دلالات زيارة روحاني وترامب للعراق

د. عبدالناصر المهداوي
مستشار مركز العراق الجديد
   التدافع الإقليمي الدولي على الساحة العراقية هذه الأيام في أوجه، ويأتي ذلك على خلفية تشكيل الحكومة الجديدة وتشديد العقوبات الأمريكية على إيران بعد الانسحاب من الاتفاقية النووية، والملفت للنظر في هذا السياق على الرغم من البون الواسع ما بين إمكانية وقدرات الطرفين (الولايات المتحدة الأمريكية وإيران) إلا أن المستفيد الأول في العراق هو إيران، قد يقول قائل لولا الاحتلال الأمريكي لما تمكنت لا إيران ولا أحزابها وكياناتها العراقية من الهيمنة على الساحة الأمنية والسياسية العراقية، وهذا الكلام صحيح 100%، خاصة في عهد أوباما الذي سلم العراق على طبق من ذهب لإيران، غير أن البوصلة في عهد ترامب والجمهوريين قد تكون تغيرت شيئا ما. في هذه المقاربة نسعى لتسليط الضوء على إرهاصات زيارة الرئيسين روحاني وترامب للعراق من زاوية نظر محدودة وجزئية لكون الإحاطة بها متعذر في هذه العجالة بل يحتاج إلى أسفار لا يقوى عليها فريق بحثي متخصص.
      زاوية التناول في هذه الكلمات القلية يركز على مصدر قوة كل رئيس في العراق، ولعلنا لا نجافي الحقيقة لو قلنا أن قوة الرئيس الأمريكي تكمن في القاعدة العسكرية في عين الأسد، ومن ثمة كانت هذه القاعدة منطلق ترامب حتى في مراقبة إيران خصمه الظاهر في الشرق الأوسط، لذلك اقتصرت زيارته عليها من غير أي اعتبار للأعراف الدبلوماسية ومن غير حتى أن يلتقي بأي مسؤول عراقي في الوقت الذي يتدافع المسؤولون العراقيون على رؤيته في زيارتهم لواشنطن. أما روحاني فمنطلق قوته هو المذهب ففي زيارته التي أهمل بها كذلك كافة الأعراف الدبلوماسية استهلها  بزيارة مرقد موسى الكاظم واختتمها بزيارة مرقد الإمام علي عليه السلام، لكنها خلال تلك المدة التقى بجل قادة ورادة السياسة في العراق، كما تجاوز المسؤولين ليلتقي برؤساء قبائل وشخصيات عشائرية بعد أن التقى القيادات الدينية والمرجعيات التابعة لمذهبه في النجف وبقية المحافظات العراقية.
     من هنا يتضح لدينا أن مصدر قوة ترامب هو الجيش الأمريكي والقوة العسكرية، في حين تتشكل قوة روحاني من قبل المذهب الإمامي الذي يحكم العراق اليوم على وجه الحقيقة بين تحالف الإصلاح وتحالف البناء، تركيز ترامب في زيارته على قواته لم يأتي من فراغ لكون الولايات المتحدة الأمريكية تستمد قوتها من قدراتها الحربية والاقتصادية، حين لمح لها في تصريحه بمراقبة إيران من القواعد العسكرية الأمريكية، لذلك لا نختلف كثيرا حول أجندة الولايات المتحدة الأمريكية في عهد المقاول الكبير رجل الأعمال ترامب. غير أننا سنكون في متاهة حين نرصد زيارة روحاني، لكون الأخير يستمد قوته من مذهبه الذي يفرض سلطته وهيمنته على الساحة السياسية والأمنية وإلى حد ما الاقتصادية في العراق، وبمعنى أدق اهتمام روحاني الإصلاحي بالمراقد الدينية على حساب الأعراف الدبلوماسية هل هو مراد لذاته أم هو مراد لغيره؟ هذا هو السؤال الذي تمثل الإجابة عليه معرفة الحقائق كما هي من غير تزويق ولا تلوين، ونستطيع إعادة السؤال الأخير ونقول؛ هل روحاني ومن خلفه المشروع الإيراني يتعامل مع المذهب والتشيع على مستوى الأهداف أم على مستوى الوسائل؟ والفرق بين الاتجاهين شاسع.
    إن كان روحاني ومن خلفه النظام الإيراني بمحافظيه وإصلاحييه على حد سواء يستلهمون القوة من التشيع لتحقيق مكاسب للمشروع الإيراني القومي الفارسي، فالأمر يختلف كليا عن كون المحافظين والإصلاحيين يسعون لتحقيق سيادة المذهب ونشره كدعاة مذهب يسعون لتصديره للعالم. ومن هنا يجيء دور مؤشرات كلا الاتجاهين كي نصل إلى قرينة صارفة لقبول إحداها على حساب الأخرى. ونستطيع التشبيه بين الحروب الصليبية في القرون الوسطى التي مهدت للدول الاستعمارية احتلال بلدان العالم، والسيطرة الكلية على خيراتها من غير اهتمام حقيقي إلى دور الدين الذي وظف من أجل الاستعمار، وبين توظيف التشيع للهيمنة على الدول من قبل المشروع الإيراني القومي التوسعي الذي يمثل الحضارة الفارسية قبل الإسلام، القطع بكون التشيع أداة أم غاية أمر بغاية الأهمية والخطورة على المستويين الإيراني ودول المنطقة التي ينتشر بها المذهب الإمامي الإثنى عشري، وتبعا لذلك لا توجد أدلة قطعية تشير إلى هذا الأمر بشكل واضح، بل تبقى المؤشرات والقرائن هي التي ترجح هذه الكفة عن تلك مع اعتبار أن الحكم بالنهاية ستكون من قبل ما يتوفر من قناعات لدى المتلقي المنصف الذي لا يتعجل تبني الأحكام الجاهزة التي تناسب توجهه الخاص.
        لنقتصر في هذه العجالة على زيارة روحاني التي افتتحها واختتمها بمراسيم تعبدية تخص المذهب إلا أن الغرض المعلن لها ومن خلال تصريحاته كان كما قال؛ إن الزيارة تضمنت اجراء محادثات والتفاهم في عدد من المواضيع والشؤون التجارية مثل خفض أو الغاء الرسوم على بعض السلع وتأسيس مدن صناعية مشتركة بين البلدين وفي مجال الطاقة وتسهيل منح التأشيرات التجارية. ووصف دور الناشطين والتجار بأنه يكتسب الاهمية لكلا الجانبين، عادّا العراق بأنه المحطة الرئيسية للصادرات الايرانية في العالم ويرتبط البلدان بأواصر متينة. ولفت الى ان البلدين أجريا محادثات حول الشؤون المصرفية واعتماد العملتين الوطنيتين في الكثير من عمليات التبادل وتسهيل العلاقات المصرفية كما توصل البلدان الى تفاهمات طيبة حيال القضايا الامنية والاقليمية وكذلك فإن وجهات نظرهما متقاربة حيال العديد من القضايا المهمة.
     كما أنه لم يغفل بعد السعي لتحقيق الهدف من الزيارة توظيف المشتركات بين الشعبين العراقي والإيراني “هنا الأداة” ونوه الى أنه لمس حيوية من الشعب العراقي خلال هذه الزيارة بفضل الاواصر المتينة بين الشعبين ولا تستطيع أية قوة في العالم صنع هوة وتأجيج النزاع بين الشعبين الايراني والعراقي. وقال إنه أكد في هذه الزيارة ضرورة تطوير العلاقات الثنائية في المستقبل الى ثلاثية ورباعية الأطراف ومناقشتها مع الدول الأخرى والتي يمكن أن تلعب دوراً في هذه العلاقات. وخلص روحاني الى إنّ هذه الزيارة يمكنها أن تشكل منعطفاً في العلاقات وتتوطد أكثر في المستقبل لصالح الشعبين والبلدين. نستطيع أن نتلمس من خلال هذه التصريحات أن توظيف العلاقة مع الشعب العراقي كان باتجاهين، الأول التمهيد لأن يكون العراق الرئة التي تتنفس منها إيران بعد العقوبات الأمريكية على إيران، والثاني أن تكون هذه العلاقة فاتحة لعلاقات متينة أخرى إقليميا ودوليا لتحقيق ذات الهدف الساعي لتخفيف وطأة الحظر الأمريكي على إيران بعد تمديد العقوبات عاما آخر.
  وهذا الرصد كان من خلال رؤية وتصريحات الرئيس الإيراني حسن روحاني التي تمثل وجهة النظر الإيرانية، فإذا تجاوزناها إلى غيرها فإننا نرصد توجهات واضحة حول الموضوع ومن ذلك؛ ما قالته صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية؛ إن زيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني للعراق تشير إلى أن طهران مستمرة في توسيع نفوذها بالعراق. و إن إيران تدعم هيمنتها على العراق باعتبار ذلك جزءاً من طموحات إقليمية أوسع، فهي تهدف إلى تأمين الطريق إلى البحر المتوسط عبر الدول الصديقة، وذلك سيمكنها جزئياً من شحن الأسلحة ودعم “حزب الله” في لبنان، ومواصلة مساعدة جيش بشار الأسد في سوريا، وتهديد “إسرائيل.” والمهم في الموضوع ما ذكره السفير الإيراني في بغداد إيرج مسجدي الذي قال؛ إن بلاده تعد العراق الوجهة الأولى للبضائع الإيرانية، وهي تسعى إلى التفوق على تركيا والصين، أكبر شريكَين تجاريَّين للعراق، وفق ما ذكرته “نيويورك تايمز”.
        ونقلت الصحيفة عن محمود المشهداني، رئيس مجلس النواب العراقي الأسبق، قوله إن إيران جسم صغير له عقل كبير، والولايات المتحدة جسم كبير له عقل صغير، وذلك في سياق تعليقه على التنافس الإيراني-الأمريكي بالعراق، معتبراً أن لطهران في بغداد اليوم “اليد العليا على أمريكا”، بحسب رأيه. من جهته قال عدنان الزرفي، العضو الشيعي في مجلس النواب العراقي، والذي عاش بالولايات المتحدة، إنه لا وجود أمريكياً في العراق، فقط الوجود العسكري، وعلى النقيض من ذلك، فإن إيران اندمجت في الحياة السياسية والعسكرية العراقية، وتسعى الآن إلى التوسع اقتصادياً وثقافياً . والآن وسَّعت إيران من نفوذ الجماعات الشيعية المسلحة لتصبح قوة سياسية بالعراق، تماماً كما فعلت مع “حزب الله” في لبنان، فإن الأولوية لطهران الآن هي زيادة العلاقات الاقتصادية لمواجهة العقوبات الأمريكية، بحسب الصحيفة.
     يقول جوست هيلترمان، رئيس قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية ومقرها بروكسل، إن إيران اكتسبت نفوذاً على بعض مفاصل النظام السياسي في العراق، وهو ما يجعل من الصعب على السياسيين العراقيين الابتعاد عن مطالب طهران، فالعراقيون يعرفون أن إيران جارتهم، وسيظل الإيرانيون دائماً جيراناً. وتابع حديثه للصحيفة الأمريكية، قائلاً: إنهم بحاجة للحفاظ على علاقات جيدة مع إيران، ولا يمكنهم تحمُّل غضبها، لأن لديها قدرات هائلة، في إشارة إلى قدرة طهران على استخدام قوتها العسكرية والسياسية لتقويض الحكومة العراقية الهشة التي تشكلت على عجل وعلى عين المشروع الإيراني في العراق.
     وسيظل الجواب يكمن في إمكانية أن تحافظ إيران على دور العراق كرئة تتنفس من خلالها إيران في ظل العقوبات الأمريكية المفروضة عليها، وبالتالي ستوظف قدراتها وإمكاناتها في العراق كافة لتحقيق هذا الهدف ولا يعنيها كثيرا ما يتعرض له العراق من عقوبات من جراء ذلك، كما لا يعنيها على وجه اليقين بقاء العراق متخلفا كي تحافظ إيران على مصالحها، ومن ذلك تخلف العراق في مجال الطاقة والكهرباء ليبقى سوق للطاقة الإيرانية مع اعتبار تمكنه من تجاوز هذه الأزمة الطاحنة لو توفرت لدى قادته الإرادة الحرة بتحقيق مصالح البلد على حساب مصالح إيران، الأمر الذي بات معلوما بالضرورة في الحياة السياسية بالعراق خاصة بعد تعطيل متعمد لمصادر انتاج الكهرباء والغاز في مواطن متعددة من العراق، كالمنصورية في محافظة ديالى وبقية المحافظات المنتجة للغاز والنفط، المهم لدى إيران مصالحها ولا يعنيها كثيرا مصالح العراق، ولعل هذه النتيجة تدلنا بشكل واضح على كون إيران تتعامل مع المذهب كأداة ووسيلة، ولا تتعامل معه على مستوى الأهداف والغايات.
كلمات مفتاحية: