عودة داعش والصراع على الحدود العراقية – السورية

مجاهد الطائي
في غضون الأشهر القليلة الماضية بدأ تنظيم داعش بإعادة صفوفه على طرفي الحدود العراقية السورية ، وقد وجد التنظيم مكانه المفضل في منطقة حدودية “الجزيرة” ذات التضاريس الوعرة الممتدة في ثلاث محافظات عراقية “الأنبار ،صلاح الدين، نينوى” ويبلغ طولها 600 كيلومتر تقريبا ويصعب السيطرة عليها ،وتنتشهر فيها الوديان والسهول والكهوف وعصابات التهريب والميليشيات مع القوات الأمنية والقواعد العسكرية الأمريكية ،وقد بنى التنظيم فيها أنفاق لتجاوز التحصينات العراقية على خط الحدود.
وفق الأجهزة الأمنية العراقية ،يقدر عدد عناصر داعش بين 2000- 3000 عنصر ،بينما تقدّر التقارير الدولية أن تعداده بين 15 – 20 ألف مقاتل – في سوريا والعراق – وهو فارق كبير بين التقديرات المحلية والدولية، وقد دخل منهم مؤخرا من سوريا إلى العراق 1000 عنصر تقريباً مُدرب ومقاتل. تساعد الظروف وما تبقى لديها من الإمكانات إعادة إحياء التنظيم والعودة إلى العمليات الخاطفة والتخفي وحرب العصابات التي يبرع فيها التنظيم بدل مسك الأرض ،وقد بدأها في الصحاري والمناطق البعيدة عن مراكز المدن وقد ينقلها إلى المدن إذا شعر بأن لديه القدرة على تنفيذها كما كان يفعل في السابق في ظل الإنقسام السياسي العراقي والخلاف الأمريكي الإيراني. ناهيك عن أن قائد التنظيم لا يزال على قيد الحياة ،ويمتلك التنظيم 300 مليون دولار بحسب التقديرات الدولية ، إضافة إلى رفض الدول الأوربية تسلّم مواطنيها الذين قاتلوا في صفوف التنظيم وهو ما قد يدفع إلى إطلاق سراحهم أو تهريبهم أو فرارهم من السجون وهو ما يشكل تهديدا حقيقياً على العراق الذي يعاني من ضغوط أمنية كبيرة بسبب محاصرتهم في سوريا وهو يمنحهم فرصة للعبور إلى العراق بالضرورة عبر خطوط التهريب رغم الأنتشار العسكري على الحدود والحذر الأمني العراقي الكبير والمراقبة الأمريكية.
يقاتل في سوريا على الطرف الثاني من الحدود العراقية القوات الكردية “قوات سوريا الديمقراطية” المدعومين أمريكياً بالإضافة إلى قوات النظام السوري الذي ينسق مع الميليشيات والقوات العراقية ، وقد تسلم العراق دفعتين من أسرى داعش العراقيين ال600 الذين أسرتهم “قسد” خلال المعارك الأخيرة وبقي دفعة أخرى ، لكن هناك خطورة أن يتم إطلاق سراحهم أو هروبهم من السجن كما حصل في 2013 عندما فر عناصر القاعدة من سجن أبوغريب بعملية مفضوحة أدت في النهاية لتكوين داعش وهو ما قد يفتح الباب أمام تكرار السيناريو مرة أخرى إذا أستخدمت ورقة داعش سياسياً طبقاً لأي طارئ سياسي أو عسكري في عراق الميليشيات والفساد والإنقسام ، ناهيك عن وجود 1000 عنصر داعشي أجنبي آخر بيد “قسد” لم توافق الدول الأوربية على أستلامهم وهو ما قد يكرر ذات السيناريو “الهروب” في سوريا أيضا كما حصل سابقا بإعادة إحياء التنظيم.
الحدود العراقية – السورية تعتبر اليوم ساحة تنافس وصراع إقليمي ودولي يظهر على شكل داعش وميليشيات غالباً ،لكنها منطقة مهمة جيوستراتيجية فيها نفط وغاز مكتشف في سوريا والعراق “عكاز والرميلان” ويمر خلالها الطريق الدولي المفترض “طريق الحرير” من الصين إلى البحر المتوسط ،وهي منطقة تحت المجهر الأمريكي والصيني والروسي والإيراني والتركي ولن تهدأ المنطقة أبداً وقد تنتقل حالة عدم الاستقرار إلى مراكز المدن عبر الاختراقات والثغرات الموجودة.
لا يشك عاقل أن هناك صراعاً أمريكياً إيرانياً واضحا على العراق واستقطاباً إقليمياً حاداً يسعى كل طرف ليكون العراق جزءاً منه ، مع وجود ميول عراقية لكلا للمحورين من قبل القوى والفواعل السياسية داخل العملية السياسية. هذه الحالة والاستقطاب الإقليمي وغياب الحلول تؤدي إلى تنامي قوة داعش وإعادة شيئ من الفوضى إذا فشلت الحكومة العراقية في تحديد الجهة التي يجب على العراق أن يقف إلى جانبها ويقاتل في خندقها ، ولأن العراق منقسم – (سنياً وكردياً)  يميلان إلى الطرف الأمريكي و(شيعياً ) يميل إلى الطرف الإيراني – فإن احتمال إحياء مشروع الفدرالية “الإقليم السني” من جديد بدعم أمريكي – عربي بات وارداً جداً؛ لأن المواجهة مع إيران داخل العراق بسلطة مركزية ضعيفة غير القادرة على اتخاذ قرار موحد بشأن الوجود الأمريكي الداعم للعراق وغير قادرة على أتخاذ قرار بخصوص حل الميليشيات وحصر السلاح بيد الدولة لم يعد يجدي نفعا للمساعي الأمريكية ومشاريعها التي تضغط عليها الميليشيات والقوى السياسية الشيعية وتهدد بمواجهتها إذا لم تعلن عن جدول زمني لإنسحابها من العراق.
لم يبقى لداعش أي حظوظ في المدن السنية المنكوبة التي لا تزال منكوبة لأن رفض داعش أصبح ثقافة داخل المجتمع السني، لكن هناك بعض العوامل التي تُشعر المواطن بانعدام جدوى إعلان النصر؛ لإستبدال داعش بالميليشيات وإنعدام مشاريع الإعمار وإعادة النازحين وإيجاد مشاريع للبطالة المتفشية مع غياب أي مشروع سياسي يملئ الفراغ السياسي في المدن المحررة ، فالملف السياسي يرتبط بالضرورة بالملف الأمني فأساس الأزمة هي سياسية لكن لها نتائج عسكرية وأمنية ،وما تقوم به القوات والحكومة العراقية هي معالجة نتائج الأزمة السياسية من خلال المعالجات الأمنية والعسكرية ، فهي كمن يقطع الأدغال ويترك جذورها ومسسبباتها لتمو من جديد.
أخيراً ، لقد دُمرت مدينة الموصل وفُرض الرأي القائل بأننا سنقضي على داعش نهائياً مهما كانت التكلفة كي لا يعود الإرهاب من جديد ، وضحَّت المدينة بـ40 ألف مدني ودمار هائل في البنى التحتية من أجل هذه الفكرة ، لكنها اليوم وبعد الدمار والخراب عادت داعش بعد أن رفضت الميليشيات الخروج من المدن السنية بحجة منع عودة داعش من جديد ، فلم تحافظ القوى السياسية والميليشيات على الأرواح ولا الممتلكات ولم تمنع داعش من العودة اليوم بقوة إلى العراق وتحديدا مدينة الموصل المدمرة.
كلمات مفتاحية: