قوانين بيع العراق لن تحمي الفاسدين

د. مهند يوسف
مستشار مركز العراق الجديد
في الدول الوطنية غاية القوانين المالية والاقتصادية فيها ان تكون وبالمقام الأول بهدف حماية الملكية الوطنية، وايضا تساعد على ان تقود المجتمع الوطني إلى التحفيز على الابتكار والتصميم والاختراع وكل مقومات التنمية، وتتطلع تلك القوانين الى تحقيق هدف اجتماعي يكمن في توفير الحماية لنتائج تلك الاستثمارات الوطنية في التطوير ومن ثم تأمين الموارد لتمويل النشاطات الاقتصادية والعمرانية.
ومثل هذه القواعد لتامين الحقوق الوطنية في البلاد التي تحترم مواطنيها تؤدي الى زيادة البحث العلمي وتطوير التقنيات الجديدة ويمكن أن تسهل عمليات انتقال التقنية على شكل استثمارات أجنبية مباشرة أو مشتركة أو مرخصة، إضافةً إلى الأهداف الأساسية للحماية، كذلك تحديد الحقوق الحصرية المعطاة للشركات الأجنبية العاملة فيها، وهي تخضع عموماً لمجموعة من المحددات والاستثناءات والتي تهدف إلى الموائمة بين المصالح الوطنية لأصحاب الحقوق المشروعة وبين المستخدمين والمستثمرين الأجانب.
بينما نجد سلطان القوانين التي أقرت من قبل مجلس النواب العراقي في دورات انعقاده السابقة بعد التغيير، تحابي كثيرا المستثمرين الأجانب والراسمال الدولي من خلال قوانين تأسيس الشركات العاملة والضرائب على أرباح الاستثمارات الرأسمالية، او على الدخل او المعدلات الضريبية او في تأجيل سداد الضرائب إلى مدد زمنية طويلة معينة.
وهذا الامر ليس بجديد على العراقيين خاصة اذا تصفحنا كتب التاريخ بعناية، فبينما تصور اغلب كتب التاريخ الحديث للعراق التقليدية والتي كتبت اعتمادا على المصادر والوثائق البريطانية وعلى القليل من المصادر المحلية الضعيفة، ان أحوال ولايات العراق الثلاثة التي كانت خاضعة لظل الدولة العثمانية طغى عليها البؤس والفقر والجهل، وان مصادر الموارد المحلية كانت تذهب لصالح الدولة السنية العلية، وعندما جاء الاحتلال والانتداب الغربي، اراد تحويل العراق الى دولة عصرية شبيهة بالنمط الغربي من حيث الحضارة والثقافة والصناعة والزراعة والقوانين المالية الجديدة الحاكمة.
بينما نجد حين نطالع الوثائق الأمريكية محدودة النشر صورة أخرى لأحوال العراق آنذاك، حيث الخسائر التجارية والفقر والجهل هو الذي ساد أبان الاحتلال البريطاني للعراق، وليس قبله، وكان من اهم أسباب تلك الخسائر والفقر والجهل، والقوانين المالية الجديدة التي أقرت في عهد الانتداب البريطاني، والتي أدت الى إفلاس عدد كبير من التجار المحليين، وكانت سببا لخسائر كبيرة بينهم، والتي تعود كما نصت الوثائق الأمريكية الصادرة عن القنصلية الامريكية  في بغداد على “ظروف العمل السيئة السائدة في المنطقة عموما، وان أحد اكبر واهم الأسباب لبعض الإفلاسات التي طالت التجار العراقيين وأولها، قانون الاحتكار الجديد الذي يتعلق بتجارة السكر والشاي بعد الحرب العالمية الاولى. فالقانون المذكور تسبب بانخفاض سعر السكر وحوصر عدد كبير من المتعاملين وتكدست بضائع السكر فجعلت التجار غير قادرين على الوفاء بالتزاماتهم المالية واضطروا بسببه للإفلاس”.
 فالعراق كان يعتمد على حيوية الازدهار التجاري في تجارة الترانزيت، والتي تمر عبره، وربما كان نصف رأس المال المستثمر في مجال التجارة موجود في هذه التجارة ونصف الأرباح المتحققة مستمدة بشكل مباشر من هذا العبور، وكان الفرس يبذلون كل جهد ممكن لتحويل تجارتهم منه وتوجيهها الى كل الطرق الفارسية من خلال المحمرة لكنهم لم ينجحوا في ذلك الا بعدما احتل البريطانيون تلك الأرض.
ولعلنا لا نبالغ إذا اكدنا ان التحول نحو الغرب بالنسبة للعراق، وبالطريقة والكيفية التي حدث بها ذلك، والتي تكررت بعد 2003، وما جاء به المحتل من مفاهيم وقيم، حملها بعض المؤمنين بها من المحليين، كان سببا أساسيا في تدمير مراكز القوة الاقتصادية والحضارية التي كان يتمتع بها العراق.
فبينما نرى على الصعيد الاستراتيجي ان إقرار الوثائق الأمريكية بتسوية مسألة حدود الموصل وكركوك لصالح العراق على سبيل المثال انما كانت بسبب الآفاق الوفيرة للقمح والشعير والمحاصيل الأخرى التي كانت تتمتع بها تلك المنطقة، وربما كانت ايضا من النقاط الهامة التي نظر اليها بصدد افتتاح البنوك الغربية الجديدة فيها فروعا جديدة، الى جانب ظهور المؤشرات الواعدة للنفط فيها.
فالقمح والشعير كانت في عشرينيات القرن الماضي من المسائل الاستراتيجية للدول العظمى في العالم انذاك كبريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا، اذ ان الطعام كانت بالنسبة لهم هي من اهم المسائل الحساسة والعامل الاهم للاحتلال والتوسع، لكنها وبعد ذلك وبفضل التقدم  الزراعي والاسمدة والتطور الجيني والعلمي فقدت الزراعة مكانتها الاستراتيجية تلك، اما بالنسبة للطاقة الاحفورية فالاولوية الاستراتيجية كانت من الاربعينيات وحتى السبعينيات من القرن الماضي بالنسبة للدول العظمى، ولكن حينما نشات وبدات بدائل هذه الطاقة كطاقات بديلة كالشمسية والذرية والرياح وغيرها فقدت اهميتها الاستراتيجية، اما اليوم فالتحدي والاولوية الاستراتيجية للعالم وللدول العظمى فهو قطاع الاتصالات والتكنلوجيا والنانو، وبالتالي على الباحث الاستراتيجي الا يخلط في الاولويات الاستراتيجية للدول لانها متبدلة ومتغيرة بحسب الزمان والمكان.
وبشكل عام بقيت وطوال القرن العشرين وحتى يومنا هذا نظرة مجموعة مصالح العمل المصرفي الدولية نحو العراق كونه “مفتاح” ونقطة الأعمال المصرفية وإمكانيات الأعمال التجارية في الشرقين الأدنى والأوسط، واعتقدت هذه الراسمالية أن هناك احتمالات جيدة لتعظيم الزيادة في الأعمال التجارية والازدهار العام لجميع أنحاء الشرق الأوسط، انما يتم من خلال تطوير الطرق المختلفة على طول ارض الفرات ودجلة ومن خلال ايضا استغلال نفط ما بين النهرين، ومن خلال زيادة تجارة الترانزيت من وخلال طريق الحرير.
فبشكل رسمي كانت السياسة الخارجية للدول العظمى تتركز في ضرورة التزام شركاتها ومصالحها الخاصة بالتعليمات والقوانين للحكومات المحلية الجديدة كضرورة قصوى والتي من شأنها أن تكون مفيدة بالنسبة لهم، وفي المقابل فيما يتعلق بالعراق فقد طردت قوانينه الشركات الدولية الاستثمارية رغم ان حكومة العراق المحلية جعلتهم معفيين من القوانين التي سنت لتنظيم الأعمال والنشاطات الاقتصادية والمالية الخاصة مع الاجانب الاخرين، لكن الفساد طغى على سلطان تلك القوانيين وجعلها حبيسة هيئة الاستثمار.
لذلك فقدنا كعراقيين سوقا عالمية لمنتجاتنا المحلية كان العالم اجمع فيه عملاءنا على حد سواء، بحيث اصبحت صادراتنا الشرقية كالسجاد والسوس والصوف والقطن والتمر والشلب وغيرها من المنتجات المحلية غائبة عن الاسواق العالمية.  وحتى فقدنا سوق العمل السياحي للاثار والتي كانت بالنسبة لبعض الشركات السياحية العالمية سببا في نمو وتطور الشركات المصرفية للبنوك الدولية في العراق. واستبدلنا بمقابل ذلك الزيارات الشيعية للمراقد والتي لم يستفد منها العراق سوى اعطاء اللصوص الغطاء الديني والبركة الحوزوية والثواب لاعمالهم التي دمرت اقتصاد ومجتمع العراق.
كلمات مفتاحية: