المدن المدمرة .. إعادة الفوضى أقرب من إعادة الإعمار!

مجاهد الطائي
إن الانتقال من مرحلة الحرب إلى مرحلة السلم ،ومن الفوضى إلى الاستقرار ومن ثم إعادة الإعمار ،ليست عملية سلسة أو يمكن أن تحدث بكبسة زر ، إنما تتضمن “عملية التحوَّل” تلك مؤثرات سياسية واقتصادية وأمنية وجيوستراتيجية بفعل المصالح الإقليمية والدولية التي قد يرى بعضها الاستقرار والسلام عنصران لا يخدمان مصالحهم بقدر ما يخدم الإرهاب والفوضى تلك المصالح ، فالتحديات والتعقيدات والعناصر الداعمة لحالة الفوضى في المدن السنية المدمرة أكبر من دعائم وركائز إعادة الإعمار ، وذلك لأن مشاريع إعادة الإعمار تتطلب بالدرجة الأساس “تمويل واستقرار” وأن هاذان العنصران لا يملك العراق قرارهما أو القدرة على الوصول إليهما في الوقت الحالي.
عنصر “التمويل” لا يمكن أن يحدث من طرف واحد كما حصل في إعادة إعمار أوربا عندما مولت مشاريعها الولايات المتحدة من خلال “مشروع مارشال” بعد الحرب العالمية الثانية ، كما لا يمكن أن يكون بالحجم الذي موَّل به المشروع “إنعاش أوربا” الذي يقدر (بـ”120 مليار دولار”  في وقتنا الحالي) وهو ما لم يحدث في التاريخ لا قبل المشروع ولا بعده أن قامت جهة ما بتمويل مشروع واحد لما بعد الحرب بهذا الحجم وتركت لأوربا حرية التصرف بما يخدمها إنطلاقا من فكرة أن الأوربيين أعرف بحاجاتهم من الأمريكيين. التمويل المنتظر للمدن السنية المدمرة هو متعدد الأطراف بالضرورة سواء كانوا دولاً أو منظمات ، والتي ستمنح المال والاستثمار مقابل شروط ، فهي ليست جمعيات خيرية تقدم المال مجاناً، إضافة إلى أن عنصر الاستقرار يتطلب أتفاق دولي وإقليمي خاصة بين الفواعل الرئيسية في العراق وهي الولايات المتحدة وإيران ولا توجد أي مؤشرات على قرب اتفاق بينهما في المستقبل القريب خاصة بعد انسحاب ترمب من المشروع النووي والذي له تداعيات وانعكاسات أمنية على أرض العراق واستخدامه كورقة إيرانية للضغط على واشنطن في مواجهة العقوبات وقد بدأت ملامح ذلك اليوم بعودة ورقة داعش من جديد.
إن الحرب التي يخوضها العراق حاليا ليست نظامية – بمعنى جيش مقابل جيش – كما أن الحرب على الإرهاب ليست حرب تقليدية كالحروب التي تكون نهايتها مهزوم ومنتصر ويقوم المنتصر بفرض شروطه على المنهزم. الحرب على الإرهاب تتضمن تعاون دولي وأتفاق إقليمي من أجل هزيمته وقطع خطوط تغذيته وتمويله وهو ما لا يمكن أن يحدث في ظل تقاطع المصالح وتنافس الأجندات التي تعمل بعض الأطراف الداخلية والإقليمية والدولية في العراق على توظيف الإرهاب لخدمة مصالحها أو ضرب مصالح الآخرين عن طريقه؛ فيؤدي إلى عدم الاستقرار الدائم ،وبالتالي هروب رأس المال إن وجد أساسا، وتأخير تقديم المنح المالية لإعادة الإعمار عدا المشاريع الصغيرة ذاتية التمويل.
بيئة الحرب على الإرهاب توفر للمسؤولين الفاسدين غياب المحاسبة والشفافية وانعدام معايير الحوكمة والمشاركة المحلية في اتخاذ القرارات التي تفرضها بعض الدول المانحة كشروط لتقديم التمويل على مشاريع إعادة الإعمار وهو ما يجعل العوائق معدومة أمام الفاسدين لسرقة الأموال الممنوحة أو وضع أيديهم على الاستثمارات والمشاريع لاسيما بعد تحالف الفاسدين السنة مع الميليشيات المنتشرة في الموصل وصلاح الدين والأنبار ، فبيئة الإرهاب تخدم الفاسدين والسراق ولا تخدم العراق إنما تبقيه متصدر قوائم ومؤشرات المؤسسات الدولية في غسيل الأموال والفساد وتمويل الإرهاب وغياب الأمن والشفافية وهو ما يُعيد الفوضى ويُبعد مشاريع الإعمار. أخيراً ، إن إدامة الفوضى وإعادة الإرهاب بدل ترسيخ أسس الاستقرار وإعادة الإعمار سيؤدي بالضرورة إلى ولادة مشاريع فرعية لامركزية في المدن السنية المدمرة بعيداً عن حكومة المركز الضعيفة والتي وضعت ملفات المدن السنية المدمرة في ذيل أولوياتها وأعطت ظهرها للمطالبات بإعادة الإعمار وتوفير الخدمات والمناشدات والتحذيرات من خطر عودة الإرهاب وتوظيالفه من قبل جهات تخدمها الفوضى ولا يخدمها الاستقرار.
كلمات مفتاحية: