الاغلبية في العراق من ولاء السلطان الى حماية الغرب

د. مهند يوسف
مستشار مركز العراق الجديد
منذ نهاية الحرب العالمية الأولى وأفكار الاغلبية في العراق تتمايز حول علاقاتهم مع انفسهم او مع الأمم والشعوب في العالم، متأثرين بعمق الأحداث الاجتماعية والخطط الإستراتيجية والسياسية، ففي حين كان العالم القديم في منطقتنا هو الأكثر تأثيرا وتأثرا على طوال مسار تاريخه بسبب مجاورته للشؤون العالمية، لكن ونتيجة للحرب وبسبب عدم نجاحه باختيار الزمن المناسب للنهضة، ليكون ضمن الدول ذات التاثير في العالم، فقد اصبح خارج منظومة التاريخ والزمن والأفعال المؤثرة ولعدة عقود.
بعد خروج مجتمعاتنا من رعاية السلطان نجد أن صفوة مجتمعاتنا المحلية كانت ولم تزل أمام تحديات كبيرة ومهمة، تتلخص منها بعدم تمتعها بالقدرة على استكمال مشاريعها الخاصة والعامة، فهي دؤوبة بشكل كبير على السعي والتخطيط على البناء وبمختلف التصورات والرؤى، كذلك هي تتمتع بالقدرة على التنفيذ بشكل دقيق لما هو مرسوم لها، لكنها في النهاية لا تستطيع المضي قدما لانجاز المشاريع والآمال الخاصة بها، وفي لحظة من لحظات حياتها تجدها تتخلى بشكل كامل عن تلك الأعمال والمشاريع، لتوهم نفسها أنها مسؤولة عن بداية جديدة لمشاريع مستقبلية أكثر إشراقا ونموا من التي كانت قبلها.
وربما تكون عدم القدرة على الاستكمال والنمو هي ميزة اغلبية شعوبنا في هذه المنطقة بعد تخلي السلطنة عنا، وهذه المشكلة انما جاءت بسب أساليب نظم التربية والتعليم الجديدة التي اتبعها الغرب حين فرضوا حمايتهم علينا، بحيث زرعوا فينا نقص مستلزمات الاستمرارية وديمومتها، وساعدوا على ديمومة حالات اجتماعية وقيم مختلفة ومتبدلة في منظوماتنا الثقافية، والتي انحصرت في التأثر والتقليد الغربي، بحيث انشأت حالات الصراع المستمر والابدي بين موروثاتنا المحلية وبين الحداثة. وربما كان التدخل الغربي المباشر في جميع مفاصل حياتنا المختلفة سببا آخر من أسباب عدم تمكن القدرة تلك، ناهيك عن المدارس الثقافية المختلفة والقيم الدينية الواسعة وكثرة الطوائف والملل والتي قبلت بالخروج من ولاء السلطان إلى ما تعتقده بحماية ورعاية الغرب لها.
الامر الاخر بدأ الغرب في تلك الفترة يعرَّف الامم الاخرى باستخدام مقاييس اقتصادية واجتماعية وسياسية مختلفة، فالشرق عنده وهو كل الامم ما عدا الغرب، والذي يحتفظ دائماً بموقعه على أنه “الآخر” غير الغربي، وهذا التقسيم انطلق في الغرب من مقاربات ٍ دينيةٍ وعلمانيةٍ على حد سواء.
وعند النظر من هذه الزاوية، فإن هذه النظرية الاجتماعية على الرغم من كونها ضد دين الغرب وهي النصرانية؛ فإنها لم تُكْسِب الغرب ”آخراً“ جديداً، من خلال مفاهيم جديدة، فقامت النظرية الاجتماعية بصبغها بلونٍ جديدٍ، وهذا الموقف مهم جدا في بيان مدى تعلق الغرب بجدلية ”الشرق والغرب“ فجدلية الشرق والغرب تحتل موقعاً مهماً في النظرية الاجتماعية سواء أكان التعبير عنها بالمفاهيم الدينية أو العلمانية، لأن الشرق والغرب يكتسبان هويتهما بفضل هذه الجدلية، وبها يحددان علاقتهما المتبادلة.
لكن المشكلة اننا كاغلبية في الشرق لا نشعر بالحاجة إلى مثل هذه الجدلية في تحديد هويتنا، لكن الغربي اكتسب معناه عند الصيني والهندي والإفريقي او السني فقط مع الروح الاستعمارية، اذ انه في مرحلة ما قبل الاستعمار وحينما كنا تحت رعاية السلطان لم يكن الغربي موجوداً عند السني بهذا الوصف.
بينما اليوم وحين ننظر إلى الوراء تقتحم عقولنا جملة من الأسئلة، لماذا قدم علماء الاجتماع الغربيين النظام الاجتماعي الغربي الذي كان سائدا في أيامهم كنظام اجتماعي مثالي، ودافعوا عنه بنظرياتهم؟ علماً بأن الغرب في تلك المرحلة التي كانوا يعيشون فيها؛ كان يحمل في داخله تناقضاتٍ داخليةً كثيرةً ؟؟ كذلك هناك سؤال اضطراري، لماذا اشترك علماء الاجتماع الغربيون في الحديث عن بدائية المجتمعات غير الغربية، ووحشيتها واستبدادها ودونيتها وتخلفها، ولم ينتقدوا أبداً الاستعمار الغربي العالمي أبداً ؟؟؟ كذلك لماذا يتم تقديم الشرق على أنه مكان الاستبداد، وتقديم الاستعمار الغربي على أنه ناقل للحضارة وللحرية إلى الشرق، وايضا لماذا ترك الغرب خطاب ”هداية الشرق“ الذي كان سائدا في العصور الوسطى ليحل مكانه دعوى ”نقل الحضارة“ إلى المجتمعات السنية الشرقية  البدائية؟؟؟
         بالمقابل وعلى مدى القرن الماضي لم تؤسس حكوماتنا التي تغيرت والشعوب التي توارثت والأجيال التي تعاقبت لمنظومة مشتركة من المعارف والقيم الجديدة التي تساعدها في استكمال بنائها الحضاري، فقد رضي البعض منا الالتزام بالقيم الموروثة او بتقليد قيم الغرب، لكنه وجد نفسه أمام تحديات خطيرة، منها الثمن الذي يدفع بين الالتزام بتلك القيم أو الانجرار وراء الحداثة، والتي بدورها قطعت بشكل كامل إلا من بعض الصور من الموروثات المختلفة، خاصة فشل التزاوج ما بين الموروثات والحداثة وبقيت تلك القيم حبيسة محافظها أو اختلافها مع بعضها البعض الآخر.
وبذلك بقي القرن العشرين مثلما كان أهم سماته الاضطراب السياسي، وعدم الاستقرار الاجتماعي، متبلدا في مكتسباته المعرفية، ولم ينجز طوال سنيه المائة أية منجزات متكاملة على المستوى الثقافي والاجتماعي والاقتصادي، ولا حتى على مستوى التراكمات والخبرات المعرفية، ويقول في ذلك الدكتور عبد الرزاق عيسى، في كتابه التنصير الامريكي في بلاد الشام 1834 – 1914 في صفحة 30: “يعاب على اهل السنة انهم اقل الطوائف قدرة على الاتصال بالحياة المدنية الغربية فقد سيطر عليهم روح الشك من الغرب، وربما كان ذلك من الاتجاهات السياسية والثقافية داخلهم، وذلك تبعا لتشعب الثقافة وروافدها من منطقة لاخرى مما يصعب ايجاد اتجاه سياسي واحد للرابطة بينهم”.
ولست في هذا المقال في مجال المقارنة بين ما كان واقعا طوال القرن العشرين في منطقتنا وبين ما كان في الغرب ولا بين تصويب أو الحكم على مرحلة كانت من اعقد مراحل التغيير التي شهدتها منطقتنا على مدى تاريخها الطويل، بقدر ما هو وصف لما كان أو بيان للاختلاف بين منظومتين حضاريتين او بين فلسفتين كانتا تتنافسان وان كانتا ليستا على قدر متساو من التكافؤ بينهما لتثبيت أسس لعالم جديد نعيشه اليوم، وان اختلف المؤرخون والباحثون في وصفه.
لكن وربما يجيز لنا البعض أن نعبر عن امر اخر في مجتمعاتنا وهي كثرة المتغيرات التي حدثت لحياتنا في المجتمع السني بعد الحرب العالمية الاولى، لنجد أن لكل فرد مميز في عالمنا المحلي قد تكون نسبة التغيير في أشكال حياته خلال فترة جيله “الثلاثين سنة” أكثر من ستة متغيرات كاملة، في حين أن المتغير في الجيل الغربي لا يعدو أن يكون واحدا أو اثنين من المتغيرات طوال حياته خلال جيله.
         فهذه المتغيرات الكثيرة في حياتنا جعلتنا بل فرضت علينا بشكل مؤكد انعكاسا على حياة المجتمع ككل، ذلك لان الفرد جزء من المجتمع والمتغيرات هي انعكاسات المجتمع على الفرد، فالأحداث السياسية والمؤامرات ولعبة القوة التي استعملها الغرب تجاه شعوبنا والمتغيرات العالمية والحروب والنزاعات وتقسيم الأرض والنظام السياسي العالمي في تكوين الدول بعد الحرب العالمية الأولى، وغيرها من العوامل قد يراها البعض أسبابا حقيقية لما أمسى عليه اغلبية بلاد مابين النهرين.
ومما يبدو من اتجاه هذه المتغيرات في اجيال الاغلبية بعد الحرب العالمية الأولى أنها سارت نحو الانحدار الكبير، بعدما حاولت واجتهدت في الصعود قليلا، وهذا ما يفسر طبيعة الإرادة في التغيير، ويبين وبشكل تام حجم الإمكانات الضعيفة التي تساعد على التغيير، ولكن على نحو مختلف من الانحدار، ولهذا نجد أن هناك رأي عام سائدا بين الأجيال الثلاثة المتقدمة في القرن الماضي أن كل جيل يعتقد بشكل جازم أن الجيل الذي سبقه هو خير من جيله، وهكذا فسلم الانحدار لا يزال بمجتمعنا يسير بالرغم من التقدم الصناعي والتكنولوجي والمعرفي.
          ومن هنا يأتي تفسيرنا لعوامل القوة والضعف وأثرها في إنشاء أنظمة للحكم وأنظمة جديدة للحياة، والتي كانت مختلفة عما كانت سائدة قبل الحرب العالمية الاولى اي حين كنا تحت رعاية السلطان، ثم وبتقليد وبتغيير النظم المعرفية والاجتماعية لجعلها نسخا مشوهة وبشعة لأنظمة الحياة السائدة في الغرب، أدت إلى إخلال النسيج الاجتماعي، فبعد نهاية الحرب العالمية الأولى ونتيجة لتلك الحرب تم تأسيس نظام جديد يحكم شعوب العالم بما يضمن عدم وقوع حربا مشابهة لتلك الحرب، وعلى هذا الأساس اعد هذا النظام الجديد لحكم اغلبية شعب هذه المنطقة والتي اعتبرت جائزة المنتصرين في تلك الحرب .
وهذا النظام الجديد في إدارة هذه الشعوب لم يكن متعلقا بالنفط والسياسة فحسب وإنما تعداه إلى أنظمة أخلاقية واقتصادية وتربوية واجتماعية جديدة تماما عن تصورات وآمال شعب عريق يمتد تاريخه إلى بداية التاريخ البشري.
والهدف من ذلك تعزيز الاحتلال الغربي وتقوية مقومات استمراره من خلال منظومات اجتماعية جلبها المستعمر وجعلها واقعا للحياة العملية اليومية، وجزءا مهما في العادات والمهارات الجديدة التي ستكتسبها هذه الشعوب والتي خرجت من صدمة سقوط السلطنة العثمانية.