عودة داعش إلى العراق .. هل أستفدنا من الدروس؟

مجاهد الطائي
تتفق التقارير العراقية المحلية مع الأجنبية حول تزايد خطورة تنظيم داعش على العراق ودخوله عبر الحدود السورية عن طريق مهربين محترفين مع وجود أنفاق في مناطق وعرة تساهم بتخَّفيهم وعبورهم بسرية تامة وتشكيل خلايا نائمة من جديد، وقد وصل عدد الذين دخلوا حسب التقارير الدولية إلى 1000 عنصر خلال الأشهر القليلة الماضية من بينهم عناصر قيادية وأموال تقدر بـ 200 مليون دولار بالإضافة إلى الذهب والآثار وحاجات ثمينة أخرى. عودة داعش وتنامي قوتها تطرح تساؤلات حقيقية حول الدروس المستفادة من التجارب الفاشلة التي خلفت ويلات على المدن السنية وعلى الاقتصاد والتاريخ والعمران وفقدان عشرات الآلاف من السكان المحليين وتقديم التضحيات بالدماء والثروات.

ملئ الفراغ السياسي

تقول الأستاذة الكندية “ناعومي كلاين”: السياسة تكره الفراغ ،فإن لم تملأها بالأمل ؛ سيملئها أحدهم بالخوف والرعب”. هذا ما يجري في العراق وتحديدا في المدن السنية المدمرة ، فغياب المشروع السياسي سيؤدي بالضرورة إلى إحداث فراغاً أمنياً وحدوث أختراقات من قوى الإرهاب وتسهيل لأعمالهم الإجرامية من قبل المستفيدين من الوضع الراهن المتأزم ، ولا يمكن إستبدال داعش بالميليشيات فهذا كفيل بإعاقة أي مشروع سياسي إن وجد أصلا ، كما أن وجود القوات الأمنية والعسكرية وعدم إنسحابها من المدن مع الأجهزة الأمنية والميليشيات خلف قلقاً وهاجساً من تكرار التجارب المريرة والانتهاكات المستمرة وغياب القانون والمحاسبة.

تخادم داعش والميليشيات

لقد أزداد الحديث مؤخراً عن سلاح الميليشيات وأنتشارها داخل المدن ودخولها العمل السياسي وأفتتاحها مكاتب اقتصادية وتجارية وتهريب النفط والآثار ،كما أن هناك ضغوط باتجاه حلها وتجميد عملها ، وأفضل حل يُسكت جميع الأصوات هو فتح المجال لداعش والتغاضي عن أعمالها ؛ لتبرز الحاجة لبقاءهم منتشرين وبقاء سلاحهم المنفلت ، فهذه الميليشيات أصبح داعش بالنسبة لها مشروع استثماري ضخم يوفر أموال ونفوذ وسلاح ويجعل دعوات “حصر السلاح بيد الدولة” معلقة على نهاية الإرهاب اللامتناهي والذي يُغذَّى ميليشياويا في السر ويحارب بالعلن.

إخراج القوات الأمريكية

بعيداً عن السياقات الرسمية وتقديم المبررات لوجود القوات الأمريكية على الأراضي العراقية ، فإن القوات الأمريكية جاءت إلى العراق لتبقى لوجود مصالح استراتيجية لها ، وأن الطروحات الميليشياوية ودعاة الوطنية وحفظ السيادة الذين يمارسون الضغوط لإخراجها من العراق فيها مجازفة سياسية وأمنية كبيرة ،لأن الأجهزة الأمنية العراقية لا تزال تفتقد إلى الجهوزية لمواجهة المخاطر الأمنية وحفظ الحدود ولا سبيل إلا بالاستمرار في طلب المساعدة الأمريكية وبقاءها كصمام أمان سياسي وأمني لعدم إنفراد إيران بالعراق. من جهة أخرى ، إذا تراجعت الولايات المتحدة تحت الضغوط إلى اتباع نهج أوباما السابق باستراتيجية “الإحتواء الهجومي” أو القيام بدور المراقب فقط وتقديم التقارير الأمنية والاستخبارية الدقيقة للجانب العراقي مع عدم قدرة العراق على مواجهة داعش ، فهذا يعني أن داعش ستعود بقوة وتعود معها الأطراف والقوى غير المسؤولة إلى طلب المساعدة الأمريكية من جديد، فلماذا هذه المناورات السياسية التي لا تخدم سوى إيران لدفع واشنطن لترك الساحة لإيران من جديد والتي خلفت ويلات على العراق جراء النهج الطائفي وإن خف مؤخراً.

غياب النهج الوطني

كانت النبرة الطائفية المقيتة هي السائدة منذ 2004 وحتى قبيل إعلان الانتصار الإعلامي على داعش فوق أنقاض المدن السنية ، لكن بعد 2018 خفت النبرة الطائفية كثيراً بعد أن سحقت المدن السنية وسحقت معها أي إرادة سياسية ترفض إيران وميليشياتها أو أن تشكل أي خطورة على أجنداتها ، فبعد تهجين القيادات السنية لم يتبقى أي نهج سياسي يمارس من قبل الحكومة لا وطني ولا طائفي، وأصبحت أضعف أمام الكثير من القوى الموالية لإيران وتُدار الدولة والملفات بالمصالح والمحاباة وبعيداً عن نهج الدول التي تخرج من أزماتها المتداخلة منهكة اجتماعيا وسياسيا وعسكريا واقتصاديا.

الإرهاب توأم الفساد

كلما تنامى الإرهاب كان ذلك بفعل الفساد السياسي والإداري وهذه مقاربة عسكرية إدارية مهمة وخطيرة ، فمحاربة الفساد السياسي والعسكري بنفس الحماس والجهوزية التي حاربت بها القوات العسكرية داعش ؛ سيؤدي إلى تحجيم الإرهاب “السني والشيعي والكردي” وحصره وتحجيمه وتحديده في مناطق معينة ثم القضاء عليه ، لكن بقاء الميليشيات الأحزاب السياسية ومافيات السلطة تمارس العمل السياسي بمدأ تخادمي “غطي على فسادي أغطي على فسادك” لن يصل العراق إلى مكان ولن ينطلق إلى أي وجهة، وستبقى إيران تتحكم بالمشهد العراقي وتوظف أزماته لصالحها وتقوي الأطراف الموالية لها لتصبح قوى لادولتية تتحكم بالدولة ومصيرها ومستقبلها.