الصراع بين الوكالات الإستخبارية الإيرانية

فراس إلياس
إن التتبع المستمر لطبيعة النظام السياسي لجمهورية إيران الإسلامية بعد العام 1979، سيجد أن الصراع هي السمة الرئيسة التي طبعت المشهد العام لهذا النظام، فعلى الرغم من نجاح مرشد الثورة الخميني في ترسيخ أسس النظام الجديد في إيران بعد نجاح الثورة، سواء أكان ذلك على مستوى المؤسسات السياسية والدستورية، أو على مستوى المؤسسات الأمنية والعسكرية، والتي من ضمنها وزارة الإستخبارات والأمن الوطني، يمكننا القول بأن النظام السياسي لإيران الجمهورية الإسلامية هو نظام الكيانات الموازية، ويمكننا أيضاً تلمس ذلك من خلال كثرة المؤسسات المقيدة لبعضها البعض.
وعلى الرغم من أن الصراع هي سمة جيدة داخل الأنظمة السياسية، فيما إذا كانت تهدف إلى تقديم الأفضل للنظام السياسي، كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن الحال في إيران يختلف، فالسمة الرئيسية للصراع داخل أجنحة النظام السياسي، هو من أجل ترسيخ النفوذ والشرعية التاريخية، بين مؤسسات دستورية ومؤسسات ثورية، مع رجحان الثانية على الأولى في كثير من الأحيان.
وبالحديث عن الوكالات الإستخبارية الإيرانية، نجد بإن خاصية الصراع داخل هذه  الوكالات وصل إلى مستويات متصاعدة، خصوصاً مع تزايد الضغوط الداخلية والخارجية على النظام السياسي في إيران، إذ أدى هذا الصراع إلى تمكن الأجهزة الإستخبارية الأجنبية، والحديث هنا عن جهاز الموساد الإسرائيلي في شن العديد من الهجمات الإستخبارية الناجحة داخل إيران، سواءً أكان ذلك على مستوى نقل المعلومات الخاصة بالبرامج النووية الإيرانية، أو تلك المتعلقة بتصفية الخبراء النوويين أو تهريب العديد منهم إلى خارج إيران، مما جعل من قدرة إحهزة الإستخبارات الإيرانية على مكافحة التجسس والتجسس المضاد يثار حولها الكثير من الأسئلة والإستفسارات، مع التأكيد هنا بأن الصراع الرئيسي بين الوكالات الإستخبارية الإيرانية ينحصر اليوم بين وزارة الإستخبارات والأمن الوطني وجهاز إستخبارات الحرس الثوري، وهو ما قوض ثقة الجمهور الإيراني ليس فقط بالنظام السياسي، ولكن أيضاً في كفاءة وفعالية الإستخبارات الإيرانية.
كما نجد بأن الأطر الإدارية التي تحكم عمل الوكالات الإستخبارية الإيرانية هي الأخرى تشير إلى مدخل أخر من مداخيل الصراع، ففي الوقت الذي ترتبط فيه وزارة الإستخبارات والأمن الوطني برئيس الجمهورية، يرتبط جهاز إستخبارات الحرس الثوري بالمرشد الأعلى، وهو ما أتاح لجهاز إستخبارات الحرس الثوري حرية عمل أوسع وأكثر تأثير، وبما أنه هو “أي الحرس الثوري” من ينفذ سياسة إيران الخارجية اليوم، وتحديداً في الشرق الأوسط، نجد بأن جهاز إستخبارت الحرس الثوري هو الآخر من يسيطر على الجهد الإستخباري الإيراني الخارجي، إذ لاتملك وزارة الإستخبارات والأمن الوطني العلاقات الوثيقة التي يمتلكها جهاز إستخبارات الحرس الثوري مع الحركات والأحزاب والمليشيات المسلحة في الشرق الأوسط، مع التأكيد هنا بأن هذ الصراع قد يتحول إلى تكامل إستخباري في كثير من الإحيان، إلا أنه هش وسرعان ما يتداعى.
كشف البرنامج النووي الإيراني وكذلك المفاوضات النووية، عمق الأزمة بين وزارة الإستخبارات والحرس الثوري، ولعل هذه الأزمة ترجع إلى سبب رئيسي وهو إختلاف الروئ والأفكار للعناصر العاملين داخل الوكالتين، والحديث هنا عن العناصر الإصلاحية والمحافظة، إذ لطالما تم إستبعاد العناصر الإصلاحية من الملفات النووية الحساسة، وكذلك منع وصولهم للكثير من المعلومات السرية الحساسة، خصوصاً بعد تمكن الأجهزة الإستخبارية الأجنبية من إختراق الكثير منهم، ولاسيما مزدوجي الجنسية منهم.
فعلى سبيل في أكتوبر 2017، أعلن المتحدث بأسم السلطة القضائية في إيران غلام حسين محسني في مؤتمر صحفي إن وزارة الإستخبارات إعتقلت عدداً من الجواسيس من بين الفريق التفاوضي الإيراني، ومن بينهم عبدالرسول درّي أصفهاني ممثل البنك المركزي الإيراني في المفاوضات النووية مع القوى الكبرى في فيينا، والذي يحمل الجنسية المزدوجة البريطانية – الإيرانية، وبالرغم من أن وزير الإستخبارات الإيراني محمود علوي، أعلن إسقاط تهمة التجسس عن أصفهاني، غير أنه أكد أن التحقيقات مازالت جارية مع الرجل، وأضاف أن أصفهاني “بريء من إرتكاب أي مخالفات” وأنه قد “تعاون مع مديرية مكافحة التجسس المضاد التابعة لوزارة الإستخبارات خلال مجمل المفاوضات النووية”.[1] مع التأكيد هنا بأن عملية توجيه تهم التجسس لأصفهاني كانت من قبل جهاز إستخبارات الحرس الثوري، وإتهموه “بالتجسس لصالح وكالات تجسس أجنبية”، وتقويض قدرة إيران على التوصل إلى إتفاقية نووية أفضل.
تجدر الإشارة إلى أنها ليست المرة الأولى التي يتهم فيها المفاوضون النوويون الإيرانيون بالتجسس والخيانة، فقد أُتهم السيد حسين موسويان وهو مفاوض نووي، وأعضاء فريقه البحثي شاهين دادخاه، وعبد الرحمن قهرمان بور، ومهرداد سيرجوي، والعديد من الدبلوماسيين والباحثين الإيرانيين الآخرين المشاركين في المفاوضات النووية مع القوى الكبرى بالتجسس، وقضى عقوبات بالسجن،  وبالتوافق مع ماتم ذكره في أعلاه، بخصوص أصفهاني، فإنه في 23 أغسطس 2016، أفادت وكالة تسنيم نيوز، وهي جهة مقربة من الحرس الثوري الإيراني، عن تفاصيل درامية أخرى لإعتقال أصفهاني في محادثة مع Ramz-e Obour، وهو عنصر مقرب من الجيش الجمهوري الأيرلندي، وبحسب ما ورد كان أصفهاني عضواً في وفد تفاوضي بقيادة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إلى تركيا في 12 أغسطس 2016، ولكن لم يُسمح له بمغادرة طائرة الخطوط الجوية الإيرانية عند القبض عليه في مطار أنقرة، وتمت إعادته إلى إيران لمنع “هروبه إلى كندا، وفي 24 أغسطس 2016، حُكم عليه بالسجن لمدة خمس سنوات.[2]
ويرتبط مع هذا الأمر أيضاً طريقة تعاطي الوكالتين مع مزدوجي الجنسية، ففي الوقت الذي تعتمد فيه وزارة الإستخبارات الإيرانية سياسة مرنة معهم، نجد بأن جهاز إستخبارات الحرس الثوري يتشدد في طريقة التعاطي معهم، خصوصاً ممن هم أعضاء في وفود التفاوض النووية، سواءً أكان ذلك مع الوكالة الدولية للطاقة النووية، أو مع القوى الكبرى، إذ كشف عضو بمجلس الشورى الإيراني حسين علي حاجي دليغاني، عن إعتقال 12 مسؤولاً من حَمَلة الجنسية المزدوجة، بتهم “التجسس لصالح مشروع النفوذ الغربي داخل البلاد”، بينهم مفاوضون سابقون لعبوا دوراً في إنجاز الإتفاق النووي.
مع التأكيد هنا أيضاً بأن هذا الصراع أدى إلى خلق صورة ضبابية لدى المتابعين ووسائل الإعلام في إيران، ففي الوقت الذي يطلق في جهاز إستخبارات الحرس الثوري تهم التجسس والخيانة من جهة، تنبرئ وزارة الإستخبارات إلى تبرئتهم، أو التخفيف من هذه التهم.
وفضلاً عن ماتقدم، نلاحظ بأن هناك سيطرة شبه كاملة لجهاز إستخبارات الحرس الثوري على مجمل النشاطات الإستخبارية الإيرانية في الخارج، وقد يصح هذا القول إذا ما نظرنا إلى طبيعة الظروف المحيطة بإيران إقليمياً ودولياً، فهو الأكثر قدرةً على التعاطي مع التحديات الغستخبارية التي تعيشها إيران في المنطقة، وذلك بحكم التجربة والخبرة وطبيعة العلاقات العامة التي يمتلكها الحرس الثوري، هذا إلى جانب المرونة التي يمتلكها في تجنيد الكثير من الشباب، سواءً بصورة مباشرة، أو بصورة غير مباشر من خلال علاقاته مع حلفائه في المنطقة، ومن خلال هذا يمكن القول بأن الفاعلية الرئيسية التي أظهرتها وزارة الإستخبارات الإيرانية، كانت في كثير من الأحيان ضمن المجال الإيراني، أما خارج هذه الحدود الجغرافية فقد واجهت وزارة الإستخبارات الإيرانية تحديات صعبة للغاية، سواءً على مستوى العناصر البشرية أو الأهداف الإستراتيجية أو نطاق العمليات أو حتى القدرات اللوجستية، ونتيجة لمثل نقاط الضعف هذه، فإن المرشد الإيراني عمد إلى إيلاء الكثير من المهام الإستخبارية للحرس الثوري، على إعتبار أنه الجهاز الوحيد القادر على الموائمة مابين العمليات الإستخبارية والأمنية في آن واحد، وذلك بحكم طبيعة العلاقات التي يمتلكها مع العديد من الاطراف الرسمية والغير رسمية في الشرق الأوسط، وهذه الميزة هي التي جعلت النظام الإيراني اليوم يولي جهاز الإستخبارات التابع للحرس الثوري وبالتعاون مع جهاز إستخبارات حزب الله اللبناني أهمية كبيرة، إذ تكفي الإشارة إلى أن من يمسك الملف الأمني في العواصم الأربعة (بغداد، دمشق، صنعاء، بيروت)، هم ضباط سابقين في فيلق القدس الإيراني، لندرك طبيعة التقسيم الإستخباراتي الذي تعتمده إيران حالياً، بحيث أصبحت وزارة الإستخبارات اليوم تأتي بالمرتبة الثانية بعد جهاز إستخبارات الحرس الثوري من حيث الأهمية والتأثير.
يثير هذا الأمر بالمجمل أسئلة جدية حول كفاءة المرشد الأعلى علي خامنئي، الرجل الذي له الكلمة الأخيرة في كل أمور الدولة، فإذا كان أصفهاني وغيره من المفاوضين النوويين الإيرانيين وباحثيهم بالفعل جواسيس وعملاء أجانب يقوضون قدرة إيران على التوصل إلى صفقة نووية أفضل، فلماذا قبل خامنئي الإتفاق النووي وما زال يدافع عن الصفقة.[3] بينما إنسحب منه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب؟.
ففي الوقت الذي نجح فيه خامنئي في بناء مؤسسات سياسية وأمنية وقضائية موازية لبعضها البعض، إلا أنه أنتج بالمقابل حالة غير صحية لطريقة عمل هذه المؤسسات، ومن ذلك الصراع الدائر بين الوكالات الإستخبارية الإيرانية، مما أثر كثيراً على طريقة تبادل المعلومات الإستخبارية ومكافحة الإستخبارات المضادة، وعرض الأمن القومي الإيراني للكثير من الإخفاقات الأمنية والإستخبارية.
[1] صالح حميد، إيران.. اعتقال 12 مسؤولاً بينهم مفاوضون بتهم التجسس، العربية، في 17 نوفمبر 2016.
https://goo.gl/U8vC2e
[2] Ali Alfoneh, The Growing Conflict between Iran’s Intelligence Agencies, Middle East Institute, 23 October 2017.  https://goo.gl/GF1WbP
[3] Ibid.