خطوات على طريق الاستدراك… الجزء الخامس/ هل سيتمكن رئيس مجلس الوزراء عادل عبد المهدي من تحجيم الفساد؟

د. عبدالناصر المهداوي
مستشار مركز العراق الجديد
    طرح السيد عادل عبد المهدي رئيس مجلس الوزراء رؤيته في التصدي لملف الفساد على مجلس النواب في جلسته الاولى من الفصل الثاني للسنة التشريعية الأولى بالدورة الانتخابية الرابعة يوم السبت 9/3/2019، بحضور 285 نائبا  وحضور السادة رئيس الجمهورية و رئيس مجلس القضاء الأعلى ورئيس ديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة وكالة، وبحسب الموقع الرسمي لمجلس النواب  فقد شدد رئيس مجلس الوزراء في كلمته على أن الفساد ذا تأثير مدمر على التنمية والاستثمار، مؤكدا إلى أن الحكومة قطعت أشواطا لاتخاذ إجراءات تعزز النزاهة ومكافحة الفساد، موضحا أن حجم وتداعيات الفساد خطيرة كونها تنخر مؤسسات الدولة، وعطلت التنمية والاعمار وساعدت على نمو الارهاب وانتشاره، مبينا بان تراكم مسببات الفساد منذ العقود السابقة والحصار الاقتصادي وبعض السياسات الخاطئة المتبعة ساهمت بانتشار الفساد.
     ونوه السيد عبد المهدي في كلمته إلى اتخاذ الحكومة خطوات على الصعيدين الوقائي والردعي من خلال تقديم الدعم للأجهزة الرقابية وخاصة هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية وتقديم العون الفني والمالي لهما ومراجعة سياستهما بما يتوافق مع المرحلة الراهنة، مع تكليف الوزارات والجهات غير المرتبطة بوضع برامج وخطط عمل لإظهار اولوياتها ورصد النتائج وتقييمها من خلال الاجهزة الرقابية. وبين السيد عبد المهدي بان الحكومة شرعت بأعداد استراتيجية وطنية شاملة لمكافحة الفساد بمشاركة الوزارات والجهات الحكومية حيث تعتزم كل من هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية تقديم المسودة الاولية لها، مشيرا إلى بدء الحكومة بتنفيذ الخطط الكفيلة باسترداد الاموال المنهوبة في الخارج.
   ولفت السيد رئيس مجلس الوزراء الى ان تفعيل المجلس الاعلى لمكافحة الفساد يمثل امتدادا لعمل المجلس الذي تم تأسيسه في 2007 وحمل أسما اخرا ليتولى التنسيق بين اجهزة مكافحة الفساد وتوحيد جهودها والتنسيق بين السلطة التنفيذية والتشريعية حتى تثمر النتائج عن سياسة موحدة ومنسقة لمكافحة الفساد، منوها الى أن المجلس ليس بديلا عن الاجهزة المختصة بمكافحة الفساد، مؤكدا على ان الحكومة ستعالج ملف تهريب النفط والمنافذ الحدودية وخاصة في محافظة نينوى فضلا عن المحافظات الاخرى، مشددا على ان مكافحة الفساد باتت تمثل قضية دولة وشعب مما يتطلب السير بخطط ناجحة للوصول الى نتائج ايجابية.
     من خلال ما تقدم نستطيع أن نشكل رؤية واضحة في إمكان الحكومة إذا ما عقدت العزم من مواصلة جهودها في محاربة الفساد في الملفات الأربعين الذي حددها عبد المهدي بقوله؛ دعوني أطرح لكم الخريطة التي نعمل الآن على تشكيل كل تركيباتها، نعرف الهيكليات الداخلية، كيف تعمل؟ أين تعمل؟ في أي منطقة؟ من هم الأشخاص الأساسيون؟ وبالتالي نستطيع فعلاً أن نلاحقهم. وذكر رئيس الوزراء العراقي أن هناك 40 ملفاً ضمن خارطة الفساد. افتتحها بملف تهريب النفط، ملف العقارات، المنافذ الحدودية، الجمارك، تجارة الذهب وتهريبه، السجون ومراكز الاحتجاز، السيطرات الرسمية وغير الرسمية، المكاتب الاقتصادية بالمؤسسات والمحافظات والوزارات، تجارة الحبوب والمواشي، الضرائب والتهرب منه، الاتاوات و “القومسيونات”، مزاد العملة والتحويل الخارج، التقاعد، ملف السجناء، ملف الشهداء،  المخدرات، تجارة الآثار، الزراعة والأسمدة والمبيدات، تسجيل السيارات والعقود والأرقام، الاقامة وسمات الدخول، الايدي العاملة الأجنبية، الكهرباء، توزيع الادوية، توزيع البطاقة التموينية،  الرعاية الاجتماعية، السلف المالية المصرفية، التعينات، بيع المناصب، العقود الحكومية، تهريب الحديد والسكراب وغيرها، الامتحانات وبيع الأسئلة، المناهج التربوية وطباعة الكتب، المشاريع المتوقفة، المشاريع الوهمية، القروض المالية، شبكة الاتصالات والانترنت والهواتف النقالة، الاعلام والمواقع الالكترونية، شبكات التواصل الاجتماعي، ملف النازحين، الاتجار بالبشر.
     واضح أن رؤية عبد المهدي شاملة لمفاصل الفساد في الدولة العراقية بسلطاتها الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، لا بل يعد تشخيص عبد المهدي تفصيلي وبشكل دقيق، وهنا يطرح السؤال التقليدي نفسه، هل سيتمكن فعلا عبد المهدي من تعقب الفساد في هذه المفاصل الأربعين دون حشد السلطتين التشريعية والقضائية؟ مع اعتبار أن أهم مفاصل الفساد يعشعش بين أركانها، فلو أراد فعلا تعقب بيع المناصب والتعيينات في السلطة التشريعية كم من الأعضاء سيناله هذا التعقب؟ وكيف سيواجه عبد المهدي العشرات من البرلمانيين الذين وصلوا للبرلمان من خلال بيع وشراء الأصوات، أضف إليها كم من المناصب بيعت من قبل هؤلاء وأمثالهم؟ وهذه الدعوة لا تندرج تحت خانة التخرص لكونها حقائق تناقل بها الركبان ولعل شهادة النائبة ماجدة التميمي خير دليل في هذا المضمار.
     ويتعدد هذا السؤال بجميع المفاصل التي طالها الفساد سواء كانت ضمن الأربعين المذكورة سلفا أو في مفاصل أخرى لا تقل خطورة عنها غفل عنها عبد المهدي، اليوم لا نستطيع أن نجزم بأن الإرادة الحرة والعزم الماضي يمكن أن يجفف منابع الفساد لوحده، بل نحتاج معها إلى أدوات كثر، وقبل الأدوات نحتاج إلى أيادي نظيفة لا تتستر على فاسد من طائفتها أو من حزبها أو من أقاربها، هذا فضلا عن بيئة صالحة تضرب على أيدي الفاسدين ضمن منظومتها القيمية، فمجتمعاتنا على تعاقب حكم الفاسدين تلوثت وباتت تجهر بفساد أركانها صباح مساء، وفي أحيان كثيرة لا تستحي بعض الشخصيات من الإعلان عن فسادها مقابل تسويق لبعض سماتها الإيجابية في سردية تذكرنا بقصة روبن هود، أو الشطار والعياريين في الدولة العباسية.
    الحاجة اليوم إلى ثقافة مجتمعية جديدة تقوم على الحكم الصحيح و لا تحابي الفساد والفاسدين على أساس خلفيتهم وبعض حسن صنائعهم، نحتاج تكريس منظومة قيمية تبنى على الصلاح والنظافة في بعديها الحسي والمعنوي تكرس في ذاكرة العقل الجمعي العراقي على مستوى اللاوعي على حد تعبير أهل التنمية، بمعنى آخر نحتاج تجريم الفساد مجتمعيا، وكذلك تكريس الصلاح والأداء الفعال المهني مجتمعيا، وهذه تحتاج إلى غرس هذه القيم في المناهج الدراسية من رياض الأطفال إلى أعلى مستويات الدراسة الأكاديمية، كما نحتاج إلى حشد الطاقات الرسمية وغير الرسمية بمفاصل الدولة العراقية حكومة وشعبا وأرضا وبقية مفاصل الدولة بمؤسساتها كافة لتكريس نبذ الفساد وعده الوجه القبيح الآخر للإرهاب، وخطره لا يقل شأنا عن خطر الإرهاب.
     البيئة النظيفة توفر الملاذات الآمنة لمكافحة الفساد، في حين البيئة الفاسدة لا ينتج عنها إلا فاسدون، وتحقيق البيئة الآمنة النظيفة يتم عن طريق ثقافة المجتمع ومنظومته القيمية وعاداته وتقاليده وأعرافه، وكذلك يتم عن طريق الأداء الأمثل للجهات الرقابية من المجالس النيابية والمحلية مرورا بالمؤسسات المختصة بالرقابة المالية والإدارية مع اعتبار منظمات المجتمع المدني والنقابات المهنية والإعلام بأدواته المرئية والمسموعة والمقروءة كافة، وخاصة من على منصات التواصل الاجتماعي وصولا للقوانين الرادعة، كل هذه تسهم بطريقة أو بأخرى بتوفير بيئة مناسبة لمحاربة الفساد وتحجيم دوره في الدولة العراقية، فلو توفرت هذه الأدوات ستكون رؤية السيد عبد المهدي التي طرحها على البرلمان العراقي كما ذكرنا ممكنة ونجاحها وارد وممكن.
     أما من دون ذلك ستكون هذه الرؤية رقما جديدا من الرؤى والمساعي التي عزفت على لحنها جميع الحكومات السابقة، فالمالكي كانت له استراتيجية مطبوعة في مغلف كبير مكون من مئات الصفحات في محاربة الفساد وتجفيف منابعه، في حين نجده بشكل مباشر أو غير مباشر عن قصد أو عن غير قصد كرس الفساد وجعله ثقافة مجتمعية ودالة على توصيف السياسيين والمسؤولين كافة، بحيث لا ينجو أحد من هذا النعت حتى لو جاهد في مكافحة الفساد بكل ما أوتي من قوة، وحتى السيد حيدر العبادي كانت رؤيته للإصلاح تحتوي على مفصل محاربة الفساد والقضاء عليه بصوره كلية، وأنى له ذلك وقد تغول الفساد حتى أصبح وحشا يتعذر على العبادي ومن جاء بعده أن يقضي عليه ما لم يمتلك الأدوات الفعالة والبيئة المناسبة وجيش من الشرفاء الحريصين على الإصلاح.
       استذكر في هذا الشأن في إحدى المحافظات كان المحافظ يومها عاقد العزم على تنظيف محافظته من الفساد، وبدأ من دائرته أي من ديوان المحافظة فاستبعد كل من ثبت فساده بالدليل القاطع من تولي مسؤولية قسم أو مكتب في ديوان المحافظة دائرة صلاحياته الحقيقية الأولى، وطالت خطواته الإصلاحية مسؤولين من معاونيه ورؤساء أقسام، والبعض من هؤلاء كانت لهم يد مع الحكومة الاتحادية، وفعلا حاولوا تعديل الأمر من جهات عليا في الحكومة، غير أن المحافظ لم يلتفت إليها كثيرا ولم يتراجع عن قراراته، على الرغم من كونها كانت لا تؤذي هؤلاء بشكل كبير، بل كان يستبعدهم من صناعة القرار ويكتفي بذلك مع اعتبار إحالة ملفات الفساد إلى الجهات المختصة وخاصة محكمة النزاهة وغيرها، واستذكر عشرات المشاريع أحالها هذا المحافظ إلى النزاهة وكان فيها فساد لا يخطر على عقل أحد دون أن يحاكم أحد عليها فيما بعد!!!
     وجد المحافظ بعد مدة نفسه وطاقم إدارته المقربين من حوله في دائرة الاستهداف بشكل مباشر، وضيق عليه الخناق بشكل كبير، وفي النهاية وجد نفسه يسبح ضد التيار بأدوات هشة ولم يسعفه أقرب المسؤولين إليه، وقرر الاستقالة وبعد حين تم له ذلك لكن في وقت متأخر كثيرا ودفع ثمنا باهضا فيما بعد في السنوات التي أعقبت إدارته بعد أن عاد الفاسدون إلى مواقعهم، ولم يكتفوا بذلك بل قرروا الانتقام منه فتشكلت لجان تحقيقية كان بعضهم على رأسها لتجريم فعل المحافظ المعني، وأحيلت أوراق العديد من القضايا التي تدين المسؤول الأول من غير أن يدان أعضاء معه في كل قضية -في سابقة خطيرة- ودفع ثمن سعيه ذلك بأحكام غيابية قاسية لا يملك التصدي لها، ليس لكونه مدانا لكن القضاء يتعامل مع الأوراق التي تقدم إليه من اللجان التحقيقية التي تعمل بانتقائية في استبعاد أي ورقة تبرئ المحافظ وبالتالي ستكون الأحكام معدة سلفا غيابيا وتشوه صورة هذه الشخصية من غير أن تحقق الحقائق لكون الفاسدون عادوا إلى مواقع المسؤولية مرة أخرى، والبيئة السياسية تساعد على استهداف الشخصيات من الكيانات والأحزاب الأخرى وبالتالي غياب العدل لن يكون بالضرورة بسبب القضاء بل يكون بالدرجة الأساس مسؤولية اللجان التحقيقية والأوراق المقدمة، هذا الكلام عليه عشرات الأدلة القطعية التي لا تقبل اللبس.