قنبلة نووية ام قنبلة ديمقراطية لايران؟

د. مهند يوسف
مستشار مركز العراق الجديد
ان معيار قبول امتلاك دولة ما أسلحة نووية يعتمد اليوم عند الدول العظمى على درجة ومستوى ديمقراطية تلك الدولة وقربها من النظام الدولي، ولذلك على الدول المختلفة التي تريد اختيار القدرات النووية ان تكون على حذر من سبب اختيار تلك القدرات، وهل الاختيار يقع لاستخدامها لاسباب اقتصادية او بسبب الطاقة ام لاسباب سياسية..
في دول كايران فان اختيار الوصول إلى القدرات النووية التي تؤهلها لإنتاج أسلحة نووية اسهل لها من إصلاح نظامها السياسي وتطبيق الديمقراطية الحقيقية، فايات الله في إيران، على سبيل المثال، لا يريدون تحقيق اي إصلاح سياسي رئيسي على مدى السنوات القادمة لبلادهم، وبالتالي فهم يعملون على أن تتقدم إيران في عملية تخصيب اليورانيوم خلال هذه الفترة لضمان بقاء حكمهم، اذا لم يتدخل الامريكان لتغير هذا الاتجاه، وهكذا يكون الردع النووي ضمانة سياسية للبقاء ضد التحديات الداخلية والخارجية.
اما بالنسبة للقبول الدولي بامتلاك اسلحة الدمار الشامل لايران ولمثل هذه الدول فان التخلص من الأنظمة المارقة، وبالتالي من الأسلحة النووية التي قد تمتلكها، فانها مرتبطة بإستراتيجية الأمن القومي الامريكي، والتي أعلنت عنها إدارة بوش في خطابه الشهير عن “محور الشر” حين قال عام 2002 “أن الولايات المتحدة سوف تسعى لحماية أمنها عبر التخلص من الأنظمة المارقة التي تمتلك أسلحة دمار شامل، مثل إيران والعراق وكوريا الشمالية”.
لكن حتى اليوم لا يعد برنامج تخصيب اليورانيوم الإيراني دليلا على فشل سياسة منع انتشار الأسلحة الذرية