“الفساد” في العراق “كالأرضة” ينخر مؤسسات الدولة

مجاهد الطائي
تشكَلت بعد 2003 العملية السياسية العراقية وبنيت حينها على ركائز سياسية وأمنية ومبادئ وأعراف كمبدأ المحاصصة والتشكيل الهويّاتي للأحزاب وتشكيل ميليشيات وغيرها من قواعد العمل السياسي في العراق الجديد، وقد كان الفساد عُرف سياسي تحول مع الفعل المستمر إلى ركيزة أساسية في النظام الجديد، ثم أصبح جزء من بنية الدولة ومؤسساتها، ولقد عملت جميع الأطراف السياسية في هذا المبدأ مختارة أو مرغمة أو تعايشت معه على الأقل إن أردنا تبرأة بعض ممن لم تتلوث أيديهم بالفساد والمال السياسي الحرام.
الفساد السياسي هو الحاضنة التي تأوي كل أنواع الفساد المالي والإداري، فالأحزاب السياسية ترى المنصب الرسمي “مصدر رزق” ودرع للحصانة من المساءلة ومغنم شخصي للعائلة أو الحزب أو العشيرة أو الطائفة بعيداً عن النزاهة والكفاءة ويدخل في ذلك مناصب مهمة كالرئاسات الثلاث والوزراء ووكلائهم وأعضاء البرلمان والمستشارون والمدراء العامون والتعيينات والوظائف، وقد دخل منصب رئيس البرلمان العام الماضي مزاد البيع والشراء ووصل سعره إلى 25 مليون دولار، في مؤشر خطير على تنامي هذه الظاهرة وتقبلها سياسياً بعيداً عن كل القيم والمبادئ الديمقراطية والأخلاقية.
الفساد مبدأ، كمبدأ المحاصصة، الكل يشتمه والكل يتنافس من خلاله على الوصول إلى السلطة ومنافعها، فالجميع يتنافس من خلال الفساد على التكسب من المال العام واستغلال السلطة وبناء النفوذ الحزبي من خلال وسائل وأدوات متعددة كالتوظيف والتعيينات داخل مؤسسات الدولة التي وصلت إلى مرحلة من الترهل الوظيفي والبطالة المقنعة ومايسمى (بالفضائيون)، وقد استحوذت النفقات التشغيلية لهذا السبب على 61% من الموازنة العامة للدولة لعام 2019 وقد بلغ عدد الموظفين 4 ملايين ونصف المليون موظف.
يدخل الفساد في جميع تفاصيل الحياة السياسية والعامة في العراق وهو لا يمارس في الطبقة الدنيا في المجتمع أو المؤسسات، فهو يمتد من النخبة الحاكمة إلى أصغر موظف في دائرة خدمية، مروراً بلوبيات الفساد وشبكاته التي أسستها الأحزاب ومافيات السلطة إلى أن أصبح جزءا من الدولة ويتشكل بصيغ مختلفة وله أدواته ووسائله، فالفساد أصبح اليوم أخطر وأشد فتكاً من الإرهاب، فهو الداء الذي يمنع أي دواء ويضع العراقيل أمام أي خطوة للإصلاح أو تصحيح المسار، فهو منظومة متكاملة تدخل في جميع المؤسسات وتحميه معظم الأحزاب المنتفعة بشكل أو بآخر وتتاجر به ومن خلاله، هذه المنظومة لا تسمح أن يسقط أي جزء منها لأن سقوط أي جزء سيعني سقوط الأجزاء الأخرى؛ لذا تقوم بحمايته والتستر على الفاسدين. الفساد كـ “الأرضة” ينخر مؤسسات الدولة من الداخل وقد لا يظهر للعيان، ولكن تأثيره على الدولة ككل كبير جدا، فقد أصبح الفساد وباء وظاهرة وثقافة ينتشر بدون أن يستطيع أن يوقفه أحد وسيكون تأثيره أخطر من داعش، حيث أدى الفساد السياسي والأمني إلى سقوط ثلث العراق بيد المجموعات الإرهابية “داعش والميليشيات”.
الفساد مغذي للإرهاب وهما مغذيان لبقاء الميليشيات والأحزاب الفاسدة؛ فالأحزاب تنمو ثروتها وتمول نفسها وتبقى في السلطة من خلال الفساد، بتزوير الانتخابات وبعمل المكاتب الاقتصادية واللجان الاقتصادية التابعة للوزارات والحصول على عمولات من الصفقات وبيع المناصب والمقاولات التابعة للوزارات، أما الميليشيات المتنفذة فتعتاش على الإرهاب الذي ينمو بالفساد؛ لذا لا يعملون على القضاء عليهما أو يعملون على محاربتهما بشكل جدي وحازم لأنهما مبرر لوجودهم وتنامي قوتهم وتمددهم ومن خلالهما يحافظون على سلاحهم ومصدر تمويلهم، ولذا نجد الكثير من المسؤولين الفاسدين في المدن السنية المنكوبة، خاصة المحافظين كمحافظ نينوى – التي أزداد الفساد فيها بشكل كبير بعد هزيمة داعش ميدانيا – يتحالفون مع الميليشيات لمنفعة متبادلة، فالميليشيات تحميهم من المحاسبة والمساءلة، وهؤلاء المسؤولين يُسهلون للميليشيات عملهم بإعطائهم التصاريح والموافقات ليمارسوا أعمالهم التي لا تخدم هذه المدن ولا أمنها ولا استقرارها ولا مشاريع إعادة إعمارها سوى تمدد نفوذ إيران الذي يعتاش على الفوضى وإدامة عدم الاستقرار، فهم يسعون للمحافظة على السلطة المركزية الضيفة والدولة العراقية القريبة من مرحلة الفشل ويقومون بتغذيتها بالمزيد من أسباب الفشل عن طريق الفساد.
بسبب الفساد الذي يمارس في العراق، يُطلق سراح عناصر داعش من السجون مقابل رشى مالية، وبسبب الفساد بدأت الدول والمنظمات التي وعدت بتمويل مشاريع إعادة الإعمار تعيد النظر بوعودها وتضع الشروط لتوفر بيئة معينة لتوفير الدعم والتمويل، وبالفساد وتزوير الانتخابات يصل السلطة مجددا أرباب الفساد ومافيات السلطة ويمنعون الإصلاح ووجود النخب الرافضة للفساد، وبالفساد يبقى العراق متصدر قوائم المنظمات الدولة والمؤشرات العالمية في الفساد وتمويل الإرهاب وغسيل الأموال والبطالة والفقر والنزوح وعدم الاستقرار والتلوث والأمراض وغياب العدالة…إلخ
إن ما يُفقد الأمل بالإصلاح والمساءلة والشفافية في العراق، أن بعض أعضاء الهيئات واللجان المعنية بمكافحة الفساد كهيئة النزاهة ومكتب المفتش العام وديوان الرقابة المالية دخلوا في منظومات الفساد وشبكاته ويتسترون عليهم أو يتعاونون معهم، وقد أصبح للفساد منظرون يُشرعنون سلوكياته سياسيا واجتماعيا ودينيا بدون خجل ولا حياء وذلك بعد أن أصبح ظاهرة عامة يتعايش معها الجميع ويغطي بعضهم على بعض بمدأ “غطي على فسادي .. أغطي على فسادك” ، وعندما يُفضح سياسي في العملية السياسية يُعاقب بالإقالة كعقوبة له أو يهرب إلى خارج العراق وغالبا ما يُستقبل في إيران. أخيراً، إن الفساد في العراق دخل في جميع الملفات وقد أصبح وباء متنامي لا يمكن إيقافه، لكنه غير ظاهر كما يظهر تنامي الإرهاب بالتفجيرات والاغتيالات ،لكنه في النهاية سيؤدي إلى إنهيار الدولة – كنتيجة تنامي الإرهاب – لعدم تصحيح المسار وبسبب تآكل أركان الدولة وأسسها ومؤسساتها والتدخلات الإقليمية والدولية.
كلمات مفتاحية: