو لذلك. (8)  وفقا لما تقدم تعد سياسة الولايات المتحدة الأمريكي المانعة لهيمنة النظام الإيراني على العراق مشجعة بطريقة أو بأخرى إلى وجود أقاليم على غرار إقليم كوردستان في العراق.
  وهذا التوجه السابق يؤكد توجهات ترامب التي صرحت ببقاء قواعد عسكرية أمريكية في العراق وأنها كلفت الولايات المتحدة مبالغ طائلة، وقالت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، إن التصريحات الأخيرة التي أطلقها الرئيس دونالد ترامب حول الوجود العسكري لبلاده في العراق، قد تقوض مفاوضات سرية جارية بين البلدين لنشر قوات “كوماندوز” أمريكية في العراق، لمحاربة بقايا تنظيم داعش الإرهابي. وأضافت الصحيفة أن مفاوضات سرية تجري منذ أسابيع بين الحكومتين العراقية والأمريكية لنشر عناصر من قوات “الكوماندوز” ونقل القوات الأمريكية من سوريا إلى العراق. وتابعت الصحيفة “تصريحات ترامب، جاءت في الوقت، الذي تقوم فيه الولايات المتحدة بالتفاوض بشكل هادئ منذ أسابيع للسماح لعدة مئات من قوات الكوماندوز الأمريكية وقوات الدعم العاملة في الوقت الحالي في سوريا بالانتقال إلى قواعد في داخل العراق لضرب داعش من الأراضي العراقية“(9). وجود ذريعة “داعش” مهم لحشد التحالف الدولي وهذا لا يقلل من أهمية دور القوات الأمريكية من قطع التواصل ما بين إيران وأذرعها في العراق وسوريا ولبنان.
    ونقلت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية عن عدد من كبار الضباط والدبلوماسيين الأمريكيين قولهم، إن تصريحات ترامب قد تقوض المفاوضات الحساسة الجارية مع العراق، لأنها تعني أن واشنطن تخدع الحكومة العراقية، وان هدفها الأساسي من نشر القوات الأمريكية الإضافية في العراق هو مراقبة إيران بالأساس، وليس مساعدة الحكومة العراقية في الرد على بقايا “داعش” على جانبي الحدود بين سوريا والعراق.(10)فإيران اليوم في كهدف في مرمى القوات الأمريكية بعد العقوبات المفروضة عليها، وهذا السيناريو يذكرنا بسيناريو احتلال العراق في 2003 بعد العقوبات المفروضة في 1991 ولمدة تزيد عن عشر سنيين.
فهل وجود القوات الأمريكية على الأراضي العراقية خارج تفاهمات بين البلدين؟ الجواب على هذا التساؤل المهم مرهون باتفاقية الإطار الاستراتيجي الموقعة بين البلدين، والتي تقول أن الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية العراق ملتزمتان بتطوير وتعزيز شراكتنا الدائمة القائمة على المصالح المشتركة التي ستستمر في التوسع في السنوات المقبلة. في الوقت الذي نحافظ فيه على شراكتنا الأمنية القوية لضمان الهزيمة الدائمة لداعش، فإننا نعمل على إعادة تنشيط علاقاتنا السياسية والاقتصادية لدعم الاقتصاد العراقي في مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين وتلبية احتياجات العراق في مجال إعادة الإعمار. سنواصل تعزيز روابطنا لبناء علاقة متعددة الأبعاد من خلال التجارة والتعليم والتبادل الثقافي والحماية الثقافية وتنفيذ القانون وحماية البيئة والطاقة وغيرها من المجالات الحيوية.
      وفي عام 2008 وقًعت دولتانا على اتفاقية الإطار الاستراتيجي (SFA)، لتأكيد رغبة الجانبين في إقامة روابط دائمة للتعاون والصداقة. واليوم فان اتفاقية الإطار الاستراتيجي (SFA) هي بمثابة الأساس الذي نبني عليه علاقة قوية ومفيدة للطرفين. ونجتمع اليوم مرة أخرى في بغداد للتأكيد ومن جديد على التزامنا بهذه الشراكة الهامة ومبادئ التعاون والسيادة والاحترام المتبادل التي أعربت عنها اتفاقية الإطار الاستراتيجي (SFA). (11)
ونشر موقع السفارة الأمريكية في العراق على صفحته استمرار البلدين العراق والولايات المتحدة بتجديد اتفاقية الإطار الاستراتيجي وتشكيل لجنة تنسيقية بين البلدين، فقد عقد نائب وزير الخارجية العراقي نزار خيرالله ونائب وزير الخارجية الامريكي جون سوليفان الاجتماع الخامس للجنة التنسيق العليا لاتفاقية الإطار الاستراتيجي (SFA) يوم 28 كانون الثاني 2018 في بغداد، وأكدا معا من جديد على التقدم الكبير الذي أحرزناه بموجب  اتفاقية الإطار الاستراتيجي (SFA) حتى الآن ، ووضعا الأساس للتعاون في المستقبل، لا سيما في مجالات التعاون السياسي والدبلوماسي والتعاون التجاري والمالي. (12)
   ويؤكد هذا المسعى ما أعلنته السفارة الاميركية في بغداد، يوم الثلاثاء 19/2/2019، من أن القوات الامريكية متواجدة بالعراق بدعوة مباشرة من الحكومة العراقية، مبينة ان القوات ستخرج بحال دعتها الحكومة. وقال القائم بأعمال السفارة الامريكية، جوي هود، في لقاء مع عدد من وسائل الاعلام في مقر السفارة بالمنطقة الخضراء، ان ‘القوات الأميركية هنا (في العراق) بدعوة مباشرة من الحكومة العراقية، وفقط متواجدة بضوء هذه الدعوة.  وأضاف أن الحكومة العراقية لو دعتنا إلى الخروج فسنخرج وليس فقط نحن بل جميع قوات التحالف والناتو، وكذلك المستثمرين الاجانب، مبينا أنه إذا غادرنا العراق الآن فإن الوضع الأمني لن يكون مضمونًا، وفيما يخص الاستثمارات الاجنبية، فبإمكانها النمو هنا لأنها متأكدة من بيئة أمنية ثابتة بوجودنا. (13) تسويق ربط الوجود الأمريكي بالاستقرار واحدة من أهم الرسائل التي يراد لها أن تصل لأصحاب القرار السياسي بوجه خاص والمواطن العراقي بالعموم.

المبحث الثاني

تأثير وجود القوات الأمريكية على العملية السياسية

   مما تقدم نلاحظ أن القدرات العراقية بتشكيلاتها المسلحة كافة لا تعد كافية لمواجهة التحديات الإرهابية الخطيرة التي تحيط بالعراق من الخارج والداخل، ولعل إعادة تمركز التنظيم الإرهابي الأشرس “داعش” في مناطق عديدة من العراق كما هو الحال مع المنطقة الغربية وتخوم الموصل وفي حمرين وفي شمال ديالى وغيرها، وقيام التنظيم بهجمات على أفراد القوات المسلحة العراقيين وعلى مدنيين في الآونة الأخيرة يعد خير دليل على محاولة إعادة انتشار التنظيم في العراق.
فقد أحبطت القوات الأمنية في شمال الموصل هجوم لداعش كما نقل الخبر (14) أحبطت القوات العراقية الأحد هجوما بسيارة مفخخة شمالي الموصل. وقال قائد الفرقة العشرين العميد شيرزاد رشيد لـ”راديو سوا” إن قوة من الفرقة “تمكنت من متابعة السيارة المفخخة في منطقة بادوش شمال غرب الموصل، وفقا لمعلومات استخبارية أفادت بمحاولة سائقها الانتحاري إدخالها إلى المدينة”.
    خلافا للتوقعات والتحليلات السياسية حول مصير تنظيم “داعش” والإعلان عن هزيمته نهاية العام 2018، تظهر الوقائع على الأرض أن التنظيم لا يزال قادرا على شن الهجمات، بل إنه عاد للإستراتيجية التي اعتمدها في بداياته؛ مما يدفع للتساؤل عن مصير التنظيم في 2019، وهل ستتأكد هزيمته أم سيشهد العالم جولة أخرى بعودة نسخة جديدة منه؟ وبرأي مراقبين ومحللين، فإن عناصر التنظيم وقياداته أظهرت قدرة على المناورة والانكماش في مناطق تمتاز بطبيعتها الجبلية الوعرة، مما أكسبه نقاط قوة مكنته من الظهور من جديد بحلة مختلفة وإستراتيجية تتماشى مع حجم الخسائر التي تعرض لها في الأعوام الأخيرة من الحرب الدولية عليه، فضلا عن تماسكه الداخلي الذي ظهر جليّا بفشل معظم الاختراقات الأمنية لصفوفه أو اعتقال قادته من الصف الأول. (15) الأمر الذي قد يؤهله بالظهور مرة أخرى إذا ما توفرت البيئة الملائمة له، وعلى الرغم من كل ما تعرض له حربيا ونفسيا من الحاضنة التي مهدت لوجوده في البداية قبل معرفة حقيقة إرهابه وإجرامه.
     والوجود الأمريكي في العراق مرحب به من قبل غالب مكونات المجتمع العراقي وممثليه السياسيين، فالكورد حلفاء دائمون للولايات المتحدة الأمريكية وفتحت أبواب إقليم كوردستان مشرعة لهم،  كشف موقع “باسنيوز” نقلاً عن مسؤول في وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) أن الوجهة الأولى للقوات الأمريكية المنسحبة من سوريا ستكون محافظة أربيل العراقية “عاصمة” إقليم كردستان العراق، وبحسب المصدر، فقد صرّح المسؤول الأمريكي (لم يذكر اسمه) أن 2130 جندياً من القوات الخاصة الأميركية سيغادرون سوريا في الأيام المقبلة، وسينتشرون في مدينة (أربيل) بإقليم كوردستان، موضحاً، أن الانسحاب من سوريا سيشمل قاعدة التنف ومنطقة الـ55 في مرحلة لاحقة.(16)
     مصدر عسكري عراقي كشف لـموقع “الخليج أونلاين”، سر الريبة التي اتسم بها الموقف العراقي من قرار الانسحاب الأمريكي، قائلاً: إن مجموعة مؤشرات رصدها الجانب العراقي في الأيام الماضية، أوصلت الحكومة إلى قناعة بأن انسحاب القوات الأمريكية من سوريا سيكون باتجاه الأراضي العراقية. وأضاف المصدر من وزارة الدفاع العراقية: إن جميع المؤشرات تشير إلى أن القوات الأمريكية ستتجه إلى قاعدتين: الأولى في مدينة أربيل عاصمة إقليم كردستان بالشمال، والثانية في الغرب ستتجه إلى قاعدة عين الأسد بناحية البغدادي القريبة من الحدود العراقية-السورية غرباً(17). وعزز هذا الاتجاه تصريحات ترامب حول هذه القاعدة وأهميتها ومقدار ما أنفق عليها.
    ونقل موقع صوت كوردستان خبرا مفاده، وصول حوالي 120 شاحنة من أربيل عاصمة اقليم كوردستان الى غربي كوردستان. الغرض من وصول تلك الشاحنات هو نقل عربات ومعدات الجيش الامريكي من الشمال السوري الى اربيل عاصمة إقليم كوردستان. وبهذا تكون أمريكا قد بدأت بسحب أولى قطعاتها من الشمال السوري تنفيذا لقرار ترامب بسحب القوات الامريكية. (18)
   أما العرب السنة فإنهم المكون المرحب بشكل كبير بعودة القوات الأمريكية بعد أن كانوا هم من قاتلوه وتسببوا بإخراجه من العراق بعد أن كانت مقاومتهم له من أشرس الحروب التي خاضها المقاومون منهم، رأى النائب عن تحالف النصر فيصل العيساوي في وقت سابق، أن الوجود الامريكي على الارض العراقية وجود فاعل ومهم ولا يستطيع العراقيين مطالبتهم بالرحيل الآن، كما انه ليس احتلالا، لافتا الى أن هذه القوات لا تقوم باي واجب دون موافقة العراقيين وهناك حاجة لوجودها.
وقال العيساوي إن الوجود الامريكي حاليا على الارض العراقية بهذه المرحلة هو وجود فاعل ومهم ولا يستطيع العراقيين مطالبتهم بالرحيل الآن”، مبينا أن “التواجد الامريكي ليس احتلالا او رغما عن ارادة الحكومة العراقية، مضيفا أن القوات الامريكية بعموم العراق لا تتحرك الا بموافقة الجهات العراقية المختصة، لافتا الى أن زمر الارهاب وداعش ما زالت موجودة بالصحراء والجبال والحدود وما زالت خلاياهم النائمة موجودة ايضا.
   وأوضح فيصل العيساوي أن اميركا بدأت بملاحقة حركة الأموال لداعش والمهربين الداعمين لهم وتضرب خلاياهم النائمة وبكلام واضح من القيادات العراقية بأن اي هدف نوعي ينفذ بالمناطق الصحراوية أو الجبال فهو ينفذ أما بالأسلحة الأمريكية أو بمعلومات أمريكية دقيقة وتنفذ بإشراف منها”، مشددا على أن القوات الامريكية لا تقوم باي واجب دون موافقة العراقيين ومرافقتهم بالتالي فان حاجة الواقع تقول ان الحاجة ما زالت موجودة لوجود تلك القوات. (19) العرب السنة بعمومهم شعروا بخيبة أمل كبيرة تجاه سياسة الولايات المتحدة الأمريكية في عهد أوباما بعد أسلم العراق لإيران والأحزاب التابعة لها في العراق على طبق من ذهب، لذا فإن جل العرب السنة اليوم مع تغيير بوصلة الأمريكان تجاه إيران في عهد ترامب ولا اعتبار للتصريحات الباردة التي يطلقها بعض السياسيين ووكلاء إيران في العراق ، بل جل العرب السنة في حقيقة واقعهم حتى من قاوم الأمريكان من قبل يقفون إلى جانب وجود قوات أمريكية في العراق لتتوازن الكفة مع نفوذ إيران المتزايد في العراق.
     أما المكون العربي الشيعي فإنه انقسم على نفسه فعموم فصائل الحشد الشعبي المسلحة تناهض في تصريحاتها الوجود الأجنبي في العراق ويسعى نواب لهم في البرلمان لاستحصال الموافقة على مشروع قرار لإخراج القوات الأجنبية من العراق، فقد كشف برلماني عراقي في وقت سابق عن وجود شبه إجماع برلماني وحكومي على ضرورة إخراج القوات الأمريكية ورفض تصرفاتها “غير المسؤولة. عد النائب عن “تحالف الفتح”، محمد كريم البلداوي، أن الوجود الأمريكي في العراق يهدد الأمن العراقي، مؤكدا في حديث لـ”السومرية نيوز “أن تصريحات ترامب تجاوزت اللياقة والأدب والعرف السائد بين الدول في احترام سيادة بعضها. لافتا إلى أن السياسة الأمريكية الجديدة التي يتبعها ترامب تعتمد على الاستفزاز ومحاولة التقليل من شأن الآخرين وقد تحصل حروب دامية بالعالم نتيجة لتلك السياسة الرعناء. (20) هذه التصريحات وأخواتها من بعض السياسيين تهدف في خانة التخندق مع إيران ضد الولايات المتحدة الأمريكية، مع اعتبار أن هذه الشخصيات وأحزابها وكياناتها جميعا تدين بالفضل للولايات المتحدة الذي أسقط نظام صدام ومكن أحزاب إيران من العراق، فهل عادت الولايات المتحدة في خانة الشيطان الأكبر كما تقول إيران قبلة هؤلاء؟
      بل شهدت الساحة العراقية مناوشات في التصريحات ومترجمة على الأرض ما بين القوات الأمريكية وقوات الحشد الشعبي، فقد كشفت لجنة الأمن والدفاع النيابية العراقية عن مخطط أمريكي لإخراج مليشيا الحشد الشعبي من المحافظات الغربية، مشيرة إلى أن واشنطن تحاول تجنّب الصدام مع هذه القوات. وقال عضو اللجنة، علي جبار، في تصريحات لوسائل إعلام محلية: إن القوات الأمريكية الموجودة في قاعدة عين الأسد بمحافظة الأنبار والمحافظات الغربية الأخرى تخطط لإخراج الحشد الشعبي من تلك المحافظات. (21) فهل الولايات المتحدة الأمريكية بهذا القدر من الغباء بحيث تنزل في تصريحاتها إلى مستويات تصريحات قادة ميدانيين تعد البعض منهم تابعين لإيران ومصنفين على قوائم الإرهاب، في حين ترتبط مع الحكومة العراقية باتفاقات وتفاهمات واضحة؟ ونسرد بعض التصريحات للتدليل على ما ذهبنا إليه من قبل.
    قال الأمين العام لحركة “الجهاد والبناء” التابعة للحشد الشعبي في العراق، حسن الساري، إن الولايات المتحدة الأمريكية لن تستطيع إبعاد قوات الحشد الشعبي عن منطقة الحدود العراقية السورية”. وأضاف في تصريحات خاصة لراديو “سبوتنيك” إنه ليس من مصلحة القوات الأمريكية استفزاز قوات الحشد الشعبي، مشيراً إلى أن واشنطن غير قادرة أيضا على خلق قوة مثل “داعش” على الأرض لأن العراق يملك مؤسسات أمنية أقوى من قبل. وقال إن واشنطن حاولت منع الحشد سابقا من الدخول للموصل والفلوجة وتكريت، لكن دون جدوى. (22) تكمن مشكلة تصريحات قادة الحشد الشعبي بكونها مزايدات رخيصة لقادة لا يملكون من أمرهم شيء فالساري وغيره يعلم يقينا أن لا قدرة لا للحشد ولا للعراق إن ظاهره ولا لإيران إن ساندته بالتصدي لقوة الجيش الأمريكي في المنطقة، قد يكون المراد من هذه التصريحات رفع معنويات المقاتلين وتشجيعهم ليس إلا.
     كما أكد قائد المحور الغربي لـ”الحشد الشعبي”، قاسم مصلح، يوم الثلاثاء 15/1/2019 ، أن الحشد دفع بتعزيزات على الحدود السورية العراقية تحسبا لأي طارئ بعد الحصول على تفاصيل محاولات التجسس للجيش الأمريكي هناك. وقال مصلح لموقع “المعلومة” إن التواجد الأمريكي على الحدود العراقية السورية ليس بجديد، الا أن الجديد في الأمر هو قيام تلك القوات باستطلاع الساتر والنقاط المتواجد فيها حرس الحدود والجيش وتسجيل الإمكانيات الموجودة سواء من الأسلحة والأعتدة أو القوة البشرية.(23) تعكس تصريحات مصلح حقيقة التخوف من تواجد القوات الأمريكية في الحدود العراقية السورية وبالتالي هيمنتها على الطريق الرابط بين إيران وشركائها وأذرعها في العراق وسوريا ولبنان.
     ومن جانب القوات الأمريكية فإنها ترى في فصائل الحشد الشعبي تهديدا لها لكون أغلبها يتبع في قياده لإيران، فمن أربيل عبر قناة (كوردستان24)، قال المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون” إيريك باهون ان القوات الأمريكية في العراق تلقت تهديدات من ميليشيات مدعومة إيرانيا، مشيرا الى أن أمريكا قادرة على الدفاع عن نفسها. وقال باهون” تركيزنا يبقى على استمرار هزيمة داعش، نعم شهدنا التهديدات من الميليشيا المدعومة من إيران، ولكن الولايات المتحدة أكثر من قادرة على الدفاع عن نفسها وحلفائها. وصنف الكونغرس الأمريكي في وقت سابق حركة النجباء التي يترأسها أكرم الكعبي والتابعة للحشد الشعبي “منظمة ارهابية”، داعيا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الى حظرها ومعاقبة الشخصيات المسؤولة عنها خلال مدة أقصاها 90 يوما. من جهته صرح فصيل تابع للحشد الشعبي انه يعد القوات الأمريكية “عدوا مباشرا”. (24) هذه المساجلات الكلامية لا وزن لها لكون القرار العراقي ليس للحشد بل للبعد السياسي المتمثل بالحكومة، وربما أرادت الولايات المتحدة الأمريكية من إسقاط قادة الحشد في الفخ في محاولة منها لتصنيفهم تابعين لولاية الفقيهة وليس للحكومة العراقية.
   أما الموقف الرسمي للحكومة وعلى لسان السيد عادل عبد المهدي رئيس مجلس الوزراء فإنه يتعامل مع وجود القوات الأمريكية بتنفيذ اتفاقية الإطار الاستراتيجي وتجديدها كل مرة لكون الولايات وفق الاتفاق مسؤولة عن تدريب وتأهيل القوات العراقية كما أن التسليح يمر من عبرها، مع اعتبار حماية أمريكية للنظام الديمقراطي في العراق كما تنص الاتفاقية (25)، ويمكننا القول أن عبد المهدي لم يعترف بوجود قواعد أمريكية على الأراضي العراقية بل يقول هناك قوات أمريكية تابعة للتحالف الدولي وتمارس مهامها في تدريب القوات المسلحة العراقية.
     ومن بغداد في 12 فبراير/شباط 2019 أكد رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي، رفض بلاده لأية قواعد أجنبية على أراضيها، خلال استقباله وزير الدفاع الأمريكي بالوكالة باتريك شاناهان. وذكر بيان صادر عن مكتب عبد المهدي، أن الأخير بحث مع المسؤول الأمريكي “تطوير العلاقات بين البلدين، والحرب ضد الارهاب وتطورات الأوضاع في المنطقة”. ونقل البيان عن عبد المهدي قوله، انه يجب التقيد بالاتفاقات الأساسية وهي محاربة الارهاب وتدريب القوات العراقية وليس أي شيء آخر. وأكد عدم قبول أية قواعد أجنبية على الأرض العراقية.
  وأضاف أن القرار العراقي مستقل ولا يتأثر بأي نفوذ واملاءات من أي طرف، مشيرا إلى انفتاح العراق على محيطه العربي والإقليمي وحرصه على إقامة علاقات تعاون تخدم مصالح العراقيين وتعزز فرص التنمية والاستقرار لشعوب المنطقة. ودعا عبد المهدي الى مساندة جهود الاستقرار والاعمار وتطوير الاقتصاد، مشيرا الى ان العراق حقق نجاحات واضحة، ويشهد اليوم استقرارا بعد دحر عصابة داعش الارهابية. (26) والحقيقة أن زيارة وزير الدفاع الأمريكي بالوكالة كانت لترميم الصدع الذي أحدثته تصريحات الرئيس ترامب حول قاعدة عين الأسد، وهي زيارة سياسية تعتبر الطرق الدبلوماسية ولا تغيير من حقيقة القرار الأمريكي في اتخاذ قاعدة عين الأسد من القواعد الاستراتيجية الكبيرة لها في العراق خاصة وفي الشرق الأوسط بشكل أعم.
    أما بالنسبة للتحالفات السياسية في العراق وموقفها من التواجد الأمريكي وتصريحات ترامب لبقاء قواعد أمريكية في العراق فإنها تصدر عن منظومة واحدة تتخندق والرؤية الإيرانية التي تعد من القوات الأمريكية في العراق تهديدا حقيقيا يستهدف وجودها، ولعل أكثر الكتل تأثيرا في الساحة السياسية العراقية بعد انتخابات 2018 هم سائرون والفتح الذين اتفقا على مفردات تشكيل الحكومة وتبعهما من بعدهما تحالف الإصلاح والإعمار بقيادة سائرون، وتحالف البناء بقيادة الفتح، فقد خرج تحالفا “الفتح” بزعامة هادي العامري و”سائرون” المدعوم من مقتدى الصدر، برد مشترك على تصريحات الرئيس الأمريكي بشأن إبقاء قوات بلاده في العراق لمراقبة إيران.
    وقال العامري خلال الاجتماع المشترك، إن أمامنا تحديات لابد من تجاوزها أهمها التواجد الأمريكي، مشددا على أن العراق لن يكون منطلقاً لتهديد دول الجوار بما فيها السعودية، وأن الدستور يرفض التواجد الأجنبي.  وبخصوص الخلافات حول إكمال تشكيل الحكومة، قال العامري إن الاختلاف السياسي أمر وارد لكن الفشل سيحسب على البناء (كتلة العامري) والإصلاح (كتلة الصدر) بصورة عامة. (27) غالبا ما تكون المؤتمرات الصحفية للساسة والقادة والرادة بظل وجود أزمة محددة لا تعكس حقيقة ما يحملون من توجهات بل قد تكون بالغالب الأعم للاستهلاك العام لكون التصريحات لا تشكل إلا الجزء الظاهر من الجبل الجليدي، بينما التوجهات الحقيقية تدار في الغرف المغلقة والأروقة السياسية المعقدة ، ولعل تصريحات بعض الساسة العراقيين كانتفاض قنبر من قبل عن إرسال العامري لوفود إلى الولايات المتحدة الأمريكية لإقناعهم بحصوله على منصب رئيس الوزراء من قبل تختلف كثيرا عن تصريحاته أما كاميرات الفضائيات في التصريح الصحفي المشترك مع سائرون.
     وقوبلت تصريحات ترامب باستياء واسع في العراق ومن أعلى المستويات المحسوبة بشكل أو بآخر على الولايات المتحدة الأمريكية سواء كانت من مسؤولين حكوميين أو من قادة سياسيين، وقال الرئيس العراقي برهم صالح، إن ترامب لم يطلب إذنا من العراق لتقوم القوات الأمريكية الموجودة على أراضيه “بمراقبة إيران“. ونقلت “رويترز” عن صالح، قوله خلال منتدى عقد في بغداد في 4 فبراير، إن القوات الأمريكية في العراق موجودة بموجب اتفاق بين البلدين، ومهمتها مكافحة الإرهاب، لافتا إلى أن الحكومة طلبت إيضاحات بشأن أعداد القوات الأمريكية المتواجدة في العراق ومهمتها. (28) لا شك أن تصريحات صالح وحتى من قبله عبد المهدي تنم عن دبلوماسية واضحة يراد من خلالها تأمين سيادة العراق ومن ثمة أن القوات الأمريكية موجودة ضمن اتفاقات وتفاهمات ولا وجود لقواعد ثابتة في العراق إلا في ظل التفاهمات بين البلدين، هذه التصريحات تحمل معها بالإضافة إلى الدبلوماسية ردود وأعذار للبعد الإقليمي المتمثل في إيران بعد الحملة المتصاعدة بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية.

الخلاصة

      وفي خاتمة المطاف نتمكن من القول أن الوجود الأمريكي في العراق وفق الاتفاقات بين البلدين متفق عليه من قبل الساسة كافة شيعة وسنة وكوردا، لكن الاعتراض على أن يكون العراق منطلقا لعمليات حربية ضد بلد آخر يعد أمرا مرفوضا في التصريحات السياسية كافة وإن تمناه البعض خفية، وكذا الحال مع وجود قواعد عسكرية كبيرة دائميه فهو أمر ينال رضى المكونين العربي السني والكوردي، في حين ينقسم العرب الشيعة حول الموضوع بحسب ولائها لإيران، فجميع الموالون لإيران يرفضون قطعا أي تواجد للقوات العسكرية الأمريكية على الأراضي العراقية هذا فضلا عن قيامها بدور مراقبة إيران أو محاربته لكون العديد من مكونات هذا التوجه مستهدفة من أصل التواجد العسكري الأمريكي في العراق، وهي تعد من أذرع إيران خاصة إذا ما كانت مصنفة على قوائم الإرهاب الأمريكية.
 

الهوامش والمراجع

  • صفاء مهدي صالح الكناني، المتغيرات الإقليمية والاستراتيجية الأمريكية حيال العراق بعد 2003، كلية العلوم السياسية، جامعة النهرين، 2012، http://nahrainuniv.edu.iq/ar/node/1958 .
  • مايكل نايش، دور الولايات المتحدة في الحياة السياسية بعد الانتخابات في العراق، معهد واشنطن، 24/4/2014، https://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/the-u.s.-role-in-iraqs-postelection-politics .
  • نجلاء شمس الدين، كونداليزا رايس صاحبة “الفوضى الخلاقة” تعترف بأن غزو بلادها للعراق وأفغانستان لم يكن من اجل نشر الديمقراطية.
 https://beiruttime-lb.com

الفصل الثاني

تداعيات التواجد الامريكي على النفوذ الايراني ومستقبل الميليشيات الإيرانية في العراق

شاهو القره داغي

تمهيد

نشر الجيش الأمريكي في 17 يناير 2019 دراسة مطولة ضمن مجلدين شاملين زاد عدد صفحاتها عن 1300صفحة، متضمنة 1000 وثيقة رفعت عنها السرية حول التاريخ العسكري في العراق، بهدف (استخلاص العبر من الحرب). ومن أبرز الاستنتاجات التي وصلت إليها الدراسة، أن “إيران الجريئة والتوسعية تبدو و كأنها المنتصر الوحيد” نتيجة التدخل الأمريكي في العراق عام 2003. بالإضافة إلى “الاعتراف بفشل ردع إيران، و الفشل في تدريب قوات عراقية قادرة على الاعتماد على نفسها، مع فشل أوباما و المالكي في التوصل الى اتفاق حول تمديد الوجود الأمريكي الذي قوض إمكانية تحقيق الاستقرار، و المشاكل الأمنية التي تفاقمت نتيجة قرارات نوري المالكي ضد السنة”. (1)
يأتي هذا التقرير بالتزامن مع الانسحاب الأمريكي من سوريا و التوجه إلى العراق، وزيادة نشاط الجيش الأمريكي في المحافظات العراقية، مع نية أمريكية لبناء المزيد من القواعد العسكرية و تعزيز التواجد في كردستان العراق و المناطق الحدودية بين العراق و سوريا، بالإضافة إلى المحافظات السنية العراقية حسب المصادر العسكرية العراقية.
وفي تأكيد لهذه المعلومات أعلن الرئيس الامريكي دونالد ترامب في مقابلة مع شبكة “سي بي إس” عن أسفه “من الحروب التي لا تنتهي في سوريا و أفغانستان ” و أوضح أنه يريد أن يقلص الوجود الامريكي المكلف في هذين البلدين ” وحول العراق قال ” أن بلاده أنفقت ثروة على قاعدة (عين الاسد) الجوية في غرب العراق و أن على الولايات المتحدة الاحتفاظ بها ” و أضاف “أحد الدوافع وراء رغبتي في الاحتفاظ بهذه القاعدة هو أنني أريد مراقبة إيران على نحو ما ، لأن إيران تمثل مشكلة حقيقية “. (2)
زيادة النشاطات الأمريكية على الأراضي العراقية ، و التأكيد الرسمي للإدارة الامريكية حول التواجد العسكري ، قد يهدف لتحقيق عدد من الأهداف بالنسبة للإدارة الامريكية ، منها ما يتعلق بالعراق و مساعدة المؤسسات العراقية للاعتماد على نفسها في الفترة القادمة ومكافحة الجماعات الإرهابية وخاصة في ظل عودة نشاطات تنظيم “داعش” و استغلاله للفراغ الأمني في بعض المناطق في العراق، ومنها ما يتعلق بالمنطقة بشكل عام، حيث من الممكن تكثيف التواجد العسكري في العراق لاتخاذه منطلقاً للعمليات العسكرية في سوريا في ظل الانسحاب الجزئي منها، بالإضافة إلى مراقبة طهران و تحجيم النفوذ الإيراني في العراق عن طريق تشجيع الدول العربية على التعامل مع الحكومة العراقية و تنشيط العلاقات التجارية و فتح باب الاستثمار في العراق لمنع استفراد إيران بالسوق العراقية خلال الفترة القادمة .

أسباب القلق الإيراني من العودة الأمريكية إلى العراق

أعلنت إيران الانتصار بعد الانسحاب الأمريكي من العراق في عام 2011 ، وبدأت بفرض رؤيتها السياسية عن طريق الأحزاب السياسية الشيعية القريبة منها، و البدء بإقصاء المكون السني و إحداث مشكال مع إقليم كردستان العراق ، بالإضافة إلى السيطرة على المجال الاقتصادي عن طريق توقيع العديد من الاتفاقيات مع العراق و احتكار السوق العراقي لصالح البضائع الإيرانية و دفع العراق للاعتماد على طهران في مجال الطاقة، بالإضافة للتمهيد لاستخدام العراق كممر بري لنقل الأسلحة و المقاتلين إلى سوريا ومنها إلى حزب الله في لبنان، ولكن يبدو ان العودة الأمريكية إلى العراق و بناء القواعد العسكرية و محاولة السيطرة الأمريكية على الحدود العراقية -السورية و دفع بغداد لتنويع مصادر الطاقة و فتح العلاقات مع الدول العربية، كل هذه الإجراءات التي رافقت العودة الأمريكية للعراق تُشكل مصدر قلق لصانع القرار الإيراني ، لأنه يُهدد جميع المكاسب التي حققتها إيران في العراق خلال السنوات الماضية .
بالإضافة إلى عودة الاهتمام الأمريكي بالعراق و دفع الشركات الأمريكية للعمل داخل العراق في المجالات المتنوعة، ساهم التواجد الأمريكي في فتح الباب أمام الكثير من الدول لإعادة تفعيل العلاقات مع العراق، فالفترة الماضية شهدت عدد كبير من الزيارات الرسمية المهمة إلى العراق في سبيل تخفيف النفوذ الإيراني و فتح المجال أمام الآخرين للدخول و كسر احتكار طهران للساحة العراقية.
ومنذ تشكيل الحكومة العراقية الجديدة بقيادة (عادل عبد المهدي) في أكتوبر 2018، وصل الرئيس الأمريكي في زيارة قصيرة إلى قاعدة (عين الأسد) في محافظة أنبار العراقية لتفقد جنود بلاده في العراق للمشاركة في احتفالات رأس السنة، وعلى الرغم من عدم لقاء الرئيس الأمريكي بالمسؤولين العراقيين أو ذهابه إلى بغداد العاصمة، إلا ان الزيارة مؤشر على الاهتمام الأمريكي بالعراق، حيث ان الزيارة سببت قلقاً وانزعاجا لإيران وزادت المخاوف من وجود نية أمريكية لاستخدام العراق للإضرار بمصالح إيران ونفوذها.
-كسر الاحتكار الإيراني والهيمنة الإيرانية على العراق
 بينما زار عاهل الأردن (الملك عبدالله) العاصمة العراقية بغداد لأول مرة منذ 10 سنوات كخطوة تمهيدية لبناء علاقات تجارية واسعة في 14 يناير 2019 ، حيث كانت آخر زيارة للملك عبدالله إلى العراق في عام 2008 وهذا يؤشر على أهمية هذه الزيارة بالنسبة لاستئناف العلاقات التجارية و الاقتصادية ، ومهدت الزيارة لتوقيع العديد من الاتفاقيات بين العراق و الأردن ، شملت تفاهمات في مجال التجارة ، وخفض الرسوم الجمركية بين البلدين، والنقل، والقطاع المالي، والطاقة، و إقامة منطقة صناعية مشتركة ، بالإضافة الى التوافق على البدء بالدراسات اللازمة لإنشاء أنبوب النفط، بحيث يمتد من البصرة مروراً بمنطقة حديثة، ثم إلى ميناء العقبة.
وهذه الخطوات والاتفاقيات ساهمت في زيادة حركة التجارة عبر معبر “طريبيل” الحدودي في محافظة الانبار غرب العراق، وتوجه التجار للتعامل عن طريق هذا المعبر وتجنب موانئ البصرة الجنوبية، التي تُهيمن عليها عشرات الفصائل المسلحة، والميليشيات العراقية، وتقوم بعمليات ابتزاز التجار والجهات الرسمية. (3)
     وبالتزامن مع توقيع الاتفاقيات و زيادة التبادل التجاري مع الأردن، بادرت المملكة العربية السعودية لتوطيد و تنمية العلاقات مع العراق، في المجال الاقتصادي و التجاري و الرياضي و الإعلام ، حيث قدم الملك سلمان بن عبدالعزيز ملعب رياضي إلى العراق يتسع لمئة ألف متفرج، بالإضافة إلى فتح قناة (إم بي سي العراق) لزيادة التقارب بين بغداد و الرياض ،بالإضافة إلى نية سعودية لفتح أكبر ساحة للتبادل التجاري على حدودها الشمالية مع العراق خلال الفترة القادمة ، والتي يتزامن مع الافتتاح الرسمي لمنفذ “عرعر” من الجانب العراقي و الذي تعهدت الرياض بإنشائه بجميع تجهيزاته ، وخاصة أنها تأتي في وقت الانحسار الإيراني بالمشاكل الداخلية و معالجة آثار العقوبات الاقتصادية الامريكية مما يمنع طهران من مقاومة العودة السعودية إلى العراق. (4)
       إيران استثمرت كثيراً في تشويه صورة الدول العربية عند المواطن العراقي عن طريق المؤسسات الإعلامية التابعة و رجال الدين و السياسيين التابعين لها، ولكن الإجراءات السعودية و تقديم يد العون و المساعدة للنهوض بالعراق وخاصة في المجالات المهمة التي تختص حياة المواطنين ، قوبلت بإيجابية من قبل المواطنين العراقيين، ومن الطبيعي أن تلقى السلع السعودية رواجاً كبيراً في السوق العراقية بسبب الجودة و المواصفات العالية و الأسعار المناسبة أيضا، بخلاف السلع الإيرانية الرديئة و الفاسدة والتي تثير انزعاج المواطنين عن الهيمنة الإيرانية على السوق العراقية.
    يبدو واضحاً أن هذا الانفتاح العربي على العراق يأتي ضمن المحاولات الأمريكية لإبعاد العراق عن إيران، و تخفيف النفوذ الإيراني في العراق، و البدء بمجال الطاقة و العلاقات التجارية ثم الدخول في الجانب السياسي بشكل تدريجي ، وهذا ما يدفع طهران للإصرار على البقاء في العراق عن طريق توقيع الاتفاقيات في مجال الطاقة و الكهرباء، وتأكيد المسؤولين الإيرانيين بأن إيران أفضل شريك للعراق ولا يمكن للعراق أن تجد بديلاً أفضل من إيران في المنطقة في مجال الطاقة ، بينما تجربة العراق مع إيران في مجال الطاقة ليست إيجابية ، حيث على الرغم من عدم تطوير مجال الطاقة في العراق، إلا ان طهران قامت باستخدام ملف الطاقة كوسيلة ضغط سياسية على الحكومة العراقية أثناء فترة حكم رئيس الوزراء العراقي السابق (حيدر العبادي) عندما قطعت الكهرباء عن المحافظات الجنوبية و تسببت في تأليب الشارع العراقي ضد الحكومة بسبب الخوف الإيراني من ميول (حيدر العبادي) نحو الولايات المتحدة الأمريكية، وبالتالي لا يمكن التعويل على إيران في مجال الطاقة وغيرها من المجالات ، لأن الهدف الأساسي لإيران هو إبقاء العراق تحت السيطرة وعدم السماح لأي حكومة عراقية بالخروج على مصالح طهران الاستراتيجية في العراق.
     بالإضافة إلى نية أمريكية لإبعاد الايادي الإيرانية عن ملف إعادة اعمار المحافظات المُدمرة، حيث تسعى إيران إلى المشاركة وبقوة في ملف إعادة الاعمار عن طريق الشركات الإيرانية ولكن قد تتصادم مع الإجراءات الامريكية على أرض الواقع ، لأن زيادة الولايات المتحدة عدد قواتها تأتي استجابةً لاستراتيجية جديدة توفر للشركات الأمريكية البيئة الآمنة في العراق للاستثمار والحصول على حصة كبيرة من استثمارات إعادة الإعمار، إضافة إلى كبح جماح الفصائل المسلحة الموالية لإيران التي تمثل عائقا أمام الاستثمار في البلاد، بحسب ما قاله السفير الأمريكي المنتهية مهامه في بغداد دوغلاس سيليمان. (5)

استخدام العراق لمراقبة طهران

تعمل إيران على تأجيج الشارع العراقي ضد تواجد القوات الامريكية في العراق، بالتزامن مع دفع الكتل الشيعية و السنية القريبة منها لصياغة قانون في البرلمان لإخراج القوات الأجنبية من العراق وخاصة الأمريكية.
تخشى طهران من قيام الولايات المتحدة الأمريكية باستخدام العراق للإضرار بالمصالح الإيرانية، و دعم الحركات و الجماعات المعارضة للنظام الإيراني و دفعهم للقيام بعمليات عسكرية داخل الأراضي الإيرانية، بالإضافة إلى قيام القوات الامريكية ببناء القواعد الامريكية في المناطق الاستراتيجية في العراق لمنع اكتمال الطريق الاستراتيجي لإيران الذي يمر بالعراق إلى سوريا، وهذا يُهدد النفوذ الإيراني في العراق بشكل كبير.
تحاول الإدارة الأمريكية فرض واقع سياسي وعسكري جديد في العراق بعد الانتهاء من تنظيم داعش، وهو عدم السماح لإيران بالاستفراد بالعراق كما كان في السابق، حيث أن هناك كتل سياسية تؤيد التواجد الأمريكي وتعتبره ضرورياً في هذه المرحلة، بالإضافة إلى حدوث تغيير كبير في المزاج الشعبي نحو القوات الامريكية، حيث أصبح الكثير من العراقيين ينظرون إلى التواجد الأمريكي كأمر طبيعي ولا يرونه احتلالا جديداً، بل لديهم أمل في مساهمة التواجد الأمريكي في تخفيف وطأة النفوذ الإيراني داخل العراق.
يبدو ان الاستراتيجية الأمريكية في العراق تقوم على تفكيك النفوذ الإيراني بشكل تدريجي، وهذا الخيار أفضل من المواجهة العسكرية مع أدوات إيران في العراق، لأن المواجهة العسكرية سيتسبب بانهيار الاستقرار الهش الموجود في العراق والتي تحاول الولايات المتحدة الامريكية المحافظة عليها في الوقت الحالي، و بالتالي تجنب المواجهة مع الميليشيات و الأدوات الإيرانية في العراق، لان التصادم العسكري يؤدي الى عودة الفوضى و الدمار إلى العراق، بالإضافة لإلحاق الاضرار بالقوات الأمريكية ، استخدام إيران للعراق كساحة لتصفية الحسابات مع أمريكا دون ان تتضرر بشكل مباشر.
وتفكيك النفوذ الإيراني في العراق لن يقتصر على جانب واحد ، بل كافة الجوانب و المجالات التي نجحت إيران في السيطرة عليها منذ 2003 و حتى الآن ، فالجانب الإيراني نجح خلال السنوات الماضية من احتكار السوق العراقي و رفع نسبة الصادرات إلى العراق، بالإضافة إلى السيطرة على الجانب الثقافي و الديني و إخضاع المؤسسات الدينية ، بالتزامن مع تأسيس الميليشيات الطائفية المسلحة لتكون قوات موازية للجيش العراقي و المؤسسات الأمنية الرسمية ، ودعم الأحزاب السياسية للسيطرة على قرارات البرلمان ، وهذا يتطلب محاربة النفوذ الإيراني في هذه المجالات بشكل تدريجي يمنع التصادم المسلح و لا يؤدي لانهيار الدولة و يضمن تحجيم النفوذ الإيراني ، ومن المناسب القيام بهذه الخطوات في الوقت الحالي في ظل الانشغال الإيراني بالعقوبات الامريكية و إمكانية عودة المظاهرات الشعبية في الداخل التي تعاني من الظروف الاقتصادية القاسية و الإجراءات القمعية .

تأثير التواجد الأمريكي على نشاط الميليشيات الإيرانية

سيطرت ميليشيات الحشد الشعبي والفصائل التابعة لإيران في العراق على مفاصل الحياة في المناطق التي حررت من تنظيم داعش، فالحشد الشعبي لم يكتف بالسيطرة على الجانب الامني في هذه المناطق، بل اصبح يستولي على الاراضي والمحلات و يدخل في التجارة لتوفير المال اللازم لنشاطاتها التخريبية.
نجحت إيران في بناء الحشد الشعبي وتقديمه كقوة امنية وعسكرية بديلة عن الاجهزة الامنية الرسمية بعد انهيارها اثناء ظهور داعش، و حافظت الميليشيات على بقاءها و كسبت غطاءً قانونيا من خلال قرار البرلمان واصبحت جزءا من المنظومة الامنية للدولة، و قررت المشاركة في الانتخابات ايضا للسيطرة على كل جوانب الدولة كما تفعل ميليشيات حزب الله في لبنان.
تخشى قيادة الحشد الشعبي من ان تؤدي العودة الامريكية الى خسارة هذه المكاسب في حال حدوث التصادم معها، وهي تحاول تأجيج الشارع العراقي وتشويه القوات الامريكية عند الشارع السني خوفاً من تعاطف المواطنين مع القوات الامريكية ورفض ميليشيات الحشد الشعبي.
    والمؤشر الأكبر على خشية الميليشيات التابعة لإيران من العودة الامريكية إلى العراق وانتشارها في المدن، هو كثرة التهديدات من قبل الميليشيات للقوات الامريكية، حيث أعلن زعيم ميليشيات عصائب اهل الحق وهي أبرز الميليشيات الإيرانية في العراق عن “رصد انتشار وتحركات جديدة للقوات الامريكية داخل العراق” وهدد الميليشيا” بضرب تلك القوات في حال عجزت الحكومة والبرلمان عن التصرف، لان التواجد الأمريكي انتهاك صارخ للسيادة العراقية وتعد وتحد لإرادة الشعب الرافضة لوجود أي قوات اجنبية على الأراضي العراقية “.  (6)
      ولكن يبدو ان القوات الامريكية لا تكترث بتهديد الميليشيات الشيعية التابعة لإيران ، لأنها تُدرك أن الميليشيات لن تقدم على مواجهة القوات الامريكية ولن تُجازف بخسارة كافة المكاسب و الامتيازات التي حصلت عليها خلال السنوات الماضية ، حيث كشفت صحيفة لبنانية قريبة من ميليشيات حزب الله اللبناني عن قيام القوات الامريكية بتمددهم في محافظة الانبار العراقية ، و إنشائهم قاعدتين عسكريتين جديدتين ، على الخط الدولي الرابط بين بغداد و العاصمتين السورية و الأردنية ، ضاربة بعرض الحائط بمطالبة القوى السياسية بخروجهم “.
وحسب مصادر الصحيفة فإن المساعي الامريكية في تثبيت نقاط عسكرية في تلك المناطق تعود لرغبة واشنطن في الإمساك بالخط الدولي الرابط بين بغداد و دمشق، وبغداد وعمان، أولا، لأن ذلك يسهل عملية مراقبة “خط امتداد المحور الإيراني: طهران، بغداد، دمشق، بيروت ” ومن ثم السيطرة على كميات الغاز الكبيرة الموجودة هناك” . (7) .

خيارات الميليشيات الإيرانية

من الواضح أن الميليشيات الشيعية في العراق فرضت نفسها على الساحة العسكرية و الأمنية و السياسية مُستغلاً ظهور تنظيم داعش و انهيار القوات الأمنية و العسكرية للدولة، ومع انتهاء العمليات ضد تنظيم داعش و انهيار التنظيم في العراق و سوريا، يعود السؤال عن جدوى بقاء هذه الميليشيات التي باتت تمارس النشاط التجاري و تفتح المكاتب في الأماكن السكنية و تساهم في انتشار السلاح و الفوضى في العديد من مناطق العراق.
     تحاول ميليشيات الحشد الشعبي تصوير النشاطات الامريكية في العراق على انها محاولة لإحياء التنظيمات الإرهابية و دعم تنظيم داعش من جديد، حيث تُدرك هذه الميليشيات أنها بحاجة لصنع عدو جديد بعد انتهاء داعش للاستمرار في البقاء و المحافظة على النفوذ و المكاسب التي حصلت عليها خلال الفترة الماضية، وبالتالي تتبنى خطاباً عدوانياً ضد التواجد الأمريكي في العراق لتبرير تواجدها و إقناع المواطنين بأن وجودها ضروري لبقاء الامن و الاستقرار، على الرغم من ان الحقائق تثبت عكس ذلك.
     تُدرك ميليشيات الحشد الشعبي أن خياراتها محدودة في التعامل مع التواجد الأمريكي في العراق، حيث لم يعد العراقيون ينظرون للتواجد الأمريكي كقوات محتلة ، بالإضافة إلى أن العقوبات الامريكية على إيران دفعت طهران للانشغال بالمشاكل الداخلية و طرق مواجهة الاحتجاجات التي قد تندلع مستقبلاً مع استمرار الظروف الاقتصادية، وبالتالي فإن الحشد الشعبي لن يقدم على استفزاز القوات الامريكية أو الدخول في صدام عسكري لأن الحشد الشعبي سيكون الطرف الخاسر ، ولكن في حال أرادت إيران استعمال الميليشيات لضرب القوات الامريكية في العراق وتحويل العراق مجدداً كساحة لتصفية الحسابات فإن الميليشيات الشيعية لن تلتزم جميعها بهذه التعليمات الإيرانية ، بسبب وجود أطراف داخل هذه الميليشيات يُفضل مصالحه على المصالح الإيرانية ، بدليل ما حصل مع القيادي “أوس الخفاجي” قائد كتائب “أبو فضل العباس” الذي انتقد ايران فتم خطفه من قبل ميليشيات الحشد الشعبي و إلى الآن مصيره مجهول، وهذا دليل على وجود خلافات داخلية داخل الميليشيات الشيعية.

مستقبل الميليشيات الإيرانية في ظل التواجد الامريكي

     في 8 سبتمبر 2018 انهار وابلان من الصواريخ على القنصلية العامة للولايات المتحدة بالقرب من مطار البصرة، وعلى الرغم من عدم وقوع أي إصابات او اضرار، ولكن أصدر البيت الأبيض بياناً شديداً قالت فيه “ان الولايات المتحدة الامريكية ستعتبر النظام في طهران مسؤولاً عن أي هجوم ينتج عنه وقوع إصابات بين أفرادنا أو أضرارا بمرافق حكومية أمريكية، وسوف ترد الولايات المتحدة بسرعة وحسن دفاعاً عن أرواح الأمريكيين”. (8)
      تتعامل الولايات المتحدة الامريكية مع الميليشيات الإيرانية في العراق على انها عبارة عن أدوات إيرانية لنشر الفوضى في المنطقة مثل حزب الله اللبناني و الحوثيين في اليمن ، وبالتالي يتم التعامل مع الاذرع الإيرانية في العراق ضمن مخطط استراتيجي لقطع الاذرع الإيرانية في المنطقة و إنهاء النفوذ الإيراني بشكل تدريجي على العراق، عن طريق فرض العقوبات على بعض الميليشيات الإيرانية مثل “عصائب اهل الحق” و “حركة النجباء” ، أو دعم القوات الأمنية المحايدة العراقية لإضعاف هذه الميليشيات ، لتجنب التصادم العسكري الذي قد يؤدي الى انهيار الاستقرار الهش مجدداً .

الخلاصة

      من الواضح أن الاستراتيجية الأمريكية تقوم على مواجهة النفوذ الإيراني في العراق وتحجيم الميليشيات المرتبطة بإيران بشكل تدريجي لتجنب الدخول في المواجهات العسكرية، وخاصة أن الولايات المتحدة الامريكية ساعدت الحكومة العراقية في حربها ضد تنظيم داعش، وتدفع دول الجوار للمساهمة في إعادة إعمار العراق، لإيجاد بديل مناسب ومعقول عن الشركات الإيرانية التي احتكرت السوق العراقي، مع بناء قوات أمنية وعسكرية مهنية قادرة على تحييد الميليشيات المرتبطة بإيران في الساحة العراقية.
        سيُساهم العودة الأمريكية و الاهتمام المتزايد بالعراق بتخفيف النفوذ الإيراني المتجذر من خلال الأحزاب السياسية الموالية لطهران و الميليشيات المسلحة و الشركات التجارية ، وهذا الأمر قد يُسبب قلقاً حقيقياً لإيران من خسارة السوق العراقية و تحول العراق لقاعدة أمريكية للإضرار بالمصالح الإيرانية في المنطقة ، ومن الممكن ان تلجأ طهران لتوجيه الميليشيات المسلحة في العراق لضرب القوات الامريكية ولكن هذا الخيار سيلحق ضرراً أكبر بالمصالح الإيرانية و الميليشيات التابعة لها وستخسر ما بنته خلال السنوات الماضية في ظل انزعاج شعبي عام من التدخلات الإيرانية السلبية في العراق.
1 . https://ssi.armywarcollege.edu/pubs/display.cfm?pubID=1376
2 . https://www.reuters.com/article/us-usa-security-trump/trump-wants-us-military-in-iraq-to-watch-iran-cbs-interview-idUSKCN1PS0D0
3 . https://www.eremnews.com/news/arab-world/1675352
4 . http://www.nrttv.com/ar/News.aspx?id=9456&MapID=2
5 . http://www.basnews.com/index.php/ar/reports/499289
6 . https://www.eremnews.com/news/arab-world/1634616
7 . https://www.al-akhbar.com/Iraq/267101/%D9%82%D8%A7%D8%B9%D8%AF%D8%AA%D8%A7%D9%86-%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF%D8%AA%D8%A7%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%86%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%83%D9%8A-%D9%88%D9%86-%D9%8A%D8%AA%D9%85%D8%AF-%D8%AF%D9%88
8 . https://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/the-smart-way-to-sanction-iranian-backed-militias-in-iraq

الفصل الثالث

تداعيات التواجد الأمريكي الدائم في العراق إقليميا ودوليا

د. زيد عبد الوهاب
 
تختلف استراتيجيات السياسة الخارجية الأمريكية، لكن الثوابت تبقى واحدة، فمثلا أحد أهم هذه الاستراتيجيات هي حماية أمن إسرائيل، والنظر لروسيا كعدو دائم، وخلق التهديدات من أجل السعي للقضاء عليها. وللرئيس الأمريكي التحرك ضمن هذه الأطر وأن اختلفت وسائله وأدواته عن غيره من الرؤساء الآخرين، إلا أن المحصلة يجب أن تصب في اتجاه تلك الثوابت.
وبالنظر إلى طبيعة العلاقات الأمريكية الإيرانية، نرى اختلاف طرق الرؤساء الأمريكيين في التعامل مع الملف الإيراني، حتى في مرحلة ما قبل الثورة الإيرانية، فمنهم من أرخى الحبل ومنهم من شده، حتى بات الحبل قاب قوسين أو أدنى مقطوعا، وهو ما يفعله اليوم الرئيس ترامب.
كما أن الولايات المتحدة بدأت تفقد العراق لصالح إيران كعمق استراتيجي لها في الشرق الأوسط، تطل عسكريا من خلاله على عموم المنطقة واقتصاديا، كونه بلد الجهات الأربع. وما زاد في قناعة الولايات بذلك فقد جاء بعد تحرير العراق من تنظيم داعش وصعود قوى الحشد الشعبي، التي فازت بنتائج كبيرة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة.

عودة القوات الأمريكية إلى العراق

عادت القوات الأمريكية إلى العراق بعد الانسحاب منه، بعد سيطرة تنظيم الدولة على مساحات واسعة من الأراضي العراقية، عام 2014، فظهر عجز الحكومة في مواجهة التنظيم، الأمر الذي استدعى طلب المساعدة من الولايات المتحدة.
شرعنت أمريكا عودتها للعراق وتحرّكها على أراضيه بموجب اتفاقية التعاون الاستراتيجي والاتفاقية الأمنية مع بغداد؛ التي تنصّ الفقرة الأولى في المادة الرابعة منها على أنه يحقّ للحكومة العراقية أن “تطلب المساعدة المؤقتة من قوات الولايات المتحدة لمساندتها في جهودها من أجل الحفاظ على الأمن والاستقرار في العراق؛ بما في ذلك التعاون في القيام بعمليات ضد تنظيم القاعدة والمجموعات الإرهابية الأخرى، والجماعات الخارجة عن القانون، وبقايا النظام السابق”، وبناء على ذلك ولغرض محاربة “داعش” تدخّلت القوات الأمريكية في العراق وفي سوريا كذلك، باعتبار أن التنظيم يشكّل تهديداً للسلم والأمن الدوليين(1).
بدأت واشنطن تحضّر نفسها لنشر قواعد عسكرية على امتداد العراق بهدف “محاربة تنظيم داعش في العام 2014 مع انتشار التنظيم الإرهابي في أغلب المحافظات العراقية، وبالفعل استمرت في بناء القواعد العسكرية هنا وهناك مستغلة الفوضى التي سببتها في العراق لاختراق مدنه والقيام بما يحلو لها هناك، ليصل عدد قواعدها اليوم إلى 12 قاعدة عسكرية خلال السنوات الثلاث الماضية.
وقّعت أمريكا اتفاقية عسكرية مع حكومة كردستان العراق على بناء خمس قواعد لها بمناطق تحت سيطرة الإقليم، القواعد الخمس، التي ضمنت في الاتفاقية تتوزع على الشكل الآتي: “قاعدة قرب سنجار، وأخرى في منطقتي أتروش والحرير، إضافة إلى قاعدتين حلبجة بمحافظة السليمانية والتون كوبري في كركوك”، وفقاً لمصادر عراقية (2)
اتخذت القوات الأمريكية قاعدتا “عين الأسد” في قضاء البغدادي و”الحبانية” في الأنبار كقاعدتين عسكريتين، عقب سيطرة تنظيم الدولة على أغلب مدن المحافظة في 2014.
كما قاربت واشنطن على إنهاء تأسيس قاعدة لقواتها في مطار القيارة العسكري جنوبي مدينة الموصل، بعد تأهيل المدرج وبناء كانتونات سكنية لعوائل العسكريين، ولم تكتف القوات الأمريكية بقاعدة واحدة في الموصل، فقد شرعت بتشييد قاعدة أخرى عند سد الموصل، لكنها ليست بحجم قاعدة القيارة الجوية.
تتخذ واشنطن قاعدة بلد الجوية في محافظة صلاح الدين مقراً لها للتحكم بطلعات طائرات “إف 16” التي منحتها للعراق مؤخراً، أما في معسكر التاجي شمال بغداد، فتوجد قوة أمريكية لأغراض التدريب، وفقاً لستيف وارن المتحدث باسم البنتاغون. وهناك معلومات أيضاً بأن هناك قاعدة أمريكية أخرى في منطقة المنصورية بمحافظة ديالى.

الغايات والأهداف الاستراتيجية لواشنطن في العراق

   هناك مجموعة من الأسئلة يمكن أن نطرحها فيما يخص الغايات والأبعاد السياسية والعسكرية التي ترسمها واشنطن في العراق بعد أن كادت ترتسم معالم الاستقرار على جبهاته، خاصة بعد أن تم تطهير أغلب المحافظات من التنظيم الإرهابي، فماذا تريد واشنطن اليوم(3).
أولاً: من خلال توزيع القواعد الأمريكية نجد أنها تملك قاعدة على الحدود العراقية – الإيرانية وأخرى على الحدود السورية – العراقية فضلاً عن المقر الأمني الذي افتتحته مؤخراً للسيطرة على الصحراء الغربية، صحيح أن ذريعتها هي محاربة “داعش” إلا أن الحقيقة أعمق من ذلك، فهي تريد كسر معادلة القوة التي تشكلها سوريا والعراق وإيران من جهة، وإيران وتركيا من جهة أخرى، وتبحث عن قطع أي نقاط ارتباط بين هذه الدول الأربعة لاسيما طرق ما يسمى زورا “محور المقاومة” الذي من المقرر القضاء عليه من خلال زرع قواعد جديدة لمنع هذا الالتقاء.
ثانياً: أمريكا تعلم بأن تشكيل “ناتو عربي” صار قريبا رغم خلاف دول مجلس التعاون الخليجي، ومن هنا وجدت واشنطن أن بناء مثل هذه القواعد سيشكل آلية ردع جديدة لإيران في المنطقة وتكون هذه القواعد بمثابة نقاط انطلاق لأي مواجهة مع إيران.
يحظى الشرق الأوسط بأهمية كبيرة في السياسة الأمريكية؛ ورسم استراتيجياتها المستقبلية؛ لاعتبارات كثيرة، أهمها ثرواته النفطية والمعدنية، وجغرافيته إذ يُعد قلب العالم، وحلقة الوصل بين البحار والمحيطات.
ولم يكن اهتمام الولايـات المتحـدة الخاص بالعراق وليد المرحلة الانية ، بل بدأ منذ ظهـور الـنفط في العراق، واهتمامها بثروته الوفيرة المتعددة وخاصة النفطية، وذلك ليس لقلـة الكميـات الموجـودة في أراضـيها ، وانمـا للتطـور الصـناعي الامريكي الممتـد الـذي أخـذ مـديات واسعة بحيث أكدت الدراسات المستقبلية الحاجة الأمريكية للنفط، ما دعاها الى التفتيش عن مصادر اخرى، تخدم طموحاتها في السيطرة على مصادر الطاقة في العالم (4)
وبعد احتلال العراق في 2003 من قبل الولايات المتحدة الامريكية ، والحـديث عـن عـراق جديـد –يختلـف عـن السـابق في الفكـر والعقيـدة والتوجـه هذا الامر، مما يعني انه اصبح للعراق دور جديد في علاقـته بأمريكا وتغير شكل التوافق السياسي وتلاقي المصالح استراتيجية التي ترسمها الخطط الموضوعة من قبل وزارة الـدفاع الأمريكيـة، اذ كان للعراق دور محوري فيها بحكم موقعه الاستراتيجي وثرواته التي ستوظفها الولايات المتحدة لمصلحتها.
يعد الدافع الاقتصادي من ابرز الاسباب التي دفعت الولايات المتحدة لاحتلال العراق، الذي يرقد على خزين هائـل مـن النفط ، من المقدر له حسب خبراء النفط الاحتفاظ بالبرميل الأخير في العالم تحـت أراضـيه بعـد مـا يتجاوز المائة عام بعد ان تنضب النفوط العالمية.
تقدر نسـبة الاحتياطـات النفطيـة العراقيـة الثابتـة ب112. 5 مليـار برميـل ، وهـو مـا يعـادل 12 %مـن مجمـل الاحتيـاطي العـالمي، في حـين يـرى بعـض الخـبراء ان العـراق لـو اسـتأنف التنقيـب عـن الـنفط لأصبح يملــك ضــعف احتياطاتــه الحاليــة ، اذ توقفــت اعمــال التنقيــب بــدءا مــن عــام 1980، ولم يســتطع العــراق استئناف التنقيب بعد تلك الفترة بسبب حربي الخليج الاولى ، والثانية، والحصار الدولي الذي فرض عليه(5)
وهنـا فـان احـتلال العـراق سـيحقق اكثـر مـن هـدف، للولايـات المتحـدة حيث يؤمن لها مصدر نفطيا هائلا ورخيصا، ويذهب معظم الدخل النفطي للشركات الأمريكية التي حظيت بعقود استثمار في العراق. ان السيطرة على العـراق تجعل الولايـات المتحـدة مؤثرا رئيسـا في تحديـد أسـعار الـنفط مـن خلال تعزيز قدرتها في ممارسة الضغوط على الدول الكبرى المنتجة للـنفط في منظمـة الاوبـك، فهـي تـتحكم في إنتـاج الـنفط العراقـي وبالتـالي تسـتطيع ان ترفعـه مـتى مـا دعـت الحاجـة الى ذلـك او تخفضـه مـتى رغبت.
سيكون دور العراق مرتكزا لقواعـد أمريكيـة ثابتـة وعلـى المـدى الطويـل قاعـدة مهمـة للانطلاق الأمريكي نحو تحقيق أهدافها في المناطق الاخرى. وبمعنى اخر فان العراق سـوف يشـكل مـوطئ قـدم رئـيس للولايات المتحدة الامريكية.
ويؤكد خبراء ان بقـاء الأوضـاع كمـا هـي عليـه الان في العـراق سيشـكل عقبـة كـأداء أمـام المشـروع الأمريكـي، وسـيتحول دور العـراق الجديـد مـن دور إيجـابي لخدمـة الاسـتراتيجية الأمريكيـة الى دور سلبي كابح للمشروع الأمريكي ، القـائم علـى الهيمنـة الأمريكيـة المنفـردة علـى العـالم المصـحوبة بالتبعيـة والانقيـاد مـن قبـل الآخــرين للرغبــات الأمريكيــة ، وتحقيــق الأهــداف الكونيــة عــبر القــوة كوســيلة لتحقيــق الهــدف عوضــا عــن الدبلوماسية الفاشلة الـتي يـرى فيهـا المحـافظون الجـدد انها عـائق امـام الهيمنـة الأمريكيـة (6)
 ربط متابعون للمشهد الإقليمي بين خطوة الانسحاب الأمريكي ومجموعة أحداث إقليمية، وتحدثوا عن احتمال توجُّه إدارة ترامب إلى مواجهة عسكرية، بالتعاون مع حلفاءها في منطقة الشرق الأوسط.
يقول محللون استراتيجيون أن الرئيس الأمريكي ترمب يسعى لمواجهة عسكرية عاجلة مع إيران، لذلك فإن الانسحاب من سوريا يسعى لتقوية القواعد الأمريكية الثماني في العراق، التي أسستها واشنطن خلال دعمها الحرب على داعش على مدار الأعوام الثلاثة الماضية فإن “مواجهة عسكرية مع إيران أصبحت حاجة مُلحّة، لإعادة ترتيب ملفات الشرق الأوسط حسب رؤية صفقة القرن.

التداعي الاقليمي والدولي للتواجد الامريكي في العراق

لا توجد منطقة في العالم في الوقـت الـراهن لهـا تـأثير عـلى اسـتراتيجية الأمن الأمريكيـة أكـبر مـن الخلـيج العـربي. إن أهميـة نفـط الخلـيج العـربي والصراع مع الإرهاب الإيراني والتطرف الديني يـضمنان للمنطقـة مكانـة بـارزة في التخطيط الاستراتيجي الأمريكي. حيث يستـضيف الخلـيج العـربي الآن أكـبر تجمع للقوات الأمريكية في العالم, تتمتع المنطقة بأهمية محورية في استراتيجية الأمن الأمريكية.
  • التواجد قرب مصادر الطاقة

إن أبرز سمات الخليج العربي الاستراتيجية هي مخزونه الهائل من مصادر الطاقة, إذ تحتوي المنطقة على أكثر من نصف الاحتياطيات المؤكدة من الـنفط ونصف الاحتياطيـات المؤكـدة مـن الغـاز الطبيعـي. وتعتمـد الاقتـصادات الصناعية والمجتمعات بشدة على التوافر السهل للمنتجـات النفطيـة بأسـعار معقولة. ويتصف هـذا بأهميـة حاسـمة ومطلقـة بالنـسبة إلى الأداء الـصحي للاقتصاد الأمريكي والعالمي. فمن بين نحو 20 مليون برميل من النفط كـان الاقتصاد الأمريكي يستهلكها ً يوميا عام 2003 ,كان يتم استيراد 8. 2 مليـون وحتـى إذا اسـتطاعت الولايـات المتحـدة 2 برميل من منطقة الخليج العربي (7)
أدرك صانع القرار السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية الأهمية الإستراتيجية لإمدادت الطاقة ودورها في إدامة وتعزيز نمو الاقتصاد العالمي لا سيما في الدول المتقدمة, وهو ما مهد لاحقاً لظهور مفهوم (أمن الطاقة).ومما سبق, نجد إن قضية ضمان إمدادات مصادر الطاقة أصبحت بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية تدخل في صلب اهتمامات الأمن القومي الأمريكي, وهو ما دفع بالولايات المتحدة إلى البحث عن مصادر جديدة للطاقة تكون أكثر أمناً, وأقل ضرراً, نظراً لحاجة الصناعات المستقبلية الأمريكية لاسيما في المجالات ذات التقنية العالية إلى الطاقة المهمة ولاسيما النفط(8).
          يعد العراق مناطقيا ضمن الجغرافيا السياسية لمنطقة الخليج العربي التي تعد منطقة أمن قومي وحيوي بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية لا التي يمكن التنازل عنها بأي حال من الأحوال، وأن النفوذ الإيراني مهما طال فإنه مرحلي يمكن محوه ويبدو أن الوقت قد حان لمثل هذا القرار، حيث تمثل الثروة النفطية مقصدا مهما واستراتيجيا للإدارة الامريكية التي تطرح معالجات سياسية للأزمات بخلفيات اقتصادية بحتة كأولوية من أولويات الرئيس ترامب.
لا يرد البعد الاقتصادي في الاستراتيجية الامريكية من حيث تأمين انسيابية النفط وضمان وصوله إلى السوق، لأنه بات من المسلمات والخطوط الحمر التي لا يمكن المساس بها في السياسة العالمية وليس في اهداف السياسية الخارجية للولايات المتحدة فحسب، ولكن يذكره الرئيس ترمب اثناء خطاباته ولقاءاته الإعلامية بصيغة تأمين الوظائف والمصالح للشركات والمؤسسات الأمريكية بصفقات وعقود مع الدول النفطية الخليجية.
يقول بعض المتخصصين بشؤون النفط: إنّ “النفط العراقي كنز القرن الميلادي الحادي والعشرين”؛ بالتأكيد الحديث هنا يأتي في سياق أنّ العراق يمتلك حوالي 12% من الاحتياطي العالمي المؤكد من النفط. وتتّضح أهمية النفط العراقي إذا تم ربط ذلك الاحتياطي بمسألة الانخفاض المتتالي في قدرة الدول النفطية على زيادة إنتاجها من النفط، مع إمكانية نضوب كافّة المخزونات العالمية المهمّه في الغرب وفي قزوين في ال 15 سنة المقبلة(9).
المراقب للتواجد الأمريكي سواء بالقواعد الكلاسيكية المعروفة أو بما تم بناءه حديثا، سيجد أن الولايات المتحدة اختارت التواجد في مواقع لها أهميتان:
أولا: قرب مصادر الطاقة وحقول النفط العراقية.
ثانيا: قرب الحدود الإيرانية من جهة والحدود الغربية للعراق من جهة أخرى.
فمصادر الطاقة للعراق امتداد طبيعي لمصادر الطاقة في الشرق الأوسط، والتي تسعى إدارة الرئيس ترمب ضمان الاستفادة القصوى منها فيما يتعلق بمصالح الولايات المتحدة الأمريكية.
  • حرب الحدود وامن اسرائيل

يضمن التواجد الامريكي عبر قواعد في صحراء الانبار وغرب العراق وصولا إلى الجنوب بمحاذاة الحدود العراقية-السعودية، يضمن مظلة امنية وغطاءا دفاعيا جويا لإي طلعات عسكرية جوية للطيرات الإسرائيلي لقصف المصالح الإيرانية في العراق التي تمثلها مقار الحشد الشعبي والميليشيات الشيعية، وقد كان بومبيو صريحا لرئيس الحكومة عادل عبد المهدي، بإن واشنطن لن تتدخل إذا ما قررت تل ابيب قصف اهداف عسكرية للحشد الشعبي في العراق.
يعتبر امن اسرائيل خطا استراتيجيا ثابتا عند الرؤساء الامريكيين من عهد ترومان وحتى ترمب، وجزءا لا يتجزء من السياسة الخارجية للولايات المتحدة، فأغلب متغيرات الشرق الأوسط الأمنية والسياسية لا تمضي الا بالتنسيق مع حكومة تل ابيب وطموحاتها الامنية في المنطقة، وباستخدام ادواتها الضاغطة على الداخل الامريكي يجبر صناع القرار على المستوى الحزبي والتنفيذي والتشريعي في الدولة التعامل مع طموحات اسرائيل في شرق اوسط مغاير، بالتعاون مع حلفاء واشنطن فيها، وهو ما سيتمخض عنه الاتفاق في صفقة القرن التي بدت ملامحها في الاسابيع الاخيرة.
ان اولوية الولايات المتحدة من خلال تواجدها العسكري في العراق وعموم المنطقة، هو وقف تمدد ايران وهذا ما تتضمنه صراحة وثيقة الأمن القومي لترامب، واحتوت الوثيقة على ان الولايات المتحدة حليفة إسرائيل أربع مرات فقط في حين احتوت على حوالي سبعة عشر مرة جمل تخص إيران. ووصفت الوثيقة ايران بانها “الراعي الرئيس للارهاب فى العالم” وتدعم الارهاب، وتعمل على زيادة نفوذها في الشرق الأوسط من خلال شركاء و وكلاء ونشر الاسلحة والتمويل. كما عارض ترامب بشدة الاتفاق النووي، مؤكدا على ضرورة العمل مع الشركاء لمنع إيران من الحصول على الأسلحة النووية وتحييد نفوذها(10)
ومن الواضح أن ترامب يحتاج إلى دول الخليج لمقاومة نفوذ إيران أو محاولة تخويف الدول الخليجية من ايران من اجل تقريبها من إسرائيل، وتؤكد وثيقة الأمن القومي على ضرورة استمرار قيام مجلس التعاون الخليجي العربي الذي يقف على حافة الانهيار بعد الحصار الذي تفرضه السعودية على قطر.
  • حرب الحدود .. حرب النفوذ

ضمن قضايا الحدود، فإن إيران هي الهدف الأكبر للمرحلة المقبلة والتي تتطلب التواجد العسكري الأمريكي قرب الحدود العراقية-الايرانية لذلك اختارت مناطق صلاح الدين وديالى وكركوك وهي المحافظات الواقعة شرق دجلة التي تعتبر مجالا حيويا لإيران ومشروعها في المنطقة.
كما إن أمن الحدود الغربية والتواجد في صحراء الأنبار وبناء قواعد على التنف والقائم في اقصى غرب العراق، فهذا من متطلبات تثبيت امن اسرائيل الذي يعد من الاهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، الذي يوفر غطاءا أمنيا لاي محاولة ايرانية استخدام الصواريخ بعيدة المدى لضرب تل ابيب او حتى الاردن او باتجاه قواعد في المملكة العربية السعودية.
نشرت الغارديان البريطانية في 8 تشرين الاول/ اكتوبر خريطة لما أسمته «ممر إيران إلى البحر الأبيض المتوسط»، والذي يمر ببعقوبة ثم الشرقاط ثم تلعفر فسنجار، وصولا إلى معبر ربيعة، فالقامشلي فحلب وصولا إلى اللاذقية. إلا أن الخارطة التي تفترضها الغارديان مستبعدة تماما. ففضلا عن بعد المسافة، يمر هذا الخط المفترض بمناطق «سنية» خالصة، كما يمر بمنطقة سنجار التي يعدها إقليم كردستان جزءا من المناطق المتنازع عليها، وكان يسيطر عليها تماما قبل سيطرة تنظيم الدولة/ داعش عليها. واليوم يتقاسم النفوذ فيها الحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي مع حزب العمال الكردستاني التركي! كما ان الحديث عن معبر يمر بالقامشلي وصولا إلى اللاذقية، يعني انه سيكون خاضعا لتطورات المسألة الكردية شمال سوريا وتعقيداتها المحلية والإقليمية، وهو ما يجعل المشروع غير قابل للتحقيق.
اما ما هو متحقق فعليا فهو خط الحرير الإيراني الجديد الذي يمتد عبر معبر سومار في مندلي، وهو المعبر الذي تم استحداثه في تشرين الثاني/ نوفمبر 2014! بعد ان كان المنفذ الحدودي الرئيسي في محافظة ديالى هو معبر المنذرية في خانقين! ومن الواضح ان الغاية من المعبر الجديد كانت محاولة تحييد أي دور كردي في الخط الجديد، وذلك بسبب سيطرة قوات الاتحاد الوطني الكردستاني على منطقة خانقين بوصفها منطقة متنازعا عليها. ومن المعبر الجديد مندلي سيمر الخط بمحافظة ديالى والتي تحولت إلى إقطاعية معلنة للمليشيات، بغطاء حكومي، ليمر بعدها إلى محافظة صلاح الدين، جنوب مدينة سامراء، وهي المدينة التي يراد فصلها أيضا عن محافظة صلاح الدين وإعلانها محافظة، تماما كما تلعفر، تهيمن عليها مليشيات الحشد الشعبي أيضا، وصولا إلى مناطق جنوب محافظة تلعفر المستقبلية، التي لن تقتصر بالتأكيد على حدود القضاء الحالية، بل ستمتد جنوبا لتشمل مناطق من قضائي الحضر والبعاج، جنوب غرب الموصل، لتأمين الاتصال بالحدود السورية. فهذا الخط، فضلا عن قصره قياسا إلى الخط السابق (تبلغ مسافة الطريق الذي تفترضه الغارديان أكثر من 550 كم، في حين لا يزيد الخط الثاني عن 430 كم)، سهل التأمين، ومسيطر عليه فعلا، باستثناء المناطق الصحراوية المحاذية للحدود السورية(11).
صار حلم طريق الحرير الإيراني الذي ينطلق من طهران مرورا بالأراضي العراقية حتى يصل البحر الابيض المتوسط حلما بالنسبة لصانع القرار الإيراني الأمني، بعد قطع مسار الطريق بقواعد عسكرية أمريكية على الحدود العراقية السورية، لما يمثل هذا الطريق من وسيلة لتعزيز النفوذ الإيراني لمليشيات حزب الله اللبناني الارهابي، وسبيلا لتهريب السلاح واكمالا لفكرة الهلال الشيعي في المنطقة وما يمثله من خطر على أمن حلفاء الولايات المتحدة كاسرائيل والمنظومة الخليجية.
  • اشكالية المد الروسي

لكل من روسيا وأمريكا مصالح في الشرق الأوسط، فقد كانت ولا زالت القوتان تتنافسان وتخوضان الحروب بالنيابة للسيطرة على المنطقة، فبعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، عمدت الإدارة الامريكية لتوسيع نفوذها في المنطقة، متّخذةً من ذلك احتلال العراق للكويت فرصة لها، إذ عملت أمريكا بالتعاون مع حلفائها الغربيين والعرب على إصدار قرارات من مجلس الأمن ضد العراق وفرض الحصار عليه، ووضع البلد تحت الفصل السابع من قرارات مجلس الأمن، وكان هدف أمريكا هو احتلال العراق مستغلة الفوضى وانكفاء الدولة الروسية على السياسة الداخلية بدلاً من الخارجية، وبهذا خطت الخطوة المهمة في التغلغل في دولة كانت إلى وقت قريب من الدول الحليفة للاتحاد السوفيتي، وحققت خطوتها باحتلال العراق عام 2003، بحجة أسلحة الدمار الشامل وتهديد السلم الدولي(12).
لعبت العديد من التطورات الإقليمية والدولية الدور الأكبر في إعادة رسم خرائط توزيع النفوذ في منطقة الشرق الأوسط؛ حيث وجدت روسيا نفسها أمام العديد من الفرص الذهبية التي من شأنها العودة لدورها المعتاد في السياسة الدولية، خاصة بعد أحداث الثورات العربية وفيما يتعلق بتطورات الوضع في سوريا، وقد وقعت منطقة الشرق الأوسط وفي قلبها المنطقة العربية بما فيها من تطورات في القلب من هذا الدور.
         وفي نفس السياق، عملت روسيا على توثيق علاقاتها مع دول المنطقة، وتحديث قائمة حلفاءها، بما يتضمن دول عديدة حليفة أيضًا للولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث قدّم الروس نموذجًا أكثر قوة وإصرارًا ووضوحًا اجتذب حلفاء قدماء وحاليين لأمريكا، وأعداء لها في الآن نفسه. الجدير بالذكر أن السياسة الروسية تجاه المنطقة تم استخدامها لتعظيم المكاسب الاستراتيجية في مواجهة العديد من القوى الدولية الغربية، عوضًا عن تحسين الوضع الداخلي الخاص بها اقتصاديًا وعسكريًا.
يتمثل الدافع الرئيسي للدور الروسي الجديد في المنطقة في بعدين أساسيين؛ أولهما: تحقيق مكاسب داخلية على مستوى الاقتصاد والاستقرار الداخلي الروسي، وثانيهما: هو دعم ومساندة الحلفاء البحث عن حلفاء جدد وتشكيل خريطة من العلاقات التي تخدم المصالح الروسية داخل المنطقة في المقام الأول، وقد شملت دوافع ومحددات داخلية وأخرى خارجية نابعة من المصالح الاستراتيجية لروسيا، ويندرج من الهدفين السابقين العديد من السياسات الروسية التي من شأنها الولوج لتحقيق هذين الهدفين ولعل أهم تلك السياسات هي(13)
1) إعادة رسم الخريطة الإقليمية والدولية وخلق تحالفات إقليمية ودولية وتطوير الروابط بينها وفق المتغيرات المستجدة على الساحة.
2) تمثل المنطقة العربية من المناطق الجيوستراتيجية الهامة من حيث توزيع المقدرات النفطية والثروات الطبيعية، ووفق ذلك أدرك روسيا بأن هذه المنطقة تمثل مفتاح السيطرة على العديد من مجريات الملفات الإقليمية والدولية.
3) السياسة المتعلقة بتوريد الأسلحة لتأمين حلفاؤها وضمان استمرارية ولائهم، وتأتي التوجهات الروسية في هذا الإطار على خلفية حساسية المنطقة تجاه الصراعات التي قد تغير موازين القوى في المنطقة في لحظات.
4) حاولت روسيا استدعاء القوى الدولية المتوافقة معها سياسيًا وعسكريًا، والعمل على زحزحة العديد من القوى الغربية المناوئة للوجود الروسي في المنطقة، بما يضمن لموسكو نصيب الأسد فيما يتعلق بالملفات الموجودة على الساحة وما يستجد منها.
5) إنهاك الولايات المتحدة سياسيًا وعسكريًا عن طريق مزاحمتها في العديد من الملفات المثارة في المنطقة.
بدت روسيا محركًا فاعلًا في مجريات الملفات المتعلقة بمستقبل سوريا السياسي والاقتصادي والعسكري؛ حيث عملت روسيا على تعميق تحالفاتها مع النظام السوري وحافظت على علاقات ودية مع النظام التركي المناهض للأسد، كما عمقت علاقاتها السياسية مع طهران الحليف الأكبر للنظام السوري، وجاءت سلسلة الاجتماعات والمؤتمرات في أستانة وسوتشي بجانب محادثات جينيف ليكلل الوجود الروسي بالنجاح (14)
كما ساندت موسكو دمشق في العديد من المحافل الدولية وبلورت الحلول السياسية التي تتناسب وخياراتها مع المصالح الروسية وحلفائها. وتُعَدّ سوريا دولة محورية بالنسبة إلى التطلّعات الروسية الجيوسياسية، كما تحتفظ البحرية الروسية بقاعدة عسكرية لإعادة التموين والصيانة في ميناء طرطوس السوري، عوضا عند قواعد أخري في حميميم(15)
وقفت روسيا بجانب إيران في العديد من الملفات أبرزهم الملف النووي، الذي يمثل أحد أهم الملفات التي تواجهها الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ولعبت موسكو دورًا محوريًا حاسم في القضايا الدولية الحساسة، كما وأخذت عبر دورها في الأزمة السورية بصورة رئيسية تحتل الصدارة في الحراك السياسي الدولي، إذا كانت في المحادثات مع واشنطن أو مع الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن مواقفها في مجلس الأمن الدولي، وبعد النجاح الروسي الإيراني في سوريا ومحاصرة المشروع الأمريكي، يتجه الثنائي الروسي الإيراني إلى توسعة مروحة التعاون في الفضاءات الأخرى كالتعاون العسكري والاقتصادي إلى جانب مزاحمة الولايات المتحدة في الملفات الإقليمية، لإنهاء عصر القطب الأمريكي الواحد، حيث أصبح هذا الثنائي أمرًا واقعًا في منطقة الشرق الأوسط، وفي القلب منها المنطقة العربية.
 ويمكن القول أن روسيا عززت وجودها في المنطقة وذلك عن طريق التعاون مع كل من القوى التي تمثل خطًا معارضًا لسياسات واشنطن هناك.
 تراجع الملف السوري في نهاية 2015 على سلم أولويات الولايات المتحدة، مقابل اهتمامها بملفين آخرين هما الملف النووي الإيراني، ومكافحة الإرهاب من خلال قيادتها التحالف الدولي ضد تنظيم داعش في العراق.
أصبح خيار “قيادة العالم من الخلف” تكتيكاً أمريكياً قابلاً للتطبيق لاسيما عهد ترمب،  وينطبق ذلك على إدارة الأزمة السورية “عن بعد” فبدلاً من التحشيد العسكري في الميدان، اصبح بالإمكان تحريك الحلفاء الأقرب ألى الأزمة وإدارتها من خلالهم، ويطرح باحثون انموذجاً لتفسير السلوك الدولي الجديد للولايات المتحدة واصفين إياها بأنها لا تعاني من فرط القوة، و إنما انخفاضاً في قوتها ويقدم رؤيته بأن القوة الأمريكية في تراجع و أن مراكز القوة في العالم تتعدد فضلا عن التكتلات الإقليمية التي لا تجد جدوى من وجود مركزية للولايات المتحدة على المستوى العالمي(16)
ويعد تكتيك “قيادة العالم من الخلف”, مرتبطاً بشكل طفيف مع استراتيجية الانكماش التي تتبناها الإدارات الأمريكية في السياسة الخارجية للولايات المتحدة،  الهدف من ذلك هو تقليص الإنفاق العسكري والخسائر في المعدات والأفراد، لكنه يترك ثغرة تستغلها القوى المناوئة في ملئ الفراغ الناتج عن عملية الانكماش الأمريكي قد تتسبب في تمدد نفوذ تلك القوى في مناطق الصراع , انعكس ذلك على النفوذ الروسي داخل الأزمة السورية التي تعد مرتكزا أساسيَا للنفوذ والسياسة الخارجية الروسية داخل منطقة الشرق الاوسط، لذلك تهدف خطة القيادة من الخلف إلى عرقلة أية محاولات روسية، التوسع داخل المنطقة وملئ الفراغ الناتج عن تنفيذ استراتيجيه الانكماش الأمريكي (17)
          قد يكون اخر قرار اتخذته ادارة الرئيس ترمب بالانسحاب البطيء من سورية، بمثابة اعتراف بالنفوذ الروسي على الارض السورية بمقابل الاتفاق على ازاحة النفوذ الايراني بوساطة اسرائيلية بين موسكو وواشنطن، وهذا ما بدا واضحا من فسح المجال امام الطيران الاسرائيلي لتنفيذ طلعاته على مقار الحرس الثوري والميليشيات الايرانية قرب دمشق وغيرها من المدن السورية، الامر الذي اتاح للولايات المتحدة فرصة التفرغ للملف العراقي والايراني وهما البوابتان الرئيستان لإعادة ترتيب اوراق المنطقة وطموحات واشنطن وحلفاءها نحو شرق اوسط مستقر.

المصادر

(1) القواعد الأمريكية في العراق.. تساؤلات بين النفوذ والسيادة (https://alkhaleejonline.net/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%88%D8%A7%D8%B9%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D8%AA%D8%B3%D8%A7%D8%A4%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%81%D9%88%D8%B0-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%AF%D8%A9
(2) المصدر السابق.
(3) واشنطن وإعادة “غزو العراق”   (http://www.alkawthartv.com/news/178632)
(4) العراق محور الاستراتيجية الامريكية الاقتصادية بالشرق الاوسط
  (http://rawabetcenter.com/archives/63861) .
(5) النفط العراقي.. الاحتياطي والإنتاج
 (https://www.aljazeera.net/specialfiles/pages/71684a9a-631d-4fca-beed-2871c93d3d77).
(6) العراق نقطة ارتكاز للقرن الأمريكي الجديد
(http://www.roayahnews.com/articles/2018/3/12/4281/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D9%86%D9%82%D8%B7%D8%A9-%D8%A7%D8%B1%D8%AA%D9%83%D8%A7%D8%B2-%D9%84%D9%84%D9%82%D8%B1%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF).
(7) ” US Department of Energy, Energy Information Administration, International Energy Outlook 2004 (Washington, DC: GPO, 2004), 30, 40. ” .
(8) الإدراك الإستراتيجي الأمريكي لـ(أمن الطاقة)  http://mcsr.net/news221
(9) سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية على النفط العراقي: الدوافع و الأهداف
http://iraq-amsi.net/ar/news_view_19081.html
(10) http://orsam. org. tr/ar/the-middle-east-in-trump-s-national-security-strategy-nss/
(11) معركة الموصل: تعبيد طريق الحرير الإيراني
https://www.alquds.co.uk/%EF%BB%BF%D9%85%D8%B9%D8%B1%D9%83%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%B5%D9%84-%D8%AA%D8%B9%D8%A8%D9%8A%D8%AF-%D8%B7%D8%B1%D9%8A%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%8A/
(12) التنافس الروسي – الأمريكي في سوريا   https://democraticac.de/?p=46748
(13) ترسيخ النفوذ: الدور الروسي في الشرق الأوسط  http://www.acrseg.org/40960
(14)  ديميترى تيرنين، المصالح الروسية فى سوريا، معهد كارنيجى، بتاريخ 14 يونيو 2014م، على الرابط:  http://carnegie-mec.org/2014/06/11/ar-pub-55899
(15) الناصر دريد سعيد ولقمان حكيم رحيم، دوافع التدخل الروسى فى الأزمة السورية، مجلة جامعة التنمية البشرية، المجلد 2، العدد 4، ديسمبر 2016م، ص ص 75-106.
(16) حيدر علي حسين , سياسة الولايات المتحدة الامريكية ومستقبل النظام الدولي ,السياسة الامريكية الخارجية والعلاقات الدولية , دار الكتب العلمية-بغداد , ط2, 2014, ص282-283.
(17) أبو الحسن بشير عمر , تداعيات استراتيجية الانكماش الامريكي في الشرق الاوسط , المركز الديمقراطي العربي  , متوفر على الرابط : https://democraticac.de/?p=19244]

الفصل الرابع

هل سيعزز التواجد الامريكي في العراق دعوات اقامة فدراليات للمحافظات المتبقية على غرار كردستان

 
د. مهند يوسف
 
 

تمهيد

العراق.. أو ما بين النهرين دونها الأرض التي احتضنت ست حضارات خالدة، حفرت في أديم الأرض تاريخها واعطت للإنسانية أعظم العلوم والفكر والقوانين. فالسومريين هم أول من أوجد الكتابةَ وعلم الرياضيات. ثم جاء الأكديون الذين انبهروا بالسماء وما حوته من علوم الفلك. ثم تلاهم البابليون فكانت مسلة حمورابي أول تشريعٍ ودستور بشري، وفي عهد نبوخذ نصر بنيت الجنائن المعلقة. لتكون شاهداً على قوة العراقيين وسلبهم لكل من خالفهم. ثم تلاهم الكلدانيون فالآشوريون الذين بسطوا سيطرتهم على العالم القديم، وهم أول من اخترع العجلةَ، وبابل عاصمة العالم القديم وعاصمةٌ الدنيا لما وفدت آخر الحضارات إلى العراق…
وفي عصر الإسلام كانت الدولة العباسية. وأصبحت بغداد قبلةُ شعوب الأرض وحاضرة الدنيا، وهكذا قُدِّرَ أن يسكن أرض العراق أجناسٌ وأديان وأعراق وملل متعددة لا يشابهها شيء من حواضر الدنيا الاخرى.
وبالتالي فان اليوم حين نطرح مشاريع الفيدرالية وتطبيق نظام ديمقراطي برلماني يمارس فيه السكان دوراً فاعلاً في التشريع والرقابة على أجهزة الدولة ومرافقها، ومن خلال هذا البرلمان والدستور يجري تحديد نوع الفيدرالية لمناطق الفيدرالية وحدودها وأبعاد علاقتها بالعراق، فانه يوجب ان يكون هناك ضامن دولي موثوق يمكن من خلاله المضي بهذا المشروع من خلال تشكيل لجان مختصة في الإدارة والاقتصاد من عراقيين وأجانب لإعادة هيكلة مؤسسات الدولة.
واولى تلك المهام خصخصة المشاريع والشركات العامة التي كانت عبئاً على الدولة وتشجيع المستثمر الأجنبي مع إلزامه بمشاركة رأس المال العراقي وإعطاء الأولوية في العمل والاستخدام للعراقيين بضمان إنجاح المشاريع والتورع عن سرقة المال العام.
ثم السعي لاسترداد ديون النفط وتحرير العراق من الديون التي وقعت عليه، اضافة الى انشاء مكاتب العمل لإبناء الاقليم وتشجيع مكاتب العمل الأهلية ووضع الضوابط لها.
ومن المهام ايضا إعادة تركيب الجهاز القضائي وإعادة تأهيله وتطهيره من العناصر الفاسدة لضمان الرقابة للأحكام القضائية العادلة. اضافة الى تشكيل مجلس لإعادة بناء الاقليم يضع دراسات عن أوضاع الاقليم وحاجاته وإمكانياته وتدرجها في الأولوية والإشراف على تنفيذها.
وتشكيل الأقاليم تهتم بمواضيع رئيسية، وهي الدستور والأمن والإعمار وحدود الاقاليم التي تضمن المصالح المشتركة بين ساكني المناطق. هذه الأطروحات هي البديل عن حكم الدكتاتورية الشيعية في بغداد والإرهاب والطائفية. لقد عانى العراق من الطائفية والإرهاب الدولي ومن الغلاة والمتطرفين من الشيعة والاكراد الذين يريدون تقسيم العراق على اسس طائفية موزعة على أساس الجغرافية القومية وتكون بديلا للفيدرالية الديمقراطية وعن مشروع العراق الديمقراطي.

الفيدرالية ضرورة كما يراها التحالف الدولي

ان مشروع إنشاء فيدرالية كجزء من الإقليم العربي لا يعد وجودها كيانا طائفيا ولا يمكن اعتباره تقسيما للعراق إذ ان الاتحاد الفيدرالي الاختياري ليس معناه تقسيما للعراق وما مقولات تأسيس دولة شيعية في الجنوب او دولة سنية في الوسط والشمال إلا فهم خاطئ في التفكير والاستنتاج لان في الوسط والجنوب يعيش العديد من العرب السنة النصارى والصابئة والشيعة وغيرهم مما يوجب الابتعاد كليا عن الطروحات الطائفية او العرقية في هذا المجال .
ولهذا يجب أن يتخذ شكلا جديدا في الادارة أي أن هذه المنطقة من الوسط والجنوب يجب أن تأخذ شكلا دستوريا وقانونيا جديدا في صورة فيدراليات، وان تؤسس لها حكومات إقليمية لها، يديرها أبناء هذه المنطقة بمشاركة واسعة وتعددية سياسية ووفقا للقانون، ويكون للعرب وللكرد ولغيرهم من الأقليات حق المشاركة في سلطة الاقليم السياسية، لان النظام الفيدرالي هو نمط إداري لا مركزي من الناحية السياسية وأسلوب تعددي في إدارة الدولة العراقية بما يحقق العدالة والمساواة والمشاركة الفاعلة في إدارة الدولة إقليميا.
وان من حق حكومة كل إقليم المشاركة مع سلطة المركز في بغداد في إدارة الدولة العراقية، وهو حق ثابت لكل العراقيين، فتصريف وإدارة شؤون الدولة العراقية لا يمنع من وجود أكثر من حكومة فيدرالية في مناطق العراق، في الجنوب، وفي الوسط وفي الغرب وفي غيرها من مناطق العراق مادامت أسس الحكم الفيدرالي واضحة وتقوم على الاتحاد الاختياري.
وبالتالي فأن الفيدرالية التي تقوم في غرب العراق ليس كيانا طائفيا، فالعلاقة بين الأقاليم الفيدرالية تحكمها قواعد دستورية، حيث نص قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية وقرار مجلس الأمن رقم 1546 على ان العراق الجديد سيكون شكله فيدراليا تعدديا وديمقراطيا… ولم يتم الدخول في التفاصيل لهذا الأمر وهو متروك للعراقيين في اختيار الشكل المناسب للمستقبل بقرار من المؤسسات الدستورية وبمساعدة التحالف الدولي والوجود الامريكي في العراق اليوم.
وهناك فكرة حول شكل الفيدرالية في العراق، يجدها التحالف الدولي وبعض مراكز الدراسات الامريكية مناسبة للوضع العراقي بشكل عام حيث يمكن انشاء خمس فدراليات تضم الى جانب اقليم كردستان الذي يتكون من السليمانية واربيل ودهوك، فيدرالية تضم   نينوى وكركوك وصلاح الدين والانبار، وفيدرالية اخرى تضم البصرة وميسان والناصرية، وفيدرالية اخرى تضم ديالى والكوت، وفيدرالية تضم النجف والمثنى وفيدرالية تضم كربلاء والحلة والقادسية.
وتبقى بغداد حسب هذا التصور إقليم منفرد وعاصمة للدولة الاتحادية، وبهذا النظام تموت وتندثر آثار النزعات العرقية والطائفية، ويكون ذلك التعبير الحقيقي عن وحدة وامتداد اراضي كل إقليم، ويكون أقوى رباط للحفاظ على وحدة العراق الجغرافية، وسيكون هناك تجانس اجتماعي بين مكونات هذا النظام.
وهناك تصور اخر لنظام فدرالية المحافظات، وفيه تكون كل محافظة فدرالية بحد ذاتها وهنا تتكون الدولة الفدرالية من 18 وحدة فدرالية تتمتع بجميع حقوق الحكم اللامركزي أو الحكم الذاتي ضمن حكومة اتحادية واحدة، ومثل هذه الحالة صعبة التحقيق والنجاح اذا ان هناك محافظات ليست لها القدرة على ادارة شؤونها لضعف الموارد المحلية وبالتالي ستفشل التجربة الفيدرالية فيها.

تحديات اقامة الفيدرالية

إقامة الأقاليم الفيدرالية التعددية لمناطق العراق ستدفع الأقاليم إلى التسابق لتحسين وضعها الاقتصادي والأمني، وهذا موافق لأصل المشروع الحكومي الأمريكي، فقضية الفيدرالية قضية أساسية، ومصيرية والموقف منها هو أيضا ليس موضع إجماع من العراقيين أنفسهم، بل وحتى في الداخل الأمريكي. فعلى سبيل المثال، تقف شرائح واسعة من المجتمع العراقي من مختلف القوميات والمذاهب والطوائف ضد هذا المشروع.
 اما الأحزاب السياسية فتقف علنا ضد المشروع، وسرا مع مشروع الفيدرالية، حيث تدعي انها ترى في الفيدرالية شرعنة للوجود الامريكي الحالي في العراق واعترافا بنتائج بقائه. أيضا هناك هيئة علماء السنة في المجمع الفقهي، وعناصر المقاومة الوطنية في الخارج.. إضافة إلى ذلك، هناك علماء كبار من الطائفة الشيعية يقفون بحزم في مواجهة مشروع الفيدرالية، كالحائري والسيستاني، والشيخ الخالصي.
 وسبب معارضة اولئك لمشروع الفيدرالية يعود الى ان طرح هذا المشروع الخطير اليوم يجري في ظل انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان في العراق، فمدن الوسط والغرب والشمال السني للعراق مدمرة وانتهاكات حقوق الإنسان هناك تجري بشكل يومي، اضافة لما يدعونه هؤلاء من ان مشروع الفيدرالية هو محاولة استعمارية لتقسيم المقسم وتجزئة المجزأ. وانه محاولة لشطب الهوية العراقية.
والرافضون للمشاريع الفيدرالية من الاسلاميين السنة هم تحديدا المقاطعون للانتخابات لأسباب شرعية لهم معلومة، ويقف وراءهم بعضا من المحيط العربي والإسلامي، الذي يخشى على وحدة العراق وهويته العروبية والإسلامية، وعلى خوفهم من وقوعه فريسة للنفوذ الإيراني.
فبعض هؤلاء يرى ان الفدرالية في العراق ليست حلا سياسيا وانما مأزقا دستوريا، واهم الأسباب الداعية إلى الرفض تتلخص ان نظام الحكم في الإسلام هو نظام وحدة وليس نظاماً اتحادياً.. فالإسلام يفرض الوحدة بين البلاد الإسلامية ويحرم الاتحاد بينها، والنظام الصحيح للحكم هو نظام وحدة ليس غير فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ” ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر”، لدلالة الشرع عليه وتحريم ما سواه ويقول: ” إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما”. فالحديث الأول يقرر تحريم تجزئة الدولة، ومنع الانفصال عنها ولو بقوة السيف، والحديث الثاني يقرر تحريم جعل الدولة دولاً فلا يسمح بوجود غير خليفة واحد.
وهكذا فالاتحاد الفيدرالي من حيث الأصل حرام قطعاً فكيف إذا علم أنه يتم وفقاً لمشروع صليبي في المنطقة لخدمة أمريكا وإسرائيل فالاتحاد الفيدرالي ليس وحدة خاصيته الاحتفاظ بالكيان، لأنه في واقع مثل العراق يكون مدعاة للتنازع والاختلاف وما يتبع ذلك من الانشقاقات والتصدعات في البناء الداخلي نظراً للاختلاف حول سلطات الأقاليم من جهة وتوزيع الثروات من جهة أخرى.
وعليه فإن الشريعة الإسلامية بحسب هؤلاء الاسلاميون لا تجيز الاتحاد بين المسلمين مطلقاً مهما كان نوع الاتحاد، لأن نظام الحكم عند المسلمين نظام وحدة، لا نظام اتحاد. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن السيادة في الإسلام للشرع، فهو الذي يقرر نظام الحكم والتشريع والمال، فلا خيار لأحد في تقرير شيء منها، ثم إن أحكام الشرع واحدة لكل مسلم، فلا يصح أن يختلف حكم الشرع في بلد عن بلد، فلا يجوز اختلاف التشريع.
فتشريعهم وكل شيء يتعلق بالحكم واحد لا يجوز أن يتعدد، ونظام الحكم ونظام الحياة عندهم نظام وحدة، لا نظام اتحاد. وعليه فالإسلام يوجب نظام الكيان الواحد، لا نظام اتحاد الكيانات المتعددة، وبذلك هو يُحرِّم الاتحاد، ويوجب الوحدة ويوجب الحرب لتحقيقها.

مراحل تكوين الفيدرالية عند التحالف الدولي

يرى التحالف الدولي والولايات المتحدة بشكل اساسي ان أول خطوات النظام الفدرالي في العراق يجب ان يكون من خلال انتخاب برلمان اتحادي، ووضع دستور اتحادي، وينص على توحيد التشريع القضائي، والقوانين الإدارية، على السياسة الخارجية والاقتصادية، وتوحيد الجيش، وينص على توحيد هذه الأمور كلها أو بعضها وينص على توحيد أجهزة الدولة مع بقاء الكيانات تماما كالولايات المتحدة الأمريكية.
الوحدة الجغرافية يجب ان تكون واضحة واساسية في تكوين الاقاليم العراقية بحيث يمارس الاقليم صلاحياته وادارته بشكل كامل ودون صعوبات لوجستية او تعطل السلطات بسبب التضاريس الارضية.
الابقاء على أجهزة الدولة وتوحيد بعض وظائفها بحيث تمارس الدولة الاتحادية الصلاحيات التي حددها الدستور فقط، وتبقى باقي الصلاحيات للإقليم يمارسها كما يريد، فتبقى الدولة والإقليم كيانان متميزان محتفظان بكيانيهما لا سيما بعد الصلاحيات الإدارية الواسعة التي ضمنها الدستور.
كذلك يجب ان يفرض واقع الاتحاد الفيدرالي، في الوحدة الاقتصادية ايضا، أو توحيد مناهج التعليم، وفي توحيد التشريع التي لها علاقة بالاتحاد الفيدرالي.
إن المشروع الديمقراطي الأميركي لبناء العراق، قد ينتهي إلى تحقيق كيانات فيدرالية يعطي الأمل لهذا البلد العربي الكبير والعريق ويبعد عنه شبح التقسيم، الذي يمارسه البعض وخاصة الايرانيون منذ سنوات عدة، ودعواتهم حول تقسيم العراق دعوات يشاركون في وضع إستراتيجيات إيران العسكرية والسياسية.
فالتجارب الخاصة بالسياسة الايرانية في السنوات الماضية بعد 2003 وحين قررت المضي وبدأت دعوات تقسيم العراق بالظهور علناً بعد تفجير سامراء وبداية الحرب الطائفية وإنشائها لفصائل مقاومة شيعية طائفية تقوم بأعمال إجرامية بحق المواطنين العراقيين الآمنين السنة كانت هناك دعوات ايرانية إلى تقسيم العراق بنفس الأفكار والأسلوب الذي تمارسه ميليشياتها اليوم والتي تسعى وبكل قوتها إلى تفتيت العراق.

الفيدرالية الكردية مثال للدعم الامريكي

إصرار الأكراد على رفع سقف مطالبهم، لتأكيد وترسيخ النزعة القومية كهدف استراتيجي إلى تحقيق إقليم الشمال، بلغت هذه المطالب بجعل اللغة الكردية لغة رسمية موازية للغة العربية في العراق ككل، وبتمثيل كردي دبلوماسي مميز داخل السفارات العراقية، وعدم حل البيشمركة المسلحة الكردية، وحصة في الميزانية العراقية تصل الى 20% وهي نسبة اعلى من وزن السكان الكرد في العراق.
وهذا الأمر يعكس مطالبات لاحقة بمنح كردستان حق تقرير المصير لتحقيق استقلال الأكراد، وكثف الأكراد جهودهم من أجل انتزاع منطقة كركوك وضمها إلى إقليم كردستان بحجة أن غالبية سكان كركوك هم من الأكراد وأن العرب هناك يشكلون الأقلية، كما حدث في استفتاء العام الماضي في محاولة الأكراد استغلال الموقف والظروف الناجمة عن تغيير النظام في العراق، لمحاولة فرض واقع جديد يقود الى فرض ذلك على بقية أجزاء العراق.
والإصرار الكردي، الآن، على تشكيل كيان قابل للانفصال في أية لحظة في شمال العراق وإعلان قيام دولة كردية هناك، لا يمكن وضعه في مسار الطموحات القومية الكردية التاريخية المعروفة فحسب، وانما توجد كثافة سكانية كردية تؤمن بفكرة قيام دولة مستقلة للأكراد في تركيا، وإيران وسوريا والعراق.
والأمر المؤكد أن الأكراد في شمال العراق يحظون بتأييد مقبول من جانب الولايات المتحدة، التي تدعم فكرة قيام كيان كردي مستقل في شمال العراق، واقامة كيان كردي حليف في شمال العراق، سيعمل على توفير الدعم الأميركي لهذه الدولة الجديدة رغم المعارضة التركية لها.
الأكراد وبإصرارهم على الانفصال وتكريس فكرة الحق في تقرير المصير عبر الفيدرالية، وإجراء الاستفتاء على ذلك العام الماضي كانوا واثقين من الانفصال حيث أظهر نحو 98% من الأكراد رغبتهم في الاستقلال والانفصال عن العراق، لكنهم ارتكبوا خطأ تاريخيا وراهنوا على الدعم الامريكي وكان الرهان مرة أخرى خطأ عبر توهمهم أن الولايات المتحدة ستكفل لهم الحماية عندما تتحول دولة كردستان في شمال العراق اذ انهم اختاروا التوقيت السيء ولم يحسنوا توقيت اجراء وتنفيذ الاستفتاء.
ولذلك على الكرد اليوم إعادة التفكير جيدا في قراءة الخريطة الجيوسياسية الإقليمية، ومعرفة أن إقامة دولة كردية اليوم سيفتح عليها نيرانا إقليمية لا تنتهي وستجد تحالفاً ايرانياً سورياً تركياً عراقياً ضد هذه الدولة مما سيدخلها في دوامات صراع لا تنتهي.
وعلى الكرد الا يتوهموا أن قوات أميركية سوف تهبط في جبال كردستان مرة أخرى من أجل حماية الدولة الكردية المستقلة.
فالخيار الاستراتيجي التاريخي لأكراد العراق هو في الفيدرالية الحفاظ على وجودهم ومكتسباتهم التي حققوها السنوات الماضية وأن دستور العراق يكفل الحقوق والواجبات الكردية، فالكرد مواطنون عراقيون أصلاً لهم حقوقهم وعليهم واجباتهم في هذا الوطن، وهي لا تقل عن حقوق وواجبات العراقيين العرب.

الفيدرالية ضرورة عراقية

اليوم ومن الجنوب العراقي، من البصرة وذي قار تأتي قيادات سياسية شيعية، بفكرة اقليم البصرة في جنوب العراق، والمطالبة بإنشاء إقليم للبصرة في الجنوب ليكون إقليما شبه مستقل على غرار إقليم كردستان في الشمال، وواكب ذلك المطالبة أيضا بالاستحواذ على نفط البصرة أسوة بمطالب الأكراد بالاستحواذ على نفط كركوك في الشمال العراقي وما حولها، وتاتي صيغة الفيدرالية بدعم من الولايات المتحدة الامريكية لتشكل من خلاله تنفيذ الفيدرالية في العراق على أساس ليس عرقي او طائفي وانما على اسس مختلفة تعود الى العيش الامن المشترك المرفه المستفيد من خيرات ارضه وعلى اساس الجغرافيا والعيش الكريم.
 وبالتالي على السنة العرب أن يتدبروا أمرهم في الجغرافيا وما تحويه ارضهم من خيرات ومصادر طبيعية، وبمساعدة القوى الإقليمية.
المصير العراقي مهددا بالفشل بفعل المأزق الذي خلفته نتائج العملية السياسية وبفعل المخططات والأطماع الاستراتيجية للقوى الإقليمية كإيران، وهو ما زاد من مخاطر تعاظم حدوث سيناريو شبح التقسيم العرقي والطائفي في العراق، وان أي محاولة لتكريس واقع هذا الفشل سوف يقود إلى نشوب حرب أهلية طاحنة شبيهة بحرب داعش أو تقود على اقل تقدير الى مزيد من الضعف والمشاكل والاضطرابات.
ففكرة الفيدرالية، هي الرهان على إمكانية حماية العراق من النزعات الانفصالية وسيكون رهانا رابحا وخيارا جيدا، وقد يفتح أبواباً لنجاح سيناريو التنمية. فقدر العراقيين هو العيش معا في إطار دولة فدرالية ديمقراطية، تحترم وتصون التنوع الثقافي والعرقي والطائفي، وتكفل تقاسم ثروة العراق النفطية وثرواته، في إطار من العدالة والمساواة، وإزالة أخطاء الحكم المركزي في هذا المجال، في إطار نظام العدالة التعددي، فلا مستقبل إلا في إطار العراق الفيدرالي أما الرهان على مركزية العراق فلن يكون مصيره إلا الفشل.
وفق المقاييس والمعايير الموضوعية نجد إن مطلب الفيدرالية كما نطرحه مشروع   هو أقرب إلى الفيدرالية بين أقاليم دولة واحدة، مما يلائم ظروف العراقيين وتطلعاتهم المستقبلية، وهو يعني وصل  كيان العراق الجغرافي ووحدته السياسية، فالدول الفيدرالية لها المستقبل.
فالمشروع المطروح للفيدرالية، والذي فصل في عدد من مواد الدستور، يضع نهاية للتقسيمات الطائفية العراقية والتي كانت قد هددت هوية العراق، وهذا المشروع سيحافظ على الكيانات الوطنية الكبرى، والتي لا تخلو جميعها من تعددية إثنية أو دينية.
ان ما يشهده العراق اليوم هو تطور في تاريخ الجمـاعات الوطنية الممتد منذ تأسيس الدولة العراقية في 1921. فبعض القيادات السياسية تطالـب بالفيدرالية وما توفره مواد الدستور على صعيد توزيع الثروة، ومنح الكيانات الفيدرالية حقوق حفظ الأمن والتشريع والتمثيل الدبلوماسي، وستفتح الفيدرالية أواصر ثقافية وسياسية وتاريخية، وليس ثمة حدث أو متغير كبير في إحدى مناطقها يمكن عزله عن بقية المناطق. فالفيدرالية في العراق هي حدث وتطور كبيران في واحد من أهم بلدان المنطقة وأكبرها.

الخلاصة

1- يرى التحالف الدولي والولايات المتحدة بشكل اساسي ان أول خطوات النظام الفدرالي في العراق يجب ان يكون من خلال انتخاب برلمان اتحادي، ووضع دستور اتحادي، وينص على توحيد التشريع القضائي، والقوانين الإدارية، على السياسة الخارجية والاقتصادية،
وتوحيد الجيش
2-  يجب ان يفرض واقع الاتحاد الفيدرالي، في الوحدة الاقتصادية ايضا، أو توحيد مناهج التعليم، وفي توحيد التشريع التي لها علاقة بالاتحاد الفيدرالي.
3- المشروع الديمقراطي الأميركي لبناء العراق، قد ينتهي إلى تحقيق كيانات فيدرالية يعطي الأمل لهذا البلد الكبير والعريق ويبعد عنه شبح التقسيم، الذي يمارسه البعض وخاصة الايرانيون منذ سنوات عدة.
    فكرة الفيدرالية، هي الرهان على إمكانية حماية العراق من النزعات الانفصالية وسيكون رهانا رابحا وخيارا جيدا، وقد يفتح أبواباً لنجاح سيناريو التنمية. فقدر العراقيين هو العيش معا في إطار دولة فدرالية ديمقراطية، تحترم وتصون التنوع الثقافي والعرقي والطائفي، وتكفل تقاسم ثروة العراق النفطية وثرواته، في إطار من العدالة والمساواة، وإزالة أخطاء الحكم المركزي في هذا المجال، في إطار نظام العدالة التعددي، فلا مستقبل إلا في إطار العراق الفيدرالي أما الرهان على مركزية العراق فلن يكون مصيره إلا الفشل.
 
 
 

المصادر

  • تقسيم العراق نموذجا في المنطقة العربية، محمد صالح المسفر، القدس العربي 30/8/2005.
  • حقيقة تقسيم العراق.. ولعبة الدستور، موقع جريدة البصائر ، ص3 .
  • دستور العراق.. خطوة للأمام أم للخلف، حسين عبد الرازق، جريدة الوفد المصرية، السبت 29 أكتوبر2005 .
  • الدول الإسلامية بين التفكيك والتقسيم، احمد فهمي، مجلة البيان، ص 1-10
  • العراق الجديد… هوية تحتاج إلى تحديد، الكاتب: بشارة نصار شربل، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.
  • فدرالية العراق: حل سياسي أم مأزق دستوري، جريدة الشرق الأوسط، 21 اب 2005 العدد 9763.
  • الفيدرالية وإمكانية تطبيقها في العراق، د عبد علي محمد سوادي ص 8-9 شبكة النبأ المعلوماتية.
  • الفيدرالية وتفكيك الجماعة الوطنية العراقية، بشير موسى، موقع المعرفة.
  • مسودة الدستور العراقي: ملاحظات أولية، جريدة الشرق الأوسط، 28 اب 2005 العدد 9770 .
  • موقف الأكراد والمحللين السوريين من الفيدرالية الكردية في العراق، وحيد تاجا، موقع الاختلاف ثروة، ص3 ، 20 آذار 2004 .
  • هل ضيع دستورنا الفدرالي نفطنا؟ الدكتور لطيف الوكيل، موقع بحزاني للحوار.

الخاتمة

  نسرد العديد من النتائج التي توصل إليها البحث ولعل من أهمها الآتي؛
      أولا؛  نتمكن من القول أن الوجود الأمريكي في العراق وفق الاتفاقات بين البلدين متفق عليه من قبل الساسة كافة شيعة وسنة وكوردا، لكن الاعتراض على أن يكون العراق منطلقا لعمليات حربية ضد بلد آخر يعد أمرا مرفوضا في التصريحات السياسية كافة وإن تمناه البعض خفية، وكذا الحال مع وجود قواعد عسكرية كبيرة دائميه فهو أمر ينال رضى المكونين العربي السني والكوردي، في حين ينقسم العرب الشيعة حول الموضوع بحسب ولائها لإيران، فجميع الموالون لإيران يرفضون قطعا أي تواجد للقوات العسكرية الأمريكية على الأراضي العراقية هذا فضلا عن قيامها بدور مراقبة إيران أو محاربته لكون العديد من مكونات هذا التوجه مستهدفة من أصل التواجد العسكري الأمريكي في العراق، وهي تعد من أذرع إيران خاصة إذا ما كانت مصنفة على قوائم الإرهاب الأمريكية.
ثانيا؛ من الواضح أن الاستراتيجية الأمريكية تقوم على مواجهة النفوذ الإيراني في العراق وتحجيم الميليشيات المرتبطة بإيران بشكل تدريجي لتجنب الدخول في المواجهات العسكرية، وخاصة أن الولايات المتحدة الامريكية ساعدت الحكومة العراقية في حربها ضد تنظيم داعش، وتدفع دول الجوار للمساهمة في إعادة إعمار العراق، لإيجاد بديل مناسب ومعقول عن الشركات الإيرانية التي احتكرت السوق العراقي، مع بناء قوات أمنية وعسكرية مهنية قادرة على تحييد الميليشيات المرتبطة بإيران في الساحة العراقية.
رابعا؛   سيُساهم العودة الأمريكية و الاهتمام المتزايد بالعراق بتخفيف النفوذ الإيراني المتجذر من خلال الأحزاب السياسية الموالية لطهران و الميليشيات المسلحة و الشركات التجارية ، وهذا الأمر قد يُسبب قلقاً حقيقياً لإيران من خسارة السوق العراقية و تحول العراق لقاعدة أمريكية للإضرار بالمصالح الإيرانية في المنطقة ، ومن الممكن ان تلجأ طهران لتوجيه الميليشيات المسلحة في العراق لضرب القوات الامريكية ولكن هذا الخيار سيلحق ضرراً أكبر بالمصالح الإيرانية و الميليشيات التابعة لها وستخسر ما بنته خلال السنوات الماضية في ظل انزعاج شعبي عام من التدخلات الإيرانية السلبية في العراق.
خامسا؛ أن الولايات المتحدة بدأت تفقد العراق لصالح إيران كعمق استراتيجي لها في الشرق الأوسط، تطل عسكريا من خلاله على عموم المنطقة واقتصاديا، كونه بلد الجهات الأربع. وما زاد في قناعة الولايات بذلك فقد جاء بعد تحرير العراق من تنظيم داعش وصعود قوى الحشد الشعبي، التي فازت بنتائج كبيرة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة.
سادسا؛ تختلف استراتيجيات السياسة الخارجية الأمريكية، لكن الثوابت تبقى واحدة، فمثلا أحد أهم هذه الاستراتيجيات هي حماية أمن إسرائيل، والنظر لروسيا كعدو دائم، وخلق التهديدات من أجل السعي للقضاء عليها. وللرئيس الأمريكي التحرك ضمن هذه الأطر وأن اختلفت وسائله وأدواته عن غيره من الرؤساء الآخرين، إلا أن المحصلة يجب أن تصب في اتجاه تلك الثوابت.
سابعا؛ فكرة الفيدرالية، هي الرهان على إمكانية حماية العراق من النزعات الانفصالية وسيكون رهانا رابحا وخيارا جيدا، وقد يفتح أبواباً لنجاح سيناريو التنمية. فقدر العراقيين هو العيش معا في إطار دولة فدرالية ديمقراطية، تحترم وتصون التنوع الثقافي والعرقي والطائفي، وتكفل تقاسم ثروة العراق النفطية وثرواته، في إطار من العدالة والمساواة، وإزالة أخطاء الحكم المركزي في هذا المجال، في إطار نظام العدالة التعددي، فلا مستقبل إلا في إطار العراق الفيدرالي أما الرهان على مركزية العراق فلن يكون مصيره إلا الفشل