هتلر جديد ام التقسيم؟

د. مهند يوسف
مستشار مركز العراق الجديد
اذا كانت الديمقراطية هي من اهم اهداف الحكومات الجديدة التي تعاقبت على العراق بعد 2003، الا ان تلك الحكومات لم توفر لمواطنيها الامن الكافي، ولم تمكنهم من التمتع بمستوى معيشي لائق او تأمين اجتماعي مناسب. وبالتالي ستكون عاقبتها مثل عاقبة جمهورية فايمر في ألمانيا في العشرينات وأوائل الثلاثينات من القرن العشرين، لتعطي مثالا جيدا على ان المعاناة الاقتصادية هي التي أدت إلى ظهور حكم هتلر النازي الاستبدادي المطلق، حيث ساعد الاستياء الاقتصادي على تغذية حركة الديكتاتورية النازية والاستبداد لأن القيم الديمقراطية لا يمكن أن تزدهر في بيئة يسود فيها اقتصاد ريعي راكد.
الى جانب اخر نشهد اليوم ارتفاع في مستويات الصراع الإداري بين المحافظات وبغداد قد يؤدي الى تقسيم العراق بحيث يمكن مقارنته بنتائج حالات مماثلة كانت الأمم الأخرى التي أعيد بناء دولها بعد الحرب العالمية الأولى قد وصلت اليها، ومن هتين النتيجتين الرئيسيتين نستنتج مصير الدول التي تقوم أمم اخرى في بناء دولها.
إن تحديد مفهوم “بناء الدول” مصطلح تبناه الغرب يقوم على “نشر الديمقراطية” ويعنى  استخدام كافة القوى والوسائل المتوفرة الأخلاقية منها وغير الأخلاقية والمشروعة منها وغير المشروعة بهدف تحويل الدولة المعنية إلى دولة “تابعة لها”، لكن بسبب تلك السياسات وبما تحمل من علامات عدم الاستقرار، تصبح تلك الدول أقرب لأن تكون دولا فاشلة، اعتمادا على مؤشرات اجتماعية واقتصادية وسياسية، او ان تكون دولا اقرب الى انتاج ديكتاتورية فاشية لكن بطبعة محلية جديدة.
وفشل دولة كالعراق امر يهتم به اكثر المراقبين للشأن العالمي، خاصة حينما تفقد الحكومة المركزية سيطرتها على أراضيها، وبعد أن يصر تصدير مشاكل العراق أمرا حتميا، سواء تعلق الامر بعدم الاستقرار أو بالارهاب او بالمليشيات وبحجم المشاكل التي تواجهها الدولة بسببهم خاصة ان الحكومة ليست لديها القدرة على صدهم أو هي في طريقها للانهيار كما يحدث اليوم مع حكومة عبدالمهدي؟
لكن ثمة مقدمات حادة للفشل، منها ما لها مؤشرات تاريخية، والتي تجعل الدولة لا تتمكن من الاحتكار والاستخدام الشرعي للقوة بما يعرضها للاضطرابات، فنظام الحكم في العراق اليوم تنقصه السلطة الكافية لاتخاذ القرارات، وليس له القدرة على تقديم الخدمات المجتمعية.
كذلك هنالك مؤشرات اجتماعية للفشل كتصاعد الضغوط الديموغرافية والحركة غير النظامية للأفراد بسبب التهجير القسري والتوطين الطائفي والتي خلقت معها حالة طوارئ معقدة، يرتبط بها تفشي الأمراض، ونقص الغذاء والمياه الصالحة، والتنافس على الأرض، وانتشار العشوائيات على اطراف المدن الرئيسية، الامر الذي جعل الجماعات المظلومة تنتظر الثأر والفرار الدائم والعشوائي للناس، وايضا هجرة العقول، وهجرة الطبقات المنتجة من الدولة، وحتى الاغتراب داخل المجتمع.
ومن المؤشرات السياسية للفشل ايضا، فقدان شرعية الدولة من حيث فساد النخبة الحاكمة، وغياب الشفافية والمحاسبة السياسية، وضعف الثقة في المؤسسات السياسية. وايضا على المستوى الخارجي، سيادة الدولة العراقية مقيدة تلقائيا من خلال عقود الاحتكارات والامتيازات الاقتصادية والسياسية.
كذلك هناك مؤشرات خدمية لفشل الدولة العراقية الحالية تتمثل في التدهور الحاد في تقديم الخدمات العامة وعدم أداء الدولة لوظائفها الجوهرية كحماية الناس، وفي الصحة والتعليم والتوظيف، والحرمان من التطبيق العادل لحكم القانون، وتنوع الأمن بين الاجهزة الامنية والمليشيات والذي خلق دولة داخل الدولة، فظهرت نخبة مليشياوية عسكرية داخل وزارتي الدفاع والداخلية، وظهرت النزاعات المسلحة، وتنامت الانشقاقات داخل النخب في الدولة، وأصبح تدخل الدول ألأخرى كايران كفاعل أساسي خارجي وبأشكاله العسكري أو شبه العسكري داخليا في الدولة أو في مؤسسات المجتمع.
ومن المؤشرات الاقتصادية للفشل الحكومي ايضا، غياب التنمية الاقتصادية لدى الجماعات المتباينة، مثل عدم المساواة في التعليم والوظائف والدخل، ومستويات الفقر، وتزايد النزعات المذهبية والإثنية والانحطاط الاقتصادي الحاد في الدخل القومي، ومبيعات البنك المركزي، والميزان التجاري، ومعدلات الاستثمار، وتقييم العملة الوطنية، ومعدل النمو، والفساد، والتزامات الدولة المالية.
اما المداخيل المالية فنظام الضرائب والذي أقرته هذه الحكومات جاءت على وجوه النشاط الاقتصادي والتجاري المختلفة لتتوافق مع النظام الاقتصادي الغربي، فجاءت هذه القوانين الجديدة لتحدد النسب المختلفة على مداخيل الإنتاج والاستثمار والتصدير وضرائب الإنتاج والتطوير النفطي وقطاع الاتصالات.
وهنا تبرز قضية خطيرة أخرى في هذا الجانب وهي إقرار القوانين الاقتصادية والتجارية لتحدد نسب تلك الضرائب لتلك الوجوه الاقتصادية المختلفة مع إقرار وحماية بشكل مباشر لتلك الامتيازات وجعلها كأهم المداخيل المالية الحكومية. بمعنى أن الحكومة المركزية قد أقرت مبدأ استملاك وحيازة تلك الشركات للمصادر الطبيعية المختلفة وليست النفطية فقط، كاحتكار نظام الاتصالات على سبيل المثال. وبذلك لن تمتلك الحكومة العراقية أية سلطة على تلك المصادر والتي هي من حقوق مواطنيها إلا فيما يتعلق بمسالة الضرائب على كميات الإنتاج لتلك المصادر المختلفة، وهذه المسالة خطيرة للغاية، كانت وستبقى من العوامل المهمة التي ستؤثر على عدم الاستقرار السياسي والشعبي والأمني في العراق بشكل محدد طوال المستقبل.
ومن المؤشرات المهمة ايضا على فشل الدولة العراقية على المستوى الفكري، هو في تركيز التفكير نحو الحكم والقيادة، وان يكون هو الهدف الاسمى في التغيير، من خلال أيديولوجيات مختلفة مرتكزة على مذاهب التشيع الفاشي مستفيدة من ارث طويل وعادات طوال قرون طويلة بالمظلومية ومن ثقافة ايرانية عنصرية موازية، وأخرى امريكية كحكم الاغلبية الشيعية، بحيث سادت فوضى عقلية متخبطة تبحث عن هوية خالصة لها في مواجهة التحديات المعاصرة.
وبطبيعة الحال لا نقصد هنا ان ما آل إليه مصير العراق اليوم هو نتيجة لهذه الفوضى في ادراة الحكم ولكنها بالتأكيد هي محصلة لتلك المؤشرات السابقة ومع علاقات غير متكافئة بين القوى المستعمرة وبين القوى المحلية المختلفة في الرؤى والوسائل والتفكير.
لقد كان العراق من أوائل مناطق دول العالم الحديث استخداما للأنظمة والقوانين سواء أكان ذلك بسبب القوانين العثمانية السابقة ام بصدور القوانين للدولة الحديثة التي أنشئت بعد الحرب العالمية الاولى، ولكن ذلك السبق لن يعذر العراق بالتخلف في هذا الميدان بعد 2003 عن بقية دول العالم لاسباب داخلية ومحلية وخارجية، والتي منها سماح بعض المحليين العاملين في المؤسسات البرلمانية والحكومية ولدوافع شتى من تحصين الحقوق الاجنبية والاعجمية بشكل غير عادل او من خلال إقرار قوانين تجيز ذلك، وبالتالي تطورت المصالح الاجنبية لتكون حقوقا وملكيات للشركات الاجنبية، والتي ستجعلها فيما بعد استحقاقات مستقبلية.
ولذلك فان تلك المؤشرات والاسباب والعوامل السالفة ستجعل العراقي يبحث عن الخلاص واعادة بناء العراق اما عند الايرانيين بالنسبة للشيعة واما عند الامريكيين بالنسبة لاغلبية سكان العراق، وهذا ما سيجعل دوامة الفشل تتسع اكثر فاكثر، لانه وببساطة ان الامم لا تنهض الا بحركة مجتمعاتها الاصيلة، وبالتالي اما سيظهر هتلر جديد لكن بطبعة عراقية او ان يقسم العراق الى اجزاء متعددة، وخاصة بعدما اختارت دول الثقل القومي الجمهوري العربي، مصر وسوريا والجزائر الاختيار الاول بعدما مرت بتلك المؤشرات السابقة.
كلمات مفتاحية: