الهندسة الاجتماعية للمجتمع العراقي

د. مهند يوسف
مستشار مركز العراق الجديد
الهندسة الاجتماعية مصطلح يشير الى تحليل وضبط مجتمع ما، من خلال ربط كمية هائلة من المعلومات المتغيرة عنه باستمرار، بحيث يستطيع اي نظام من ان يدفع المجتمع الى الامام او الى الخلف او الى اي اتجاه يريد، ويتوقع منه متى وكيف واين يُقدم، ويعرف عنه متى ينتصر ومتى يستسلم.
ومعرفة الافراد لانفسهم عن طريق الغرباء الاخرين اصبحت هذا اليوم تزداد بشكل كبير، حتى انها في احيان كثيرة تكون اكثر من معرفة الذوات لانفسهم، بمعنى ان الفجوة قد اتسعت بين المعارف العامة وتلك التي تملكها وتستخدمها النخب الحاكمة، وبفضل علم الاعصاب والاحياء وعلم النفس الاجتماعي التطبيقي، وصل النظام العالمي الى معرفة متقدمة للانسان والمجتمعات اكثر من معرفة الانسان لذاته، وهذا يعني سيطرة النظام على المجتمع والتحكم فيه اكثر من سيطرة ذلك المجتمع على نفسه.
ومن المعلوم ان الطاقة هي المشغل الرئيسي لكل نشاط اليوم على الارض، والعلوم الاجتماعية هي دراسة وادارة مصادر الطاقة الاجتماعية، وغاية العلوم الاجتماعية هي اكثر من مجرد ان تكون وسيلة من وسائل الوصول الى النهاية اي الحقيقة، ومعرفة النهاية هي في التحكم، ولكن السؤال من هو المستفيد او من هو المتحكم؟؟.
ونظرا للاهمية المستقبلية لضبط العراق والتحكم فيه، ولاجل احلال السلام والهدوء في اقليم الشرق الاوسط والعالم، فقد تقرر شن الحرب في 2003 ضد الشعب العراقي، ليس لاسقاط نظامه السياسي فحسب، ولكن لتحقيق هدف نهائي، وهو نقل الطاقة الاجتماعية والثروة الطبيعية من الاغلبية السنية غير المسؤولة وغير المنضبطة الى الاقلية الشيعية المتمتعة بالانضباط والمسؤولية، والتي تمثلهم اليوم الطبقة السياسية الحاكمة في بغداد.
ولاجل تحقيق مثل هذا الاعتقاد تم اخضاع الطبقات الدنيا من المجتمع العراقي تحت سيطرة كاملة ليتم ترويضهم بالكامل، حتى لايتسنى لهم ان يسالوا اسئلة حقيقية عن الواقع، من خلال جملة من الاعمال والتدابير مثل، العمل على تفكيك الاسرة العراقية البسيطة من خلال جعل الاباء اكثر انشغالا عن اسرهم، وايضا انشاء مراكز رعاية اجتماعية حكومية او خاصة برعاية العتبات المقدسة لرعاية الاطفال وبخاصة اطفال الشهداء والايتام والفقراء، يضاف الى ذلك اخضاع الطبقة الدنيا من المجتمع لنوعية متدنية من التعليم، حتى تبقى الفجوة كبيرة بين الطبقة العليا المتعلمة الحاكمة وبين الطبقة الدنيا، فيكون الجهل عائقا كبيرا، لدرجة تمنع حتى الاذكياء من الطبقات الدنيا من التفكير حتى بمجرد تحسين اوضاعهم المعاشية،، وهذا النوع من الاستعباد ضروري للضبط الاجتماعي…
وما مورس ضد العراقيين السنة بالتحديد في سنوات الحرب الماضية من قتل وتهجير واستعباد واذلال ونزوح ومخيمات هو نوع من انواع الحرب الاجتماعية ايضا قبل العسكرية التي تستهدف الافراد في حيويتهم وخياراتهم في الحياة، وقدرتهم على الحركة، عن طريق استغلال مداركهم، والتلاعب بعقولهم، للقضاء على المصادر والطاقة الاجتماعية عندهم وتدميرهم نفسيا وعقليا وعاطفيا.
فالمبدأ الاساسي للقوة والتاثير والتحكم بالانسان، يكون عن طريق الاقتصاد والمال، فعندما تظهر للناس القوة فسرعان ما سيمنحونها لك اياها…. وهذا ماكان من خلال ميزانيات العراق المتلاحقة في السنوات الاخيرة، حيث اعطيت المنح والمساعدات والرواتب والامتيازات والعقود والمناصب الحكومية لفئة قليلة من انصار السلطة الحاكمة، وهؤلاء يقومون في كل فترة زمنية معينة باستحداث هزات عنيفة على السلع وخاصة الغذائية منها ليتم مراقبة ردة فعل المستهلكين، كمثل اعلان الحكومة العراقية الشهر الماضي بتوزيع نصف كيلو عدس لكل مواطن عراقي في شهر رمضان القادم، لانه بهذه الطريقة يتم التوصل والتنبؤ باستجابة وقياس ردة فعل الشعب، وبالتالي تكون معرفة وقياس اية صدمات او هزات عنيفة قادمة، ومن ثم استغلالها، وبذلك يصبح الشعب حيوانا مروضا ومنظما تحت سيطرة نظام معقد ضابطا لطاقته الاجتماعية.
الحرب في العراق لم تنتهي بعد وهي مستمرة لكن بصورة هادئة ومتغيرة الاشكال، لكنها تؤدي الغرض منها وهو احداث حالة من العبودية والابادة الخيرة والهادفة بالتحكم العام بالعراقيين، فمن خلال هذا الضبط الاجتماعي بسبب الحرب، يرفض العراقي تطور ذكاؤه وعقله فيصبح جزءا من قطيع متوالد، وآفة على الارض، ولا يهتم بتعلم سبب قدرته على تجنب حرب اهلية او اخلاقية او حتى دينية، او انه يرفض التعامل مع مشاكل المياه والارض، او لا يريد ايجاد حل لمشاكله الحقيقية، او لا يمكنه حتى من الوصول اليها.
التحكم بالشعوب ياتي من خلال ابقائهم جاهلين ومشوشين وغير منظمين اجتماعيا ومهتمين بقضايا بعيدة عن الواقع او ليست ذا اهمية، وذلك يتحقق من خلال التحرر الفكري والقضاء على النشاط الذهني وتقديم نوعيات متدنية من التعليم في الرياضيات والمنطق والاقتصاد واهمال الابداع وغياب الثقافة وعلم الاجتماع.
ثم من خلال شحن العواطف، وزيادة الانغماس الذاتي، والانصراف الى النشاطات العاطفية والجسدية، ومهاجمة المجتمع عاطفيا وبشكل قاسي من خلال تزويدهم بموضوعات عن الجنس والعنف والحرب، او من خلال اعادة كتابة التاريخ والدستور، وتزوير نسبة الاقليات واعداد الاغلبية من خلال احصائيات منحرفة وغير صحيحة مما يسهل نقل تفكيرهم من حاجاتهم الشخصية الى اولويات خارجية كاذبة. اذ كلما زاد الكذب عمدا كلما زاد النفع وكلما خلقت مشكلات اكثر تم تقديم حلول فاسدة اكثر.
يستخدم الناس في بلادنا السياسيين ليتمكنوا من ضمان الحماية لهم، ولكن من دون تخطيط، والسبب ان الانسان الغربي دافع الضرائب يختار بعناية من يمثله من السياسيين لانه سيدير بشكل عادل اموال الضرائب المستحصلة منه، اما في الشرق وفي العراق خاصة فعوائد النفط تغني عن الضرائب، ولذلك لا يحتاج الانسان الى العناية باختيار السياسي الا من حيث ما سيعطيه هذا السياسي فالذي يدفع اكثر ينتخبه المواطن. وينتخبه ايضا لضمان العمل دون التفكير به ولممارسة السرقة وايذاء الاخرين دون الحاجة بالتفكير بالعواقب او القانون ولجني المنافع من الواقعية السياسية دون اجتهاد في الضبط او التعلم.
في نفس الوقت يعطون هؤلاء للسياسيين القوة لانشاء وادارة الحرب والسلام من اجل ضمان بقاء المكون المذهبي وعدم التعدي عليهم والقضاء على المنافس الاخر الذي يهدد المذهب. وبالتالي يدير السياسيون الحاليون وظائف شبه عسكرية كمليشيات وشرطة ومحامين وجواسيس وقضاة وياتي اصحاب البنوك ليكونوا فوقهم.