خطوات على طريق الاستدراك…الجزء الرابع/ بداية التوجه الإصلاحي بدأ في العراق زمن ولاية العبادي

د. عبدالناصر المهداوي
مستشار مركز العراق الجديد
     لا شك في كون جل الحكومات التي حكمت في العراق بعد الاحتلال كانت تحت هيمنة المشروع الطائفي المتسبب في دمار العراق والعراقيين، ولعل ولاية الجعفري وولايتي المالكي كانت في ذروة سنام الحكومات الفاسدة التي حطمت البلد بسياسة فاشلة تتحمل مسؤولية الخراب والفساد في أعلى مستوياته، ولم يستدرك هذا الفشل إلا في حدود زمن ولاية العبادي، فالأخير كانت له رؤية واضحة لإصلاح العملية السياسية، لكنه لم يتمكن من ترجمتها واقعا على الأرض على الرغم من حرصه على نجاح دورته في تجاوز إخفاقات سلفة، فسعى لتكريس القانون وإنهاء انتشار الجريمة المنظمة، وعدل شيئا ما في فساد المنظومة الحاكمة في السلطة التنفيذية، على الرغم من انشغاله في مكافحة سيطرة تنظيم “داعش” الإرهابي الذي مكن له المالكي من السيطرة على ما يزيد من 40% من الأراضي العراقية، غير أن هناك قوى خفية وأخرى معلنة تحارب أي توجه حقيقي لإصلاح العملية السياسية والنهوض بالواقع العراقي من أزماته المستفحلة التي عادت على البلد بالخراب والدمار.
     سعى العبادي لإصلاح مسيرة العملية السياسية وفق نظريته للعراق ما بعد داعش، وتكمن رؤية العبادي لما بعد الانتصار والتحرير في مجموعة خطوات مترابطة لا تتقدم إحداها عن الأخرى أو تنفصل عنها، ولا بد أن تسير معاً في ظل حوار جدي ومصالحة مجتمعية تطوي بهما صفحة الإرهاب وما خلفه من دمار وتهجير وجرائم ضد الإنسانية. مدخل هذه الرؤية تتمثل في إعادة الأمن والاستقرار والخدمات الأساسية عبر ما أسماه إعادة الاستقرار وتمكين النازحين من العودة إلى ديارهم ومشاركتهم في بناء وإعمار ما دمره داعش. ومنها الالتزام باحترام الآخر والتعايش السلمي مع جميع الشركاء في الوطن، المختلفين دينياً ومذهبياً وفكرياً واحترام مقدساتهم، وحماية الأقليات وقدسية دور العبادة لجميع الأديان والمذاهب، وهذا يمثل أساساً للمصالحة المجتمعية.
    وصمام الأمان في ذلك عدم السماح بعودة الحالات والمظاهر الشاذة التي كانت سائدة في العراق في مرحلة ما قبل احتلال داعش للمدن، وهي حالة التحريض والتوتر والتخندق الطائفي والقومي البغيض على حساب المصالح العليا للبلاد، وضرورة إقامة علاقات حسن جوار مبنية على المصالح المشتركة مع دول الجوار والإقليم، والعمل -على حد تعبيره- بإرادتنا الوطنية وقرارنا العراقي المستقل، وعدم رهن إرادتنا ومواقفنا بالخارج فيما يخص قضايانا ومصلحتنا الوطنية. وحصر السلاح في يد الدولة وإلغاء المظاهر المسلحة بشكل نهائي، واحترام أحكام القضاء وسيادة القانون في جميع مفاصل الدولة والمجتمع، ووعد العبادي على الاستمرار بكل قوة وعزيمة وبتعاون الجميع بمحاربة الفساد بجميع أشكاله وصوره لأنه أكبر حاضنة للإرهاب والجريمة. وإبعاد مؤسسات ودوائر الدولة عن التدخلات السياسية والمحاصصة وعدم الاستئثار بمواقع المسؤولية والوظائف العامة من أجل تحقيق العدالة.
