ما بين تقرير لجنة تقصي الحقائق البرلمانية وبين قرار البرلمان حول كوارث الموصل

د. عبدالناصر المهداوي
مستشار مركز العراق الجديد
   في حادث مأساوي أليم حشرج قلوب العراقيين من زاخو إلى الفاو، وحبس أنفاسهم وهم يراقبون بشكل تفصيلي كيف التهمت لجج المياه الدافقة أجساد الأطفال والنساء والشباب لا لجريرة ارتكبوها، ولا لمغامرة استسهلوها، بل لأن ينفس بعضهم كربه في جزيرة جميلة تحتضنها المياه من كل صوب في يوم ربيعي في موصل الحدباء. فما ذنب المئات من الضحايا الذين ابتلعتهم أمواج المياه الهادرة في موسم الخير والعطاء الذي انقلب في موصل الحدباء إلى موسم البؤس والشقاء بعد أن ودعت ما يزيد عن مائتي ضحية من أبنائها، ووسدت أجسادهم الثرى.
   في هذه الكلمات القلائل لا نسعى لتقليب المواجع بل نسعى لرصد الظاهرة وأهم مسبباتها وكيف السبيل للانعتاق من مثيلاتها كي لا تكرر المأساة. ولرصد المأساة وتداعياتها لا بد من التعامل مع أعلى جهة رقابية تخص محافظة نينوى، فقد شكل مجلس النواب العراقي في دورته الرابعة في 9 كانون الأول 2018، لجنة تقصي الحقائق في محافظة نينوى، بإشراف رئيس مجلس النواب، وقد جرى انتخاب أسامة النجيفي رئيساً للجنة وبشار الكيكي نائبا له واحمد الجبوري مقررا للجنة، فيما جرى انتخاب النائب عبدالرحيم الشمري متحدثاً باسم اللجنة. وتتكون اللجنة من 43 نائبا وتتضمن جميع نواب المجلس عن مدينة الموصل ونواب آخرين.
     قبل الكارثة التي تسببت بها غرق العبارة في الجزيرة السياحية بأيام قدمت اللجنة تقريرها لمجلس النواب العراقي في دورته الرابعة، احتمل التقرير تشخيصا دقيقا لملفات غاية في الخطورة تؤكد جملة قضايا خطيرة وعاجلة، منها إمكانية عودة الإرهاب بسبب الاحتقان الطائفي والفساد والاستبداد والابتزاز من قبل ميليشيات تدعي صلتها بالحشد الشعبي، ونتج عنها مكاتب اقتصادية تستهدف المواطنين وتبتزهم في الموصل، قال رئيس اللجنة أسامة النجيفي في مؤتمر صحفي مشترك مع أعضاء اللجنة ونواب عن نينوى في مبنى البرمان في 14/3/2019 إن اللجنة استضافت عدداً من المسؤولين وايقنت بأن الفساد مرتبط بالإرهاب، وحققنا بقضايا الأمن والفساد في الحشود والقضايا العسكرية مع استضافة أكثر من 30 شخصية أمنية في نينوى.
     وأضاف أن اللجنة خلصت إلى استنتاجات تؤشر لدينا من خلال تقصي الحقائق في المحافظة ظهور بيعة جديدة لداعش الإرهابي، وهجرة جديدة، ولد انطباعاً لدى المواطنين بأن “داعش” سيعود من جديد. وحصول هجرة عكسية من قبل أهالي المحافظة وخصوصا أصحاب رؤوس الأموال والكفاءات، مع نفور واضح من التعاون مع الأجهزة الأمنية، كما أكد ذلك بعض قادة الأجهزة الأمنية مما ولد انطباعا لدى عموم المواطنين أن المحركات التي أنتجت داعش بدأت تستعيد نشاطها وتنهض من جديد، خاصة وأن الممارسات التي تحصل والتي لا تختلف من حيث الأسلوب والمضمون عما كان يجري قبل عام 2014.
     كما أن المتنفذين من أصحاب القرار لهم يد في جميع مرافق الموصل الاقتصادية، ومن بينها استثمار الجزيرة السياحية التي يتشارك بها شخصيات تابعة للحشد الشعبي وتحديدا لفصيل عصائب أهل الحق، كما تؤكد اللجنة على لسان المقرر أحمد الجبوري الذي لم يفصح باسم المستثمر التابع للعصائب، ويؤكد ما ذهب إليه الجبوري تصريح واضح للمحافظ المقال العاكوب الذي صرح بوجود العصائب في الجزيرة وأكد على عدم وجود قوة في العراق تستطيع إخراجهم منها. كما نقل تقرير مصور بصوته يؤكد رؤيته لعقد مصدق نسبة 30%  من استثمار الجزيرة السياحية تعود للعصائب، والموضوع موجود على الرابط( https://www.youtube.com/watch?v=c-Uu5Oz0bZs ).
     إذن واحدة من أهم الملفات التي أكدتها لجنة تقصي الحقائق وجود ميليشيات متنفذة تستخدم قوتها بابتزاز المواطنين من خلال المكاتب الاقتصادية التي تزيد عن أربعين مكتب في الموصل، وكذلك من خلال مشاركة المستثمرين أعمالهم كما تضمن تقرير الاتصال بالمحافظ المقال سالف الذكر، ومن هنا إن أمن المستثمر العقوبة فإنه بالضرورة سيهتم بمدى الاستفادة المادية من استثماره بعيدا عن أي مسائل أخرى تخص أمن وسلامة المواطن. لذلك وكما يقول رئيس لجنة تقصي الحقائق؛ ان سد الموصل اطلق 1400 متر مكعب بالثانية، وهذا كان يستدعي اغلاق كل النشاطات السياحية، هذا الأمر اغلق، والقضايا الاخرى هي معايير السلامة لهذه العبارة في الجزيرة السياحية ، وهناك مستأجر هو فوق القانون ، يحاول ان لا يسمح لأحد ان يدخل الجزيرة أو يدقق، والادارة المحلية ساكتة، لكون جهة تدعي أنها تتبع حزبا معينا وحشدا معينا ولديها مسلحون ولا تسمح، هذه الفوقية في التعامل مع القانون أدت الى عدم تدقيق هذه الأشياء ووقوع الكارثة نتيجة ترافق الاهمال مع التقصير ومع التجاوز.
     ويؤكد هذا الرأي تصريح رئيس اللجنة في مقام آخر حين سئل عن ممارسات الحشود الطارئة على مدينة الموصل فقال؛ نحن مع اخراج كل الحشود التي وفدت الى نينوى أثناء عمليات التحرير واعادة انتشار الحشود المحلية، وأن تنسحب من المدن ومن القصبات وتنشر في مناطق الصراع في الجزيرة، وعلى الحدود، وحول المدن، وفي اماكن بعيدة عن الاختلاط بالناس ، لأنها بدأت تنعكس سلبا على الوضع الأمني، وعلى العلاقات مع المواطنين ، وتتكرر مأساة 2014 .واضاف : هذا الامر واضح لأنها تعد تدخلات سياسية، وتدخلات اقتصادية وتجاوز على القانون وكأنها سلطة علوية على القوات الأمنية، وبعض الحشود لديها دعم سياسي في بغداد فتتصرف فوق القانون.
     وبشأن عائدية المكاتب الاقتصادية في نينوى قال النجيفي؛ أن هناك مكاتب اقتصادية تدعي انتماءها الى حشود مشهورة واحزاب سياسية ومرجعيات سياسية، وفي الموصل أكثر من 40 مكتبا اقتصاديا تمارس أعمالها وبشكل علني، ولكن عندما القي القبض على عدد منهم بتدخل رئيس الوزراء ولجنة تقصي الحقائق، شخص الخلل، فالقوات الامنية في الموصل لا تستطيع التصدي لهم لأنهم محميون من جهات في بغداد تدافع عنهم، وعندما القي القبض عليهم كان قسم منهم يحمل هويات لبعض الاحزاب. بعض الحشود كبيرة، والتحقيقات ستثبت هل فعلا لهم علاقة بها أو الناس مدعين، وفي كل الاحوال فأن هذه الظاهرة موجودة وهي تسيء الى نينوى وتاريخها ومستقبلها، ويجب أن تطرد هذه الجماعات تماما من الموصل، وكل من يدعي حمايتها يجب ان يحاسب لأنها قضية أصبح فيها تجاوز كبير على كرامة أهل الموصل.
         من الواضح اليوم أن فصائل الحشد الشعبي وإن لم تشترك في معارك تحرير مدينة الموصل، لكنها بعد التحرير تمددت وانتشرت وفي بداية الأمر رصد لها جهود إغاثية استثنائية ومساعدات، وتقربت من المواطن الموصلي وقدمت له يد العون بعد التحرير مباشرة، وما إن تمكنت حتى أنشبت أظفارها في المجتمع الموصلي وعادت إلى ممارساتها الطبيعية التي عهدها الناس من التهديد والابتزاز ومشاركة المواطن في تحصيله في عمل يقوم به خاصة بالنسبة للأغنياء والمستثمرين، وهذا الفعل ولد ردة بهجرة رؤوس الأموال إلى خارج المدينة بسبب هذه الممارسات المقيتة، مع اعتبار أن هذه الأجهزة وإن تبنت وجهات نظر طائفية فإنها بالضرورة تستخدمها كغطاء لممارسة سرقاتها وابتزازها ، فلم نجد رجل يؤمن بالله واليوم الآخر من أهلنا الشيعة يقبل هذه الممارسات هذا فضلا ‘ن أن يقبلها علماؤهم ومرجعياتهم.
      المصيبة لم تقتصر على هذه الجيوب من عصابات ومافيات الفساد التي تسلحت زورا وبهتانا بسلاح انتمائها لهذ الفصيل أو ذاك، وحتى لو كانت منتمية على وجه الحقيقة فإن سلوكها المهين لا يمكن أن يقبل من قبل مرجعياتها القيادية سواء كانت الميدانية أو الدينية، حتى ولو التحفت بلحاف الطائفية وحملت راية هذا الفصيل أو ذاك، لكونها في النهاية ستدين هذا الفصيل وتخزيه في وقت بات للشارع صوت مسموع للإصلاح ونبذ الفساد ومحاربته، ومصيبتنا الأكبر في موقف البرلمان العراقي، وفي قراراته الصادرة بهذا الشأن، فعن مصدر موثوق مقرب جدا من أحد نواب نينوى البارزين، أنه كان من المفروض يوم الاحد24/3 مناقشة تقرير لجنة تقصي الحقائق في محافظة نينوى في جلسة البرلمان وحسب ما مدرج على جدول الجلسة، وانتظر نواب الموصل طرح التقرير، لكن رئيس البرلمان محمد الحلبوسي استدعى رئيس اللجنة اسامة النجيفي وبحضور بعض نواب الموصل وسلمه التقرير محذوفا منه جميع الفقرات الواردة بالتقرير التي تشير الى تجاوزات الحشد والمكاتب الاقتصادية للميليشيات، بهدف قراءة التقرير في الجلسة، مما حدى برئيس واعضاء اللجنة الى رفض قراءة التقرير وابدوا استغرابهم من هذا التصرف.
   واجتمع الحلبوسي بالنجيفي واحمد الجبوري وعبد الرحيم الشمري، وابلغهم بالحرف الواحد؛ إن تحالف البناء ابلغوه رفضهم القاطع لما ورد بالتقرير، وذكروه بأنهم من اوصلوه الى رئاسة البرلمان وهم من يستطيعون اخراجه منه، وأنهم لا يسمحون بذكر أي كلمة ضد الحشد والميليشيات في التقرير، لذا ابلغهم اعتذاره  لعدم تمكنه من فعل شيء في هذا الموضوع، وترك موضوع مناقشة تقرير اللجنة الى اشعار اخر، فأما حذف الفقرات التي تدين الحشود في الموصل او لا يعرض على البرلمان نهائيا، وفعلا صدر القرار النيابي المرقم 31 لعام 2019 في 24/3/2019 والذي تضمن عشر فقرات خلت جميعها من أي إشارة إلى ممارسات الحشد والفصائل التي تدعي الانتساب إليه التي تقوم بالابتزاز كما لا يوجد فيه أي ذكر للمكاتب الاقتصادية الأربعين في الموصل، ونرفق صورة القرار لمن يحب أن يتأكد بنفسه.