ما بعد الباغوز ومستقبل الإرهاب في المنطقة

شاهو القره داغي
مستشار مركز العراق الجديد
بعد إعلان “قوات سوريا الديمقراطية” السبت الماضي 23 مارس 2019 ، السيطرة على آخر جيب لتنظيم “داعش ” في منطقة “الباغوز” في محافظة دير الزور السورية ، بالتعاون مع التحالف الدولي لمحاربة داعش بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ، و مع استسلام العشرات من عناصر التنظيم وهم واقفون في الطوابير وفقدان كافة المناطق التي سيطروا عليها خلال السنوات الخمس الماضية ، والذي تسبب في تدمير الكثير من المدن و المناطق في سوريا و العراق و مقتل الآلاف و تشريد ونزوح مئات الآلاف من مناطقهم ، يبدأ الحديث عن مستقبل الإرهاب و الفوضى في المنطقة بعدما تلاشت حلم الخلافة الإسلامية التي أعلنت عنه تنظيم داعش وهو يخسر آخر معاقله في سوريا .
هل انتهاء مشروع الخلافة لتنظيم داعش و خسارة كافة الأراضي التي كانت ما يقارب 34.000 ميل مربع في سوريا والعراق و استسلام أغلب مقاتلي التنظيم بعدما كانت تحكم حوالي 10 ملايين شخص و تحولت لأغنى جماعة إرهابية بسبب السيطرة على الأصول في العراق و سوريا و النفط، يُبشر بانتهاء عصر الإرهاب و الفوضى و الجماعات المتطرفة في المنطقة ، و بداية فترة جديدة في المنطقة تسود فيها الأمن و الاستقرار و انتهاء الصراعات المسلحة وعود المواطنين لمناطقهم و البدء بمشاريع إعادة الاعمار و فتح صفحة جديدة في تاريخ المنطقة؟
يبدو واضحاً أن الأسباب التي كانت تقف وراء ظهور التنظيمات و الجماعات الإرهابية مازالت موجودة في العراق و سوريا ، حيث مازالت الحكومات تنتهج الاقصاء في سياساتها و التوجه نحو القمع و التعامل الأمني مع الأطراف المعارضة لسياسات الدولة ، بالإضافة إلى عدم وجود نية حقيقية لمعالجة المشاكل و الأسباب التي أدت لظهور الإرهاب في العراق و سوريا ، وهذا الأمر يُهدد بعودة الإرهاب في صور مختلفة او تغذية الجماعات المتطرفة من جديد .
وكما يقول الكاتب “بوبي غوش” في مقال له في” Bloomberg”بأن ضعف الحكومة العراقية بقيادة عبد المهدي  يُسبب بإحياء تنظيم داعش من جديد ، حيث يقول: بأن بقاء المناطق التي دُمرت تحت الأنقاض، و مرور سكانها بالمرارة ، يزيد من تعرضهم لأيدولوجية الاستياء و الانتقام التي تربى بها الجماعات الإرهابية، و التي من شأنه ان يتسبب بإحياء داعش و القاعدة ويعرض الجميع للخطر وليس العراق فقط، ولقد شاهدنا هذا الفلم من قبل، حيث يعود تنظيم “داعش” بالفعل إلى أجزاء من العراق، في تصعيد لحملة من التفجيرات الانتحارية و الترهيب، لأنه لازالت تمتلك مجموعة كبيرة لتجنيد المقاتلين و الخلايا النائمة ، وكلما طالت بغداد أقدامها على إعادة الإعمار، كلما زاد حجم هذا التجمع الداعشي”.
استمرار السياسات الاقصائية و الطائفية في هذه المنطقة يُلهم الجماعات الإرهابية للتمرد على الدولة و تكسب تعاطف من يعانون من السياسات الخاطئة مما يؤدي لاستمرار دائرة العنف و الإرهاب، وخاصة في ظل غياب تبني سياسات تقويمية من قبل الحكومات و الاستمرار في السياسات السابقة التي أدت إلى تدهور الأوضاع الأمنية و زيادة السخط الشعبي ضد الممارسات الاقصائية ، بالإضافة لقدرة هذه التنظيمات الإرهابية على العودة للعمليات الفردية و حرب العصابات في الكثير من المناطق و في الفترة الأخيرة وعلى الرغم من اعلان انتهاء الحرب على داعش في العراق إلا ان التنظيم قامت بالعديد من العمليات الفردية ضد القوات الأمنية و لازالت تستفيد من الفراغ الأمني و تقوم بعمليات بين الحين و الآخر .
وحسب الخبراء في الجانب الأمني فإن تنظيم داعش حتى لو هُزم عسكرياً و فقد مناطقه الجغرافية ، إلا أن فكرة التنظيم باقية ، مع استمرار تلقي التنظيم للتبرعات الخارجية حسب المعلومات الأمريكية ، وبقاء الأسباب و الأخطاء التي خلقت الإرهاب، وبالتالي نحن أمام عدة سيناريوهات حول عودة الإرهاب إلى المنطقة سواءً عن طريق توجه تنظيم داعش نحو العمليات الانتحارية و حروب العصابات ضد القوات الأمنية ، أو عن طريق نشوء تنظيم جديد مختلف عن تنظيم داعش تحاول كسب تأييد المواطنين في هذه المناطق وهذا الأمر وارد بسبب خسارة تنظيم داعش للحاضنة الشعبية و التأييد الجماهيري بسبب التصرفات القمعية و السياسات التي كان التنظيم يقوم بتنفيذها في مناطق سيطرتها ونفوذها والذي تسببت بنفور المواطنين عن التنظيم.
وفي الجانب الآخر صرح القائد العام للحرس الثوري الإيراني “محمد علي جعفري” أنهم جندوا حوال 200 ألف عنصر مقاتل في العراق و سوريا خلال السنوات الأخيرة  كجزء من ضمن سياسات إيران في الدول المنطقة “.
دعمت إيران في سوريا العديد من الميليشيات الشيعية ، وحسب تقرير لفيليب سميث في معهد واشنطن بعنوان “إيران تتفوق على الأسد في السيطرة على الميليشيات الشيعية في سوريا” فإن مجموع الميليشيات الشيعية من حزب الله اللبناني و الميليشيات الأفغانية و العراقية و الباكستانية عددا بين (20  إلى 30) ألف وفقاً لاحتياجات التجنيد و الانتشار “.
وحسب الكاتب  (1) فإن “الميليشيات الشيعية المدعومة من قبل إيران تقوم بتلقين المجندين أيدولوجية “ولاية الفقيه” الذي ينتهجها النظام الإيراني، والتي تمنح السلطة المطلقة للمرشد علي خامنئي، وتظهر هذه الميليشيات اهتمامات واسعة بالأيدولوجية الشيعية العابرة للحدود الوطنية، والأنشطة الاقتصادية والدبلوماسية و السياسية”.
بينما في العراق “بالتزامن مع دعم إيران لحلفائها في الانتخابات، تقوم بتمويل المجموعات الجهادية وتجهيزها وحتى إنشاها لتشكل مصدر ضغط على اللاعبين السياسيين من أجل وضع سياسات تخدم إيران ، فكلما ازدادت قوة المجموعات غير الحكومية، كلما ضعفت الحكومة المركزية العراقية ” حسب تعبير الكاتب “عليرظا نادر” في مركز راند “الدور الذي تضطلع به إيران في العراق”.(2)
ومن الواضح من هذه الخطوات أن إيران تنوي البقاء في هذه الدول عن طريق الاستناد على الميليشيات المسلحة وتغذية الأفكار الايدولوجية و المذهبية ، وهذا الأمر يُشكل خطر مستقبلي ، حيث سيؤدي التصرفات الإرهابية التي تصدر من  الكثير من الميليشيات المدعومة من قبل إيران إلى قيام المجتمعات برفض هذه التصرفات ومحاولة التصدي و المقاومة ، وهذا يعني أن السياسات الايدولوجية لإيران هي تمهيد لحروب مستقبلية و زرع بذور الصراعات و المشاكل بين شعوب المنطقة وتُخرب التعايش الذي كان سائداً.
 عندما ترى أكثر من 60 ميليشيا مسلحة في العراق، و أضعاف هذا العدد في سوريا ، و مثله في اليمن ، مع محاولات لخلق الميليشيات الطائفية و تدريبها و تجهيزها للقيام بعمليات إرهابية في دول المنطقة تحت غطاء مذهبي، حينها تُدرك أن تدمير خلافة تنظيم “داعش” و إنهائه في الباغوز السورية ، لا يعني انتهاء الارهاب في المنطقة، بل سيلعب الميليشيات الطائفية المدعومة من إيران دوراً سلبياً وخطيراً في هذه الدول وتكون من أبرز عوامل فقدان الامن و الاستقرار خلال المرحلة القادمة.
من الضروري معالجة الأسباب والعوامل الحقيقية التي أدت لظهور الجماعات الإرهابية و المتطرفة ، مع إنهاء الميليشيات الطائفية المدعومة من قبل إيران ، كخطوتين ضروريتين لإنهاء الإرهاب في المنطقة و بداية مرحلة جديدة من البناء و الإعمار.
(1)
https://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/iran-is-outpacing-assad-for-control-of-syrias-shia-militias
 (2) https://www.rand.org/content/dam/rand/pubs/perspectives/PE100/PE151/RAND_PE151z1.arabic.pdf