بلاء بابل استراتيجيات التحكم ببقاء الواقع العراقي…

د. مهند يوسف
مستشار مركز العراق الجديد
لن ادعي ان عنوان هذه المقالة هو اسم لوثيقة سرية خاصة بحرب العراق، ولن ازعم ان بلاء بابل هو اسم لعملية سرية مشتركة لقوى التحالف في حربه ضد الارهاب، ولكن لن يكون هذا الاسم سوى اختصارا لقرون من الحروب، من الفوضى المستمرة والتي لم ولن تتوقف دهرا الا في نفحات من بعض الازمة، فالسائد لهذه الارض هي الفوضى وما السلام او النظام الا نسمات متقطعة وخفيفة فيه.
والواقع العراقي اليوم ماهو الا جزء من سلسلة من عدم الاستقرار التي شهدتها ارض بابل، فكما هو معروف ان كل فوضى لابد لها الا ان تتوقف يوما ما، الا ان الفوضى الحالية مستمرة بسبب هذا او ذاك، او كان بسبب استراتيجيات معينة ومهمة تريد لهذه الفوضى ان لا تتوقف على الاقل على المدى المنظور.
فتوجيه السلوك للمجتمع العراقي والسيطرة على افعال البشر فيه وتفكيرهم ما هو الا نوع من انواع الاسلحة الغير مرئية والتي تستعمل في  مثل هذه الفوضى لكي تستمر. والتحكم بالناس وتدجين المجتمع والسيطرة على المقدرات تعود الى بعض دوائر النفوذ التي تجمع السياسيين واصحاب البنوك والخبراء ورجال الدين .
فهؤلاء السياسيون والطبقة الحاكمة يقومون باستراتيجيات معينة هدفها الاساس استمرار الفوضى وعدم الاستقرار والتي منها مثلا افتعال الازمات والمشاكل ثم يبدأون بتقديم الحلول، حيث يبدأون بخلق مشكلة وافتعال وضع ما، ولكن الغاية منها هي معرفة رد فعل الجمهور بحيث يندفع الجمهور الى طلب حل يرضيه مثلا كانتشار العنف في المدن او تنظيم هجمات دموية في الريف، حتى تصبح قوانين الامن العام مطلوبة على حساب الحريات العامة، او يلجأ هؤلاء الى خلق ازمة اقتصادية يصبح الخروج منها محددا بشروط كالقبول بالحد من الحقوق الاجتماعية وتفكيك الخدمات العامة، او في تقديم الحلول المبرمجة سابقا والقول انها شر لابد منه، ولعل قرار مجلس الوزراء الاخير حول توزيع نصف كيلو عدس لكل مواطن في رمضان قادم مثال حي حول قيمة الحقوق التي سيطالب بها الانسان العراقي.
وقد يعمد هؤلاء السياسيون ايضا الى التدرج في حل المشاكل كالبطالة والفقر وانعدام الخدمات كالكهرباء مثلا وتطبيق الاصلاح تدريجيا على مدى عشر سنوات لضمان قبول ما لا يمكن قبوله،  وبهذه الطريقة يفرض هؤلاء ظروفا اقتصادية واجتماعية تكفي لان تمثل تحولا جذريا للعديد من التغيييرات التي كانت ستتسبب في ثورة ما اذا ما طبقت بشكل فوري وانما يتم تمريرها بشكل تدريجي.
ايضا يستخدم امراء الحرب هؤلاء استراتيجية التاجيل لاستمرار الفوضى، فاذا كانت هناك  طريقة لتمرير القرارات التي لا تحظى بشعبية، مثل مسالة تطبيق المادة 140 من الدستور، يقوم هؤلاء السياسيون بتقديم هذه القرارات باعتبارها قرارا مؤلما لكنه ضروري، ولكي يحصلون على موافقة الجمهور يؤجلون تطبيق هذا القرار الى المستقبل، اذ انه من السهل قبول التضحية بالمستقبل عوض خسارة الحاضر، لان الشعوب عادة ما تؤمن وبسذاجة ان كل شيء سيكون افضل في المستقبل، وبذلك يتجنبون التضحية المطلوبة، فالوقت سيسمح للجمهور ليعتاد على فكرة التغيير ويقبل الامر الجديد طائعا عندما يحين الوقت.
ومن الاستراتيجيات المهمة التي يستخدمها هؤلاء السياسيون لاطالة الحرب في العراق استخدامهم الترفيه والتسلية كعنصر اساسي لتحقيق الرقابة على المجتمع، عبر تحويل انتباه الراي العام عن القضايا الهامة والتغييرات التي تقررها النخب السياسية والاقتصادية، مع اغراق الناس بكمية كبيرة ومتواصلة من مواد الترفيه السمعية والبصرية، وبمستوى من التسلية لا يتجاوز مرحلة الصف السادس ابتدائي، في مقابل شح المعلومات المفيدة والمعرفة الضرورية وندرتها.
وهذه الاستراتيجية ضرورية في العراق لمنع عامة الجمهور من الوصول الى المعارف الاساسية في العلوم والاقتصاد والسياسة والحقوق، بمعنى الحفاظ على اهتمام الراي العام بعيدا عن المشاكل الحقيقية وجعله مهتما بمسائل لا اهمية لها اي يبقى المجتمع مشغولا، لا وقت لديه للتفكير …
وبالتالي يقوم هؤلاء السياسيون بمخاطبة الجمهور على انهم قاصرين او اطفال، فيكون معظم حديثهم وخطبهم للشعب عبارة عن توسل واسلوب يوحي ان الجمهور ما هو الا طفل صغير، اي اعتماد لغة صبيانية لتوحي اليه انه كذلك، وبالتالي يضمن هؤلاء السياسيون ردة فعل الجمهور ستكون عفوية كطفل صغير .
ولاجل ضمان ردة الفعل العفوية الطفولية هذه، يلجأ اصحاب القرار الى مخاطبة العاطفة بدل العقل اي التوجه الى العواطف وهذا هو الاسلوب الكلاسيكي لرجال الدين، لتجاوز التحليل العقلي، وبالتالي فان قتل الملكة النقدية يفتح باب اللاوعي ويعطل ملكة التفكير ويثير عند الجمهور الرغبات والمخاوف.
وهذا ما سيؤدي الى اغراق الجمهور العراقي في الجهل والغباء، وانه غير قادر على فهم تقنيات واساليب السيطرة عليه، ولضمان تحقيق ذلك اكثر، فانه يجب ان تكون نوعية التعليم في المدارس والجامعات سطحية، بحيث تبقى الفجوة قائمة بين النخبة السياسية والدينية الحاكمة وبين عامة الشعب، ولكي تبقى هذه الفجوة مجهولة في المستويات الدنيا، من خلال تشجيع الجمهور على استحسان القبيح والردئ وتشجيع العامة على ان تنظر بعين الرضا الى كونها اغلبية غبية ومبتذلة وغير متعلمة.
وبذلك ستتحول مشاعر الاصلاح والخدمة الوطنية ومحاسبة الفاسدين الى احساس بالذنب، فكما راينا في عموم المجتمع السني حين نادوا في الاعتصامات السلمية بالمبادئ الوطنية، وبالحقوق العادلة، وماحل بهم بعد ذلك من تهجير وتقتيل وتدمير لمدنهم، كل ذلك تحول الى شعور بالذنب والاثم، ودفع كل فرد في المجتمع السني الى الاعتقاد بانه هو المسؤول الاول عن مصائبه التي حلت به، وذلك بسبب محدودية ذكائه وضعف قدرته او جهوده، وهكذا يكون بدل ان يثور الانسان الصالح على النظام السياسي الفاسد، يحط هذا الفرد من ذاته ويغرق نفسه بالشعور بالذنب، مما يخلق له حالة من الاكتئاب تؤثر على سلوكه ونشاطه.
وفي النهاية ندرك ان ما تسير عليه العملية السياسية في العراق ليس نتيجة تخبط او جهل او فساد، بقدر ما هي تطبيق لاستراتيجية بلاء بابل المستمرة، استراتيجية توقد للفوضى وتسعرها وتسيطر عليها في حدود مصالح امراء هذه العملية السياسية الذين يغيرون اسمائهم واشكالهم مع كل انتخابات تمر على العراق، ومادام هنالك مصانع واعادة انتاج لهؤلاء في البلاد كالجامعة الامريكية في السليمانية وما يشبهها من المراكز المحلية والدولية والتي وظيفتها الاساسية اعادة انتاج واستنساخ اجيال من امراء بابل.
كلمات مفتاحية: