رؤية في إعادة إعمار وتأهيل ما تم تدميره من مدن العراق بسبب الإرهاب والأعمال الحربية التي رافقته

د. عبدالناصر المهداوي
مستشار مركز العراق الجديد
      واحدة من أهم مخلفات وآثار الإرهاب تكمن في تدمير محافظات العرب السنة من قبل التنظيم الإرهابي “داعش” سواء بشكل مباشر أو من خلال العمليات الحربية التي استهدفته بها، وتتباين المساحات المدمر من مدينة لأخرى ومن حي لآخر، بعضها تجاوز التدمير بها نسبة 80% كما هو الحال مع الجانب الأيمن من مدينة الموصل وبعض مدن الأنبار، وأقل منه في صلاح الدين وديالى وكركوك وحزام بغداد. ولو تناولنا الجانب الأيمن لمدينة الموصل كأنموذج نقيس عليه لكانت هذه الكلمات ذات جدوى في بعدها النظري، تنتظر تنزيلها واقعا على الأرض من قبل الحكومة الاتحادية بالتعاون مع الحكومة المحلية لمدينة الموصل.
     يعد إعادة إعمار المناطق المنكوبة وتعويض المتضررين بها أولوية تقتضيها متطلبات مرحلة ما بعد “داعش” لأي حكومة تدعي أنها جاءت من أجل المواطن العراقي، ولنحسن الظن بالموجود الآن بصرف النظر عن منظومات الفساد ومافيات الدولة الطائفية العميقة التي تسببت بدمار هذه المدن. وفي نظرة تعريفية سريعة لمادة موضوع المقال فإن الجانب الأيمن من الموصل وإن كان أصغر مساحة من الجانب الأيسر، ولا تتجاوز مساحته 40% من المساحة الإجمالية للموصل، إلا أنه يضم أكثر من نصف أحياء المدينة (99 حيا ومنطقة سكنية من أصل 183). ومع اعتبار أن الموصل ثاني أكبر مدينة عراقية من حيث السكان بعد العاصمة العراقية بغداد، وتجاوز عدد نفوس محافظة نينوى الثلاثة ملايين نسمة، فإن الجانب الأيمن يمثل البؤرة السكانية الكثيفة، والتقديرات تشير لمليون نسمة كانت تقطن الجانب الأيمن قبل تمكين التنظيم الإرهابي “داعش” من رقاب أبنائها.
      والجانب الأيمن هو أصل مدينة الموصل، ويطلق على بعض أحيائه الموصل القديمة. يمتاز بأحيائه العتيقة وتقارب مساكنه وضيق أزقته، إضافة إلى قرابة 100 حي ومنطقة سكنية، يضم الجانب الأيمن أهم المباني الحكومية (حوالي 20 دائرة حكومية)، وعلى رأسها مبنى مجلس محافظة نينوى، ومطار الموصل الدولي ومعسكر الغزلاني، إضافة إلى المقر الرئيسي لمحكمة نينوى ومديرية الشرطة وقيادة عمليات نينوى. وتؤكد تقارير صحافية أنه يضم أيضا سبعة مستشفيات كبرى، على رأسها مستشفى الموصل العام، و15 مركزا صحيا، إضافة إلى كلية طب الموصل وهي من أقدم كليات الطب وأرقاها علميا في العراق، ويضم الجانب الأيمن أيضا عددا هائلا المساجد على رأسها جامع النوري الكبير الذي أطل منه زعيم داعش أبو بكر البغدادي في أول ظهور علني له بعد احتلال المدينة في العاشر من حزيران 2014.
     وبعيدا عن تفاصيل المأساة المؤلمة فإن نسبة الدمار في الجانب الأيمن يتجاوز 80% حسب تصريحات مجلس محافظة نينوى الجهة الرسمية التي ممكن أن نطمئن حين تكون مصدر المعلومات باعتبارها جهة القرار في الحكومة المحلية المعنية بالمحافظة. وبالتالي فإن ما يزيد عن المليون نسمة تقريبا لا تستطيع أن تعود إلى مدينة نسبة الدمار فيها تزيد عن 80% بل لا بد من حلول حقيقية تنتظر أن تشق طريقها على أرض الحدباء من قبل الحكومتين الاتحادية والمحلية، ويقيني أن الحكومة المحلية لا تستطيع حل معشار هذه الإشكالية من حساب موازنة تنمية الأقاليم البائسة التي تصل للمحافظات وتخضع لصلاحية مجلس المحافظة والإدارة المحلية، لذا تتوجه الأنظار صوب الحكومة الاتحادية التي تعاني هي الأخرى من نقص حاد في الموارد المالية وتصاعد العجز في الموازنة العامة.
      وإذا ما علمنا أن تكلفة إعادة إعمار المدينة القديمة هي مابين 30-40 مليار $ بحسب تصريح معاون محافظ نينوى أمين ألفنس الذي وصف الخسائر المادية كبيرة جدا في عدة مناطق من الموصل خاصة في المدينة القديمة، موضحا في تصريح لموقع “الحرة” أن الكلفة الأولية لإعادة إعمار المدينة تتراوح بين 30 إلى 40 مليار دولار. لذا فإن التعويل على الموازنة الاتحادية في الإعمار يكون في غير محله لافتقار الحكومة لمثل هذا الكم من الأموال، لذا كان لا بد من التفكير بطريقة أخرى أكثر جدوى، ولعل حقيقة الإشكالية تكمن في البعد الإداري وترتبط بالضرورة في البعد المالي الذي تفتقر إليه الدولة العراقية الغنية في المرحلة الراهنة. فكيف السبيل إلى معالجة النقص الحاد في الأموال الذي تحتاجها المدينة بعد تدمير يتجاوز 80% في البنى التحتية وفي المشيدات الفوقية.
     كما أسلفنا فإن الحل يكمن لدى أصحاب القرار، وهو بالدرجة الأساس إداري فني قبل أن يكون ماليا، مع اعتبار أهمية المال في مثل هذه الملفات، فلو توفرت الإرادة الحرة والقرار الحازم والحكمة لدى أصحاب الشأن لاستطاع العراق تجاوز هذه المأساة ولو في الحدود الدنيا التي تعوض النازحين وتعود بهم إلى أماكنهم بعد تأهيل البنى التحتية وتوفير الخدمات، هذا فضلا عن توفير سكن يليق بالشعب العراقي المكلوم. فمدينة الموصل القديمة قيمة وثمينة في محتواها البشري، وكانت تعاني من ظاهرة اكتظاظ السكان والتداخل في المباني فضلا عن كون أغلب الأحياء القديمة مبانيها عتيقة وعملية لإعادة تأهيلها مستحيلة أضف إلى كونها مكلفة، وفي وسع الحكومتين الاتحادية والمحلية تدارك الأمر واستثمار هذه المأساة وإعادة تأطيرها بشكل إيجابي يعود على المواطن العراقي من أبناء الموصل بالخير العميم، ويعود على المدينة بالإعمار.
    السؤال الأهم كيف يكون ذلك؟ الجواب وببساطة يكون عن طريق الاستثمار الجاد، وقد يسأل سائل أن مافيات الفساد قد تعيق ذلك، وهذا التشخيص دقيق لذا يتوجب على الحكومة الاتحادية التدخل المباشر وبإشراف الحكومة المحلية ودعوة شركات كبيرة محلية وعالمية بضمانات كافية تشجع المستثمرين وتجذبهم. وفي الإمكان إعطاء مثال يقاس عليه، فلو فرضنا أن حيا من أحياء المدينة القديمة مكون من مائة عائلة مدمر بالكامل أو بتدمير جزئي، ووفق معلوماتنا المتوفرة أن البناء في غالب أحياء الموصل أفقي. واليوم هو عبارة أنقاض على مساحة مقدرة-مثلا- 10كم مربع، فباستطاعة الحكومة أن تتعاقد مع شركة كبيرة جادة تشترط عليها بناء مجمع سكني يتكون من خمسمائة وحدة سكنية ببناء عمودي حديث، يضاف إليها بناء كافة الأبنية المرافقة كالمدارس والمستشفيات والأسواق والحدائق مع بنية تحتية متكاملة تعتمد تدوير النفايات والمخرجات، شريطة أن تعطي لكل عائلة من العوائل التي دمرت مساكنها سكنا يتناسب وحجم المدمر الذي تملكه العائلة على الأرض، وتعطي للدولة جميع الأبنية المرفقة من مدارس ومستشفيات وشوارع وخدمات صحية بلدية، بحسب عائدتها لجهة الاختصاص من الوزارات، ويستفيد المستثمر من بقية المساكن والأسواق ليبيعها على الراغبين ويكسب من خلالها بما يناسب ما تكفله من مال.
     في المثال السالف الذكر لا تتحمل لا الحكومة الاتحادية ولا الحكومة المحلية أي تكاليف يثقل كاهل الميزانية القاصرة ابتداء، مع اعتبار إعادة إعمار الحي هذا على طراز حديث ووفق مواصفات حديثة تُرَغِب الآخرين بالسكن فيه، هذا فضلا عن توفير ميزانية المؤسسات التعليمية والصحية والبلدية أموال طائلة سيتحملها المستثمر عن طيب خاطر لكونه في النهاية سيستفيد من هذا المشروع، شريطة أن يحمى من ابتزاز مافيات الفساد المعشعشة على دوائر الدولة الاتحادية والمحلية، وهذه مقدور عليها بمزيد من الرقابة والشفافية وإعطاء المجتمع المدني والإعلام كافة الصلاحيات بالاطلاع على تفاصيل سير المشروع من نقطة الشروع  إلى حين اكتمال المشروع، أو تملك أن تكون الشركات مؤمنة من دولها وفق اتفاقيات دولية مع العراق.
      وتملك الحكومة الاتحادية دعوة الدول المانحة والدول المستثمرة وبضمانات الحكومة الاتحادية والقانون العراقي مع ضمانات بنوك دولية إلى تعميم هذا الاستثمار على المرافق الأخرى كالأحياء السكنية والمرافق السياحية والأسواق والأبنية الساندة للبنى التحتية لوزارة البلديات ووزارة التربية ووزارة الصحة، وحتى الإسكان والاعمار والطرق والجسور سيتم توزيعها على الشركات المستفيدة من هذه الاستثمارات التابعة لدول كبيرة كالولايات المتحدة الأمريكية والبلدان العربية والدول الجارة والشقيقة كتركيا والسعودية وإيران وغيرها شريطة أن تضمن حكومة هذه الدول مع الحكومة العراقية هذه الاستثمارات ببيئة آمنة مستقرة تفوت الفرصة على المتصيدين بالماء العكر، من الذين يوظفون الإرهاب لصالح أجندة اقتصادية محلية أو إقليمية أو دولية، واليوم الشعب العراقي من الوعي بمكان بما يؤهله أن يحتوي هذه المخاطر بالتكاتف مع الحكومة الوطنية حين تثبت مصداقيتها وتنفي خبثها من الفاسدين والطائفيين والعملاء المأجورين، وبالتالي سيكون المواطن العراقي درعا لها، ويساندها في توفير الاستقرار العامل الأهم في ملف الاستثمار.
    المطلب الرئيس من الحكومة ومجلس النواب العراقي في دورته الرابعة وكافة المؤسسات والدوائر التابعة لهما العمل لتحقيق مصالح العراق لا مصالح إيران أو الولايات المتحدة الأمريكية، والعمل على تحجيم الفساد بالقانون والمراقبة وتفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني والإعلام، ودعم المعارضة البرلمانية الإيجابية التي ترصد عمل الحكومة وتسدده، وتفعيل قانون الاستثمار بما يكفل عمل المستثمر ويشجعه ويضمنه كذلك، ولكون اليوم لا تزال الثقة بالحكومة الاتحادية في ظل الأوضاع المتردية للواقع العراقي المعاصر ضعيفة من أغلب الشركات الكبرى لذا لو توجهت البوصلة بضمانات تتكفل به دول هذا الشركات قد يحقق نجاحا في دعم هؤلاء المستثمرين، ولا بد لأصحاب القرار من فعل على الأرض يعزز العلاقة بين الحكومة والمواطن العراقي.