الجذور التأريخية لظاهرتي “داعش” و”ماعش” ودورهما في تخريب العراق

د. عبدالناصر المهداوي
مستشار مركز العراق الجديد
     واحدة من أهم التحديات التي رافقت المجتمع العراقي من بعد الاحتلال تمثلت في تبني أفكار تكفيرية متطرفة من قبل شريحة من شرائح المجتمع العراقي وبالتالي ترجمتها إلى سلوك منحرف يستهدف الآخر المخالف له، فتكرس هذا التطرف في نفوس بعض العراقيين فعلا إجراميا بعد أن أتاحت البيئة المشحونة بعد الاحتلال ظهورها فعلا على الأرض لمكونيين من مكونات الشعب العراقي عاشا دهورا متعايشين متحابين لا وجود لهذه الظاهرة من نهاية الدولة العثمانية التي حكمت معظم الأراضي العراقية حتى مطلع القرن العشرين، الاستثناء يتمثل ببعض إرهاصات التأثير لطبيعة الحكم الذي تعاقب على بغداد ما بين السلاجقة والبويهيين وما بين الصفويين والعثمانيين مع اعتبار كونها رصدت ظواهر مجتمعية كانت تمثل استثناء من القاعدة الكبيرة التي اتسم بها من تعاقب على حكم العراق.
      في عمق التأريخ شهدت الدولة الإسلامية على مراحل مختلفة بظهور العديد من الفرق المغالية والمنحرفة التي أربكت المشهد السياسي والأمني في الساحة الإسلامية التي حكمت العالم من تخوم الصين شرقا وشمال أسيا إلى شمال وغرب أوربا في عمق يمتد إلى جنوب اسيا وأواسط أفريقيا، في رقعة جغرافية ممتدة في المكان، وكذا الحال تمتد في الزمن من عهد الخلافة الراشد في أواسط القرن السادس الميلادي وصولا إلى بدايات القرن العشرين بعد انتهاء الدولة العثمانية في مدة تقرب من أربعة عشر قرنا، ولعل أهم الفرق المغالية التي أورثت التطرف والتكفير كانت في فرقة الخوارج في البعد السني، وفي فرقة الحشاشين في البعد المذهبي الإمامي. وبقيت جماعات تتوارث هذا الفكر التكفيري في المذهبين من غير الاحتفاء بالتسمية القديمة بل تلبسها تسميات جديدة تناسب المرحلة المعاشة، وفي الغالب كانت هذه الفرق وإن بدت في بداية أمرها تطرف فكري تُتَرجم عملا وحشيا على الأرض، إلا أن فعلها الحقيقي كان تخريبيا عن قصد أو عن غير قصد، بمعنى أنها قد تكون أدوات في أيدي مشاريع معادية، أو إنها تطرف فكري تترجم إجراما على الأرض.
     عانى الإسلام منذ عصره الأول من هذا الانحراف الفكري والغلو والتنطع والتشدد في الدين متمثلا في ظهور العديد من الفرق التي حادت عن الوسطية، وأولها فرقة الخوارج التي كفرت مخالفيها واستباحوا دماؤهم وخرجوا على الحاكم والشرعية في الدولة، والخوارج  فرقة ظهرت في النصف الأول من القرن الأول الهجري، و بالذات في مناسبة حرب صفين التي دارت بين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام الخليفة الشرعي من جهة، و بين معاوية بن أبي سفيان الذي كان يحاول الاستئثار بهذا الأمر لنفسه من جهة أخرى، حيث رأى معاوية أن علياً سيربح الحرب لو استمرت، فأمر ـ بمشورة من عمرو بن العاص ـ برفع المصاحف، الأمر الذي إنجر إلى التحكيم. و كان أولئك المعترضون على قبول علي للتحكيم هم أنفسهم الذين كانوا قد أجبروه عليه من قبل، كما اعترفوا به هم أنفسهم، كما صرحت به النصوص التاريخية الكثيرة جداً، و هذا ما يكذب ما يدعيه البعض من أن الخوارج كانوا هم المعارضين للتحكيم من أول الأمر .
     ظهر الحديث عن الخوارج وصفاتهم في أدبيات المسلمين في العصر الحديث بعد أن بدأت حركات التطرف تتغلغل في المجتمعات الإسلامية منذ نشأة حركة التكفير والهجرة في مصر في منتصف السبعينات، والتي اقترنت معها المقاربة بين هذه الظاهرة الناشزة وظاهرة الخوارج التي برزت في زمن الفتنة الأولى بين علي رضي الله عنه ومعاوية سنة 36 للهجرة، وتوالى استجلاب هذه المقارنات والمقاربات كلما ظهرت فرقة متطرفة جديدة في بلادنا الإسلامية التي ابتليت بكثرة هذه الشوائب في الآونة الأخيرة. وتشير مجمل الأحاديث لإحدى صفات الخوارج وهي الحكم بكفر المسلمين المخالفين لهم كافة وعلى بلاد المسلمين بأنها بلاد كفرٍ وردة، وإيجاب الهجرة منها إلى مناطق سيطرتهم ونفوذهم، وهو ما تفعله “داعش” تماماً بتكفيرها لكافة المسلمين وبالدعوة إلى الهجرة إلى المناطق التي تسيطر عليها عبر أبواقها الإعلامية من صحيفة دابق وغيرها.
      اتفقت أغلب الأحاديث على وصف الخوارج بكونهم سفهاء الأحلام، أي صغيري العقول والمدارك، مع فهم غريب وعقيم للواقع، وهو ما تجسده داعش بإعلانها لما سمته بالخلافة الإسلامية في غياب تام لفهم الواقع السائد في العالم الذي تسوده القوى الغربية والتي لن تسمح بقيام مثل هذه الأمور، وتشهد شهادات التائبين من داعش على كونهم كانوا مغيبين عقلياً ولا يعون شيئاً مما يعملون. وصفت الأحاديث الشريفة الخوارج بكونهم يقتلون أهل الإيمان ويدعون أهل الأوثان، وهو ما جسّده الخوارج أيام ظهورهم حين كانوا يغيرون على قرى المسلمين، ويدعون قرى المسيحين بدعوى أنهم أهل ذمة وعهد، ولازالت تجسده الحركات الجهادية المتطرفة في يومنا هذا بشكل حرفي، حيث يسقط بسلاحها من المسلمين أضعاف ما يسقط من غير المسلمين، إذ تشير احصائيات سنة 2014 إلى أن 80% من ضحايا العلميات الإرهابية المسجلة سقطوا في 5 دول كلها مسلمة وهي العراق وسوريا وافغانستان وباكستان ونيجيريا، كما أن 78% من نسبة الوفيات في خمس دول إسلامية وهي: العراق ونيجيريا وافغانستان وباكستان وسوريا، سنة 2014 كانت بسبب أعمال ارهابية. بينما لم يسمع مطلقاً عن مخطط لهم معلن أو سري لضرب “إسرائيل” مثلا التي من المفترض أنها العدو الأول لدعاة الجهاد.
   وفي الجانب الآخر من التطرف الفكري الذي ترجم إجراما على الأرض في جذوره التأريخية تمثلت بالميليشيات الإجرامية الخرجة على القانون “ماعش” التي تمت بصلة نسب بطائفة الحشاشين في القرن الخامس الهجري، فقد تمت الإشارة إلى الطائفة النزارية بمصطلح “حشيشية” في الرسالة التي كتبها الخليفة الفاطمي الآمر بأحكام الله سنة 1123م، المرسلة إلى الإسماعيليين في الشام بعنوان (إيقاع الصواعق الأرغام). وكان الهدف من هذه الرسالة نقض مزاعم نزار المصطفى لدين الله بالإمامة، والتأكيد على شرعية خط المستعلي، وقد استُخدم فيها مصطلح الحشيشية، مرتين من دون تقديم سبب واضح. كما أشير إلى النزاريين مرة أخرى بالحشيشية في أقدم كتاب سلجوقي معروف للأخبار، الذي كتبه سنة 1183م عماد الدين الأصفهاني بعنوان “نصرة النصرة”، من دون تقديم معنى اشتقاقي للكلمة. وقد استخدم الأصفهاني مصطلحات أخرى للقذف مثل الباطنية والملاحدة. أما المؤرخون الفرس فلم يستخدموا مصطلح الحشيشية أبدًا، وقد استخدموا مصطلح “الملاحدة”، عندما لم تكن الإشارة إليهم كإسماعيليين.
    لكن التسمية في كل الروايات لم تكن مرتبطة مطلقًا باستعمال الحشيش. وأرجعت آراء أخرى الأصل الاشتقاقي للكلمة وأصل التسمية إلى: أساسان (Assasins): أي القتلة أو الاغتياليون. وهذه لفظة كان يطلقها الفرنسيون الصليبيون على الفدائية الإسماعيلية، الذين كانوا يفتكون بملوكهم وقادة جيوشهم؛ فخافوهم ولقبوهم بـ«الأساسان. عندما قضي على معقل الحشاشين (طائفة باطنية) في قلعة الموت قرب طهران في القرن 5هـ، قال الإمام الجويني: استراح المسلمون والعالم منهم لما يحملونه من عدوانية لكل شيء حضاري وللإنسانية وليس للمسلمين فقط. اتبع الحشاشون الاغتيالات بالخناجر المسمومة مع العباسيين والسلاجقة ووقفوا ضد المقاومة الزنكية التي قاومت للصليبيين وقتلوا القادة والعلماء والحكماء.
     واليوم يعيد بث الحياة بهذا الفكر المتطرف في العراق وسوريا ولبنان واليمن بعد إيران وتتمثل بالميليشيات المسلحة “ماعش” الخارجة على القانون والتي تنشر الخراب والدمار وتقتل على الهوية ولا تتبع في ذلك غير أحقاد تأريخية دفينة، وإن تلبست بلبوس الدين أو الطائفية، وقد أبدى عالم التاريخ الأمريكي William Durant (صاحب موسوعة قصة الحضارة) تعجباً من صفات الباطنيين التي لا توجد عند باقي شعوب الأرض ومن طبيعة العداء وشهوة الإيذاء للبشرية. إلا أن تعجبه الأكبر كان من غفلة المسلمين عن هذه العدوانية (وهم أعرف الناس بأحوالهم) وانعدام حيطتهم لحضارتهم التي تعرضت لموجات دمار متكررة مصدرها فارس. وأصدر Durant حكمه بسهولة على صفات الباطنيين بالجرثومة الاجتماعية التي تقتضي الوقاية لأن ذهنه لا يخضع للوهم.
    ويقول المفكر زهير سالم عن هذه الظواهر وخاصة ظاهرة التدعش وهي ليست ببعيد عن ظاهرة الميليشيات “ماعش”، ف”داعش” و”ماعش” وجهان لعملة إرهابية واحدة، التدعش عند المفكر زهير عقل وقلب وليس تنظيما، سأظل أكرر التدعش حالة هو عقل محدود وقلب ضيق ورؤية للعالم من خرم الذات، وربما أقول إن لكل إنسان – إلا ما رحم ربي – حظه من التدعش يكون أحيانا في الأشخاص وأحيانا في الأفكار وأحيانا في المواقف والسياسات، ومن باب أولى فالتدعش ليس وقفا على دين أو مذهب أو منهج فلكل قوم تدعشهم ودواعشهم بهم يُفتنون ويَفتتون. وأعود إلينا نحن الذين ما نزال ننادي بالديمقراطية ونبشر بها، نتحدث عن حرية الاعتقاد والرأي والتعبير، وما أن يخالفنا مخالف في رأي أو موقف إلا أن تنصب عليه قذائفنا وتنفجر في وجهه براميل كراهيتنا …!!
    ويضيف المفكر زهير سالم؛ يظل المسلم منا يعلم مقولة الامام الشافعي: رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب. وأن المجتهد إذا اجتهد وأخطأ فله أجره وإذا أصاب له أجران، حتى تقع واقعة فيخالفه مسلم آخر مؤهل للخلاف في قضية غير نواقض الوضوء ومفسدات الصلاة فلا يجد صاحبنا المجد تعليلا للخلاف غير الاتهام بالنكوص والانخلاع أو بالكفر والنفاق. هل فعلا أننا عاجزون عن التمييز بين الرجل يخطئ ويلج في الخطأ أو الخطيئة متأولا مذهولا وبين المنافق والمنخلع والمبشر بالفساد؟ أو هو التدعش الذي يرفع راية كل الناس… إلا أنا.
كلمات مفتاحية: