خطوات جادة مهمة لإصلاح الواقع العراقي الأمني في ولاية عبد المهدي

د. عبد الناصر المهداوي
مستشار مركز العراق الجديد
     على الرغم من عدم استكمال الكابينة الوزارية للسيد عادل عبد المهدي إلا أن ذلك لم يعيق رئيس مجلس الوزراء من اتخاذ خطوات مهمة جادة على الطريق الصحيح لإصلاح المنظومة الأمنية، ومنها  إنهاء احتكار المناصب القيادية العليا بيد مكون واحد، أو بيد قيادات تابعة لسلطة الأحزاب الحاكمة كما شهد العراق في زمن الجعفري والمالكي، ويعد هذا الأمر مؤشرا حقيقيا على جدية عبد المهدي في إدارة البلاد بمهنية حقيقية، الأمر الذي سينعكس إيجابا على الاستقرار العامل الأكثر تأثيرا على نجاح البلد في الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية، لكون هيمنة جهة ما أيا كانت على مفاصل واحدة من هذه الملفات سيفضي بالضرورة إلى فساد وكساد وسواد، والعراق في غنى عنه في هذه المرحلة الحرجة التي تشهد تدافعا حادا بين تيارين، الأول راديكالي تقليدي منغلق والآخر إصلاحي تجديدي منفتح.
         في نهاية شهر آذار للعام الحالي أصدر وزير الدفاع وكالة السيد عادل عبد المهدي مجموعة أوامر إدارية، منها كما في الأمر الوزاري المرقم (207) الذي أصدرته وزارة الدفاع بكتابها  ذي العدد 1/2/11676 في تأريخ 31/3/2019 المتضمن أوامر إدارية بنقل قائد عمليات صلاح الدين إلى منصب قائد القوات البرية ونقل ضابطين كبار أحدهما قائدا للعمليات في صلاح الدين، والآخر قائدا لإحدى الفرق العسكرية، قد تكون هذه الأوامر طبيعية في سياقها الإداري الطبيعي، وباعتبار شغل السيد رئيس الوزراء لمنصب وزير الدفاع وكالة فإن اصدار مثل هذه الأوامر قد يعد روتينيا، غير أن الذي يقرأ بين السطور يلمس انعتاق واضح من أسر الفعل الطائفي الإقصائي الذي مارسه رؤساء الحكومات من قبل، وبعيدا عن التوصيف الوظيفي ومهنية القادة هؤلاء الذين لا نعرفهم يبقى فعل السيد عبد المهدي في مساق الفعل العسكري الصحيح الذي قد يعتمد الكفاءة على حساب الولاء الطائفي أو الحزبي الفئوي الضيق.
     في الحكومات المتعاقبة الطائفية السابقة تمكنت السياسات الإقصائية من استبعاد كل القادة العسكريين والأمنيين المهنيين المستقلين من المناصب العليا المهمة، فلا تكاد تجد إلا نادرا آمرا للواء في الجيش العراقي أو مفاصل الأجهزة الأمنية إلا من المكون المهيمن على القرار في العراق، لا بل تجاوزت بعض القيادات المكون لتكون موالية لحزب بعينه، الأمر الذي يذكرنا كيف تكونت وزارة الداخلية بعد الاحتلال وكيف تم توزيعها على الأحزاب والميليشيات المتنفذة، ولا يزال حاضرا في الذاكرة العراقية ممارسات إجرامية في انتهاك حقوق الإنسان تحملت وزرها وزارة الداخلية، في حين أن المسؤول الحقيقي عنها كانت العصابات والميليشيات الإجرامية التي هيمنت على مفاصل الوزارة في باكورة نشأتها، وهذا السلوك انعكس سلبا على سمعة الأجهزة الأمنية وعلى الحكومة الطائفية التي كرست الفعل الإجرامي تنفيذا لأجندات خارجية دخيلة على العراق، فانتشر القتل والتعذيب والخطف، حتى عدت وزارة الداخلية يومها عبارة عن مافيا إجرامية كبيرة، أو محاكم تفتيش تستهدف المخالفين لها.
     قد يتعلل البعض بالمؤثرين الإقليمي والدولي المختصرين بإيران والولايات المتحدة الأمريكية، وهذا التعليل لا يجافي الحقيقة لكنه ليس قدرا محتوما على الحكومة لا سبيل الخلاص منه، بل تملك الحكومة من الأوراق ما يؤهلها بتعداد خياراتها لهذا المنصب أو ذاك، مع اعتبار التأثير الدولي المتمثل بالولايات المتحدة الأمريكية وفقا لاتفاقية الاطار الاستراتيجي بينها وبين العراق مرتبطا بالجيش العراقي ويؤهلها لقبول هذا الطرف أو ذاك في المناصب القيادية تبعا لمهنيته وقدراته ومؤهلاته القيادية وانضباطه العسكري، لكون تدريب الجيش العراقي مناط بالجانب الأمريكي وفقا للاتفاقية، هذا فضلا عن تسليح الجيش العراقي المتفق على إدارته مع العراق أمريكيا، ولعل هذا التوجه هو الذي حدا بالمشروع الإيراني في العراق إلى إنشاء وتكوين الحشد الشعبي وتقويته وتسليحه بما لا يدع للقوات المسلحة العراقية الأخرى منافسته باعتبار ولائه لولاية الفقيه على وجه الحقيقة خلافا للجيش العراقي الذي يبنى على أعين الولايات المتحدة الأمريكية كما توحي اتفاقية الاطار الاستراتيجي.
      من هنا قد تكون أوامر إعادة تكليف القيادات العسكرية الكبيرة بمهام مختلفة ومهمة مع كونهم في ظاهر أمرهم لا ينتسبون للمكون الذي هيمن على المناصب القيادية في القوات المسلحة العراقية وفق ثوابت المشروع الطائفي البغيض الذي حكم البلاد وجرها للخراب خطوة في الاتجاه الصحيح لإعادة هيكلة القوات المسلحة العراقية، ووضع القيادي العسكري المهني المستقل في مكانه المناسب، فالجيش بشكل خاص والقوات المسلحة بشكل عام يتعين أن تكون غير خاضعة للأحزاب السياسية، ولا شأن لها بالملف السياسي، بل ينحصر دورهم في البعد الأمني والعسكري، وواجبهم الرئيس حماية العراق من الأخطار الخارجية والداخلية المتمثلة بالإرهاب العدو الأول اليوم، أو في صد أي عدوان على البلاد من أي جهة صدر حتى لو كان من الجيران، تبقى مهنية واستقلالية القوات المسلحة العراقية وحصر السلاح بيدها الخطوة الحقيقية الأولى في طريق الإصلاح السياسي والأمني في الساحة العراقية.
     في ذات السياق نجد أن التوائم ما بين رؤية السيد عبد المهدي رئيس مجلس الوزراء وما بين رؤية الدكتور برهم صالح رئيس الجمهورية في مفصل يعد من أهم المفاصل، ويتمثل بفوضى انتشار حملة السلاح في العراق، فقد أكد الرئيس برهم صالح ان هناك توافقا وطنيا على التزام مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، وتكامل المنظومة الأمنية، وارتباطها برئيس الوزراء بوصفه القائد العام للقوات المسلحة، مبينا أن أي قوة أو تشكيلة خارج المنظومة الأمنية للدولة يتم التعامل معها وفق القانون. قد يكون هذا التوجه غير كاف بعد أن اخترقت العديد من الميليشيات المؤدلجة جسد القوات المسلحة العراقية، هذه الدعوى صحيحة إلا أنها لا تمنع أن يكون حصر السلاح بيد الدولة تبقى خطوة على الطريق الصحيح، ويصار من بعدها ضرورة تنظيف هذا الجسد من المجرمين والمخربين أو من الذين يوالون أحزاب على حساب ولائهم للوطن وقياداتهم في القوات المسلحة العراقية.
     يمتلك رئيس الجمهورية الدكتور برهم صالح رؤية واضحة للإصلاح مبنية على تشخيص دقيق للواقع العراقي بشكل عام والواقع السياسي والاقتصادي بشكل خاص، ولا ريب أن التحديات التي تواجه السيد عبد المهدي والدكتور برهم صالح كبيرة ومعقدة وشائكة وتحتاج إلى حكمة وحنكة سياسية للتعامل معها وتوظيفها كي تكون مخرجاتها تصب في صالح العراق والعراقيين على حد سواء، ونعتقد جازمين أن صالح سيكون ظهيرا قويا يسند توجهات السيد عادل عبد المهدي الإصلاحية لكونه يشاطره الرؤية ويشاركه في العديد من السمات العامة والصفات القيادية التي يحتاجها الواقع العراقي اليوم وتحتاجها الساحة السياسية الواقعية.
     إن حكمة وتجربة السيد عادل عبد المهدي والدكتور صالح وحنكتهما السياسية كما ذكرنا من قبل في مواطن مختلفة ستعيد تأطير المواقف السياسية المعقدة بين الأحلاف والفرقاء على حد سواء، فهما يتمتعان بعلاقة طيبة مع الجميع فضلا عن تميزهما بعلاقات إقليمية ودولية متوازنة، وإن واقعيتهم ستسعفهم لبناء علاقة للعراق والعراقيين مع محوره الإقليمي والدولي على أساس المصالح المتبادلة بين الدول لا على أساس الولاء والتبعية لمنظومة محددة أو محور محدد يستهدف محور مقابل، بل سيسعيان لتحقيق مصالح العراق وفقا لجهودهما الداعمة لاستقلال وسيادة العراق ولو بشكل مقبول واقعيا، كون العراق اليوم يشهد نفوذا إقليميا ودوليا متزايدا، وبات الشارع العراقي يصنف السياسيين على أساس ولائهم لهذا المشروع الإقليمي أو ذاك الموقف الدولي، نأمل نحن العراقيين بحكم رشيد يتعامل على أساس المواطنة والحياة الحرة الكريمة لجميع العراقيين.