النشاط الإستخباري الإيراني في العراق

فراس إلياس
متخصص بالشؤون الإيرانية
أشرت إستراتيجية الفوضى التي إنتهجتها الإدارة الأمريكية في العراق مابعد 2003، إلى إلغاء كل مظاهر السيادة الوطنية العراقية في كل مفاصل الدولة الرسمية، وبدوره لم يكن الجانب الإستخباراتي العراقي بمأمن من هذه الفوضى العارمة التي أصابت كل مفاصل الدولة الرسمية، وفي ضوء هذه الصورة الفوضوية التي مر بها العراق، وجدت الإستخبارات الإيرانية وتحديداً جهاز الإطلاعات بيئة مناسبة للعمل في الساحة العراقية.
فقد عمل النظام السياسي في إيران على تقوية أواصر العلاقة بينه وبين الأحزاب العراقية التي كانت مقيمه لديه قبل عام 2003، من خلال تقديم الدعم المالي والمعنوي لهذه الأحزاب، ودفعها للإنغماس أكثر بالساحة السياسية العراقية، وعمل أيضاً على تشجيع إنشاء الأحزاب ذات النهج الطائفي، من أجل إيجاد وضع أفضل تتحرك من خلاله إيران وأجهزة مخابراتها في العراق، مما سهل على أجهزة الإستخبارات الإيرانية إرسال المئات من عملائها إلى العراق، فضلاً عن الإمتيازات التي يحصولون عليها، من خلال إستثناءهم من سمة الدخول، ومن بينهم العديد من شبكات الإجرام والإتجار بالمخدرات وأعضاء من تنظيمات إرهابية تشير المعطيات إلى أن لهم تنسيقاً مع الإستخبارات الإيرانية.[1]
وعلى الرغم من غلبة الألفاظ الدبلوماسية على الخطابات الرسمية الإيرانية، في إحترامها لسيادة وإستقلال العراق، إلا أنها من جهة أخرى سعت إلى إحتواء العراق دولة ومؤسسات، ومايدل على ذلك هو الدعم المالي الكبير الذي تتلقاه هذه الأحزاب ومليشياتها والتي تصل إلى ملايين الدولارات شهرياً، على الرغم من إشتداد العقوبات الأمريكية على إيران، بل أن الفاعلية الكبيرة للإستخبارات الإيرانية وصل إلى الحد الذي يهدد الوجود العسكري الأمريكي في العراق.
إن الدور الإستخباراتي الإيراني في العراق، قد إتخذ العديد من الأشكال والصور ومنها:
  1. عدم إقتصار الدور الإستخباراتي الإيراني على تجنيد الإيرانيين أو العراقيين فحسب، وإنما تعدى ذلك إلى جنسيات عربية وأجنبية اخرى، ومن أمثلة ذلك إلقاء القبض على عميل سوداني يعمل لحساب الإستخبارات الإيرانية، كان يروم تسميم مياه نهر الديوانية التي تقطنها أغلبية “شيعية”، من أجل إحداث فتنة طائفية.
  2. تجنيد العديد من المؤسسات الخيرية ومنظمات المجتمع المدني والمراكز الثقافية والإنسانية، فضلاً عن الشركات الإقتصادية في مختلف المدن العراقية.
  3. العمل على تصفية وإغتيال أغلب ضباط الأمن والمخابرات، الذين كانوا يعملون في جهاز المخابرات العراقي قبل عام 2003، وتحديداً شعبة إيران.
  4. العمل على تصفية وإغتيال ضباط الجيش العراقي السابق، وتهجير الكفاءات العلمية والفكرية إلى خارج العراق، من خلال عمليات القتل أو الإبتزاز أو الخطف، فجهاز إستخبارات الحرس الثوري الإيراني هو من يدير العمليات الأمنية في العراق، وبعد أن طوّرت إيران من دور “فيلق بدر” الذي تم تشكيله من إيرانيين أبعدهم العراق أثناء الحرب العراقية الإيرانية، بسبب أصولهم الإيرانية وعلاقاتهم مع نظام الخميني، لتقوم هذه الميليشيات في تنفيذ الإغتيالات بحق الضباط العراقيين والعلماء والطيارين ومعظم النخب العراقية الرفيعة.
  5. توظيف العراق للتجسس على دول الجوار الإقليمي وتحديداً السعودية والأردن والكويت، وذلك من خلال نصب وتركيب العديد من شبكات ومنصات التجسس على طول الحدود مع هذه الدول.
  6. تنفيذ العديد من العمليات الإرهابية والتخريبية في مختلف محافظات ومدن العراق، والتي كان أبرزها تفجير مرقد الإماميين العسكريين “عليهما السلام”، والتي أدخلت العراق في دوامة حرب طائفية أستمرات عامين، وبهذا الصدد فقد افصح الجنرال جورج كيسي عمّا يعرفه كقائد للقوات الأمريكية والمشتركة، في حادثة تعدّ الأكبر في مسار تأجّج المشاعر الطائفية في العراق، وقال إن إيران هي المسؤولة عن التفجير الذي تعرض له مقام الإمامين العسكريين في سامراء في عام 2006، وذلك من خلال ضبط مواد متفجرة إيرانية الصنع أستخدمت في تفجير المرقد آنذاك، وقد تم إبلاغ رئيس الحكومة نوري المالكي عن مسؤولية فيلق القدس والميليشيات المرتبطة به عن إثارة العنف والنعرات الطائفية في العراق.
  7. توظيف العراق كساحة لتصفية الصراعات مع القوى الإقليمية والدولية المعارضة للنفوذ الإيراني في المنطقة، وجعل العراق ملف مهم من ملفات الإستخبارات الإيرانية للتفاوض عليه مع هذه القوى في أي صفقات مستقبلية.
  8. نجحت الإستخبارات الإيرانية من خلال الإتفاقيات الأمنية التي عقدتها وتعقدها مع الحكومة العراقية تحت عنوان مكافحة الإرهاب، في تصفية العديد من المعارضين السياسيين للنفوذ الإيراني في العراق، من خلال تصفيتهم أو إبعادهم خارج العراق.
  9. توظيف التنظيمات الإرهابية كـالقاعدة وداعش وغيرها، إلى جانب الأحزاب السياسية “السنية”، لتكريس وجودها في العراق، من خلال توطيد العلاقات المخابراتية مع هذه الأحزاب على حساب غيرها، مقابل الحصول على المناصب الحكومية بدعم من الأحزاب “الشيعية” القريبة من إيران.
  10. وصل جهد الإستخبارات الإيرانية إلى حد التدخل في تعيين الموظفين ومراقبة الخصوم السياسيين.[2] وتمويل العمليات التخريبية في مختلف المناطق العراقية، ولعل ماحدث في المرافق الحيوية في المناطق التي حررت من سيطرة تنظيم داعش خير شاهد على الممارسات التخريبية لأجهزة الإستخبارات الإيرانية في العراق.
والشيء المهم الذي كان يصب في صالح الإستخبارات الإيرانية ويعطيها حركة الحرية في العراق هي أدواتها الرئيسة، وأعني بها العنصر البشري، فالسلطات الإيرانية لم تكلف نفسها العناء كثيراً في إيجاد العناصر المجندة التي تعمل لصالحا، فشكل تواجد الكثير من العراقيين الهاربين اليها عنصراً مهماً لعملها داخل العراق، وبنت على أساسه الميليشيات المسلحة وربطتها رسمياً بجهاز إستخبارات الحرس الثوري ومنها “فيلق القدس” الذي أسس منذ الأيام الأولى لإستلام الخميني السلطة في إيران، وهو جهة أعلى من وزارة الإستخبارات والأمن الوطني الإيرانية التي تسمى “الإطلاعات”، وكان الهدف الرئيسي والإستراتيجي من تأسيسه، هو لنظرية تصدير الثورة الإيرانية للخارج التي جاء بها نظام خميني، ونشط عمله في الثمانينات في أفريقيا وآسيا وبعض الدول الأوربية، إضافة إلى العديد من الدول العربية، وكانت إمكانياته المادية هائلة جداً، وضم في قياداته أقرب الشخصيات وأوثقها للخميني، وقام بالعديد من العمليات الإستخباراتية الخاصة في الكثير من الدول، وبالتعاون مع إستخبارات دول صديقة لنظام خميني حينها، ولعل أبرزها عملية إسقاط الطائرة الأمريكية في لوكربي، بالتعاون والإشتراك مع الإستخبارات الليبية، وهو مؤكد وموثق، وتحملته الإستخبارات الليبية وحدها بسبب غباء الأمريكان أو لهدف خاص بهم، ولكن المؤكد أن الإستخبارات الإيرانية هي من خططت ونفذت العملية لصالح الإستخبارات الليبية وبإشتراكها الرمزي، وكان لدى الإستخبارات العراقية دليلاً قاطعاً على ذلك وشاهداً حياً، وهو معتقل إيراني منتسب للإستخبارات الإيرانية، كان أحد المشاركين المنفذين لعملية إسقاط الطائرة المذكورة، وكان قد أدلى بإعترافات كاملة ومفصلة عنها موثقة بالصوت والصور، وتحفظت الإستخبارات العراقية عليه، ووفرت له كل سبل الراحة، كونه يشكل دليلاً عالي الأهمية، وورقة ضغط ثمينة يمكن الإستفادة السياسية منها بالضد من الأمريكان قبل 2003، وتم الإحتفاظ به في دار عائدة للمخابرات في منطقة المحيط في الكاظمية/ بغداد، ووفرت له إقامة رئاسية من الدرجة الأولى، وبعد إحتلال العراق لم يكشف عن مصيره .[3]
يضاف إلى ماتقدم هو أن لإيران ضباط إستخبارات بين صفوف الزائرين، وأنها وظفت لاجئين عراقيين يعودون إلى بلدهم من المنفى في إيران، وأكثر من ذلك لدى إيران فرص كبيرة لتجنيد مخبرين من بين العراقيين الذين يدخلون إلى إيران إما كزوار أو لزيارة أقاربهم، ويشكل الشباب العاطلون عن العمل وخاصة في جنوب العراق، وفي أحياء بغداد الفقيرة مواقع مغرية لتجنيد المخبرين، وقال الملك عبدالله الثاني ملك الأردن مثلاً، إن إيران كانت تدفع رواتب وتوفر الضمان الإجتماعي للعراقيين العاطلين عن العمل لخلق شعور عام مؤيد لإيران:” هناك العديد من الإيرانيين العاملين مع المنظمات غير الحكومية والذين يتقربون من الساخطين والعاطلين عن العمل”، وإدعى زعيم قبلي عراقي من الجنوب أن كثيراً من الشبان يسافرون إلى إيران، حيث يتم غسل دماغهم وتدريبهم لمحاربة الأمريكيين وقال:”نحن نعرفهم بالأسم وهناك الآلاف منهم يذهبون ويعودون من إيران عبر الحدود في البصرة”، مثل هذه الإتهامات وأسوأ منها تتردد بكثرة، فعلى سبيل المثال، إدعى محلل في الجيش الأمريكي أن: “المخابرات الإيرانية لا تخطط لهجمات ضد قوات التحالف، يمكن أن ترتبط مباشرة بإيران، ولكنهم سيقدمون مساعدة قيمة لعناصر تخريبية داخل العراق.. ربما على شكل أسلحة أو منازل آمنة أو مال”، وبدوره إدعى زعيم قبلي في الجنوب: “جاءت المخابرات الإيرانية إلي وعرضت علي المساعدة لقتل قوات الحلفاء وبعض العراقيين، وعندما سألتهم لماذا أجابوا: “نريد أن تستمر الحرب في العراق”، وحدث ذلك بعد مرور شهر على وصول قوات الإحتلال، وعندما جاءوا إلي قدموا أنفسهم كضباط مخابرات إيرانيين، وهذا شيء طبيعي جداً في جنوب العراق، أن يأتي إليك شخص ويقول أنه من المخابرات الإيرانية، وقام رجلان بزيارتي عدة مرات وكانت المرة الأولى للتعارف، وبعدها حاولا إقناعي للعمل ضد بلدي وعرضا علي المال وقالا:” نحن على إستعداد لإعطائك ما تطلب من المال”، وكانا يعرفان أنني زعيم قبيلة كبيرة من منطقة مندلي جنوب البصرة وعرفا إنني صاحب نفوذ.
أن الجهد الإستخباري الإيراني في العراق غير واضح المعالم، بل يطرح نفسه ضمن مجالات وقيادات متعددة، وهذا مايشير إليه مسؤولين عراقيين وحتى غربيين، فهم  يعتقدون بأن المحركين الأقوياء للسياسة الإستخباراتية الإيرانية في العراق هم فرع خاص تابع للحرس الثوري الإيراني يسمى (زامزان) أو (قدس) للدلالة علىQarargah ، المنطقة الحدودية التي يعمل فيها ذلك الفرع، ويتبع لوزارة الإستخبارات والأمن الوطني الإيرانية، كما أشار سياسي بارز في حزب الدعوة بقوله: “ليس لإيران خط واحد، وهناك عدة مراكز للسلطة: مثل الباسداران أي القائد الأعلى أو الرئيس، وأنت لا تستطيع أن تميز بين هذا وذاك، أو من الذي يتخذ القرارات، وأحيانا قد تتعامل مع مسؤول كبير يوافق على عمل شيء ما، ولكنك تكتشف أنه لا يملك الصلاحية لتنفيذ ما وعد به، وبالتالي يفشل الإتفاق.[4]
ومن أجل زيادة الفاعالية الإستخباراتية لإيران في العراق، تم إفتتاح العديد من المكاتب للإستخبارات الإيرانية في العراق، منتشرة في العديد من المدن العراقية، كان آخرها مكتب الموصل الواقع في الساحل الأيسر من المدينة، والذي يديره ضباط في الحرس الثوري بالتعاون مع بعض قادة المليشيات هناك.
كما كشفت مصادر عراقية أن قاسم سليماني قائد فيلق القدس، يشرف على تشكيل جهاز إستخبارات للحشد الشعبي، على غرار جهاز الإستخبارات التابع للحرس الثوري في إيران الذي يسمى “حفاظت إطلاعات”، فقد أوعز الحرس الثوري الإيراني لمؤسسة “الرضوان”، وهي مؤسسة “شيعية” ممولة من إيران مقرها في مدينة كربلاء، وتتكون من عدة جمعيات ومنظمات، بتنفيذ مهمة “تشكيل جهاز الحشد الشعبي الإستخباري”، ليتولى عمليات “المراقبة وجمع المعلومات” في جميع المحافظات العراقية، ووفقاً للمصادر، فقد تم تجنيد حوالي “2000” شخص في الآونة الأخيرة بمحافظة كربلاء وحدها، ويشرف عليها بشكل مباشر قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني، من خلال نائبه المتواجد في محافظة كربلاء، وأضاف المصادر أن الجهات الرسمية العراقية خصصت بشكل غير معلن ميزانية مالية ضخمة، لشراء معدات وصرف رواتب لأفراد التشكيل الجديد، الذي يعمل بمعزل عن المؤسسات الرسمية، لكنه يتخذ من الحشد الشعبي غطاءً له، وعلى الرغم من أن مؤسسة “الرضوان” تستقطب أعداداً كبيرة من المتطوعين، فإن أسم التشكيل غير معلن، وإن التطوع يتم على أساس الإنتماء إلى الحشد الشعبي.[5]
الشيء الذي تنبغي الإشارة إليه هو أنه توجد على الحدود العراقية الإيرانية “19” منفذاً حدودياً، يتم إستغلالها من قبل إيران للدفع بالمزيد من عملائها إلى داخل العراق، في ظل غياب شبه تم للحرس الحدودي العراقي، كما أن الشروع بتنفيذ الإتفاق الذي أجري مؤخراً بين العراق وإيران بدخول الإيرانيين إلى العراق بدون تأشيرة دخول، والذي دخل حيز التنفيذ في 1 نيسان 2019، سيزيد من فعالية الجهد الإستخباري الإيراني في العراق، فإستغلال إيران لظروف الإنفلات الأمني في العراق واضح جداً، كما أن نشاطاتها الإستخباراتية أوضح من ذلك، ولطالما كانت العلاقات العراقية الإيرانية ليست مرهونة بالنوايا الحسنة والتصريحات الدبلوماسية التطمينية، فإن الواقع يفرز مشهداً مختلفاً مرتبطاً بالأجهزة الإستخبارية الإيرانية، التي ستبقى الشوكة الدامية التي تنخز خاصرة تحسين هذه العلاقات، وتدفع بمزيد من إستغلال الأراضي العرقية لصالح الأغراض الإستخبارية الإيرانية.
[1] الأجندة الإيرانية في العراق، موقع المسلم، في 15 ايلول 2004.
http://almoslim.net/node/85452
[2] عبد الكريم العلوجي، إيران والعراق صراع حدود أم وجود، ط(1)، (القاهرة، الدار الثقافية للنشر، 2007)، ص 168.
[3] انمار الخوجة، “الحشد الشعبي” … وحرب المخابرات الايرانية – العراقية !!!، كتابات، في 28 نوفمبر 2014.
http://kitabat.com/2014/11/28/
[4] إيران في العراق: ما مدى النفوذ؟، كرايسز جروب الشرق الأوسط، التقرير رقم (38)، في 21 مارس 2005، ص 19
[5] صالح حميد، إيران تؤسس “استخبارات” لميليشيات الحشد الشعبي بالعراق، العربية نت، في 19 سبتمبر 2016.
http://www.alarabiya.net/ar/iran/2016/09/19/