     قيمة ما وضعه السيد العبادي من ملامح لإصلاح المنظومة السياسية بعد تحرير العراق من سيطرة التنظيم الإرهابي “داعش” تكمن في أنها كانت تلامس جراحات العراق الحقيقية التي تسبب بها من قبله الجعفري في ولايته والمالكي في ولايتيه حين مكن للطائفية السياسية بأبشع صورها التي تسببت في إنهاء مصداقية العملية السياسية، وعلى حل معضلات العراق التي تسبب بها الاحتلال والمشروع الطائفي على حد سواء، لكنه لم يتمكن من ذلك، وأسباب إخفاق العبادي عديدة لكن أهم هذه الأسباب يكمن في تمكن النظام الطائفي الذي كرسه المالكي عبر ما يقرب من عقد من الزمن من مفاصل الدولة العراقية، وبالتالي لم يعمل هذا النظام إلا على مصالح إيران على حساب المصالح الوطنية العراقية.
     وحين فطن السيد العبادي لذلك عدل من وجهته صوب الولايات المتحدة الأمريكية من غير أن يخسر رضى نظام ولاية الفقيه، وهذا ما أربكه وجعله يمثل تهديدا للمشروع الطائفي الحريص على مصالح إيران على حساب مصالح العراق، فلم تسعفه علاقته مع هذا المشروع بعد أن راهنت عليه الولايات المتحدة الأمريكية وعززت إنجازاته على الأرض حتى أنها ضحت بعلاقتها المتينة مع إقليم كوردستان على مذبح تقديم العبادي كمخلص للبلاد في الأحداث التي أعقبت الاستفتاء وتداعياته على مكتسبات الكورد من الاحتلال وليومها، لكن كل ذلك لم يجدي نفعا بعد رفع نظام ولاية الفقيه وأتباعه في العراق الكارت الأحمر بوجه العبادي.
     الولايات المتحدة لم تسلم للنصر الذي حققه العم ولي الفقيه في استبعاد مرشحهم القوي العبادي بل خلط الأوراق بشكل أو بآخر على طاولة أتباع نظام ولاية الفقيهة، وأبعد أتباعهم كافة إلى الصف الثاني بعد انتخابات 2018، فلم يتقدم هذه الانتخابات صقور الدعوة ولا حتى صقور الحشد بل تقدم أتباع التيار الإصلاحي المتمثل ب”سائرون” ومن معهم، وعزز من قدرة تحالف الإصلاح وعلى رأسه سائرون الحراك الشعبي في محافظات الجنوب التي حظيت بتأييدين مهمين، الأول تأييد الشارع الجنوبي ضد الفساد والفاسدين، والثاني تأييد المرجعية الدينية في النجف، خاصة في عدم تقديم وتجريب المجرب وبالتالي أبعد فرص المالكي ومن معه من المعسكر الإيراني -إن صح التعبير- لصالح خيار آخر تمخض فيما بعد باتفاق الفتح وسائرون والمجيء بالسيد عادل عبد المهدي وصالح على رأس السلطة التنفيذية.
    التعويل على تكملة المسير منوط بحراك السيد عبد المهدي ومؤشرات ذلك كثيرة، لعل من أهمها عقليته المنفتحة الساعية للتغيير، ومنها برنامجه الحكومي الذي عده بعض الساسة خيالات وأحلام سرعان ما ستصطدم بالواقع العراقي المأزوم، ومنها خلفيته التي لم تتقاطع مع النظام القديم إلا من حيث استثمار الفرص الحقيقية لبناء استراتيجية جديدة يوازن بها بين القوى الإقليمية وفي مقدمتها إيران، وبين القوى الدولية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، المؤثران الأساسيان على الساحة السياسية والأمنية والاقتصادية العراقية.
     أضف إلى أن السيد عادل تبنى الرؤية الإصلاحية وبالتالي فهو يسعى للانسجام مع التوجه الأكبر في البرلمان، ويتماهى مع الشارع العراقي المطالب للإصلاح خاصة الجنوبي بعد الاحتجاجات الأخيرة، وكذلك يطمع في دعم المرجعية الدينية، كل ذلك كي يتمكن من تجاوز ضغوطات الكيانات الحزبية الفائزة التي تلجئه إلى رؤيتها خاصة في توزير الحقائب التابعة لاستحقاقاتها الانتخابية كما تدعي، في محاولة منها لإجهاض مبكر للحكومة الوليدة التي تمخضت عنها الانتخابات التشريعية في 2018 على الرغم من المخالفات والشبهات التي دارت حولها.
    البعض يرى في حكومة عبد المهدي انتصارا للمؤثر الإقليمي وفي مقدمتها إيران حتى وصف بعض المحللين المختصين بالعلاقات الدولية في حكم مجافي للحقيقة أن حكومة عبد المهدي إيرانية 100%، في حين أن المؤشرات على الأرض تشير إلى غير ذلك، مع اعتبار تمكن حكومة ولاية الفقيه من بسط سيطرتها على الساحة السياسية والأمنية العراقية من بداية الاحتلال وليومنا هذا، قد تكون اليوم الفرصة متاحة للشعب العراقي أفضل من كل زمن مضى، وذلك لجملة اعتبارات، لعل من أهمها وعي الشارع العراقي بفساد المنظومة التي تتبع النظام الإيراني في تحقيق أي منجزات حقيقة على الأرض العراقية على مدى الحكومات المتعاقبة التي حكمت العراق بعد الاحتلال، من البعد الأمني مرورا بجميع مفاصل البعد الخدمي، بل أن جل القرارات السابقة كانت تصب في صالح النظام الإيراني، الذي تمكن من الهيمنة المطلقة على مفاصل الدولة العراقية، زمن ولاية الجعفري وولايتي المالكي، وشطرا من ولاية العبادي بحجة مقارعة الإرهاب الذي ساهم في صناعته عن طريق أتباعه في العراق.
   واليوم تعد حكومة عبدا المهدي وصالح فرصة حقيقية للتغيير في ظل الظروف الموضوعية التي تحيط بالساحة السياسية العراقية، وذلك لكون النظام الإيراني اليوم في أضعف حالاته ولا بد له أن يقدم تنازلات للعم سام على الرغم من عنجهيته التي يزايد بها وهو خاوي الوفاض، ومن هنا تستطيع الحكومة الانشغال بمصالح العراق على حساب مصالح الآخرين – ولا بأس من تحقيق مصالح متبادلة متوازنة مع المؤثرات الإقليمية والدولية شريطة أن لا تكون على حساب العراق والعراقيين- وتقديم خدمات حقيقية للعراقيين بعد الحظر على إيران من قبل الولايات المتحدة الأمريكية على إيران بهذه الذريعة أو تلك، فعلى الرغم من التصريحات النارية الرافضة لاستهداف إيران إلا أن أصحاب القرار يعون مصير من يخرق العقوبات بشكل دقيق.
      من هنا إن تمكنت السلطة التنفيذية من بسط الأمن في الساحة العراقية وتعزيزه، وإن تمكنت من وأد الطائفية السياسية، وإنهاء ملف حقوق الإنسان وإنصاف المظلومين خاصة السياسيين منهم، وتعزيز قدرات ومهنية واستقلالية القوات المسلحة العراقية بأصنافها كافة، وحصر السلاح بيد الدولة وإنهاء المظاهر المسلحة الخرجة عن سلطة الدولة، وتمكين القانون والشروع الحثيث لإعادة الاعتبار للمواطنة على حساب المكونات، والحركة صوب الحكم العادل الرشيد فإن الشعب العراقي بمختلف خلفيات أبنائه الدينية والمذهبية والعرقية سيلتفون حولها ويحمونها من مكائد الكائدين ومن حنق الفاسدين. فالعراق يواجه أزمة بنيوية تخص العملية السياسية ومخرجاتها كافة، وبالتالي فالحكومة اليوم تحتاج إلى إصلاح بنية المنظومة الحاكمة في السلطة التنفيذية، مع اعتبار إصلاحات بنيوية في السلطتين التشريعية والقضائية، إطلاق العنان لمجلس النواب بتفعيل دوره الرقابي والتشريعي، وإصلاح بنية القضاء العراقي وتعزيز مهنيته واستبعاد الفاسدين الذين شوهوا سمعة القضاء العراقي خاصة في المحكمة الاتحادية ومجلس القضاء الأعلى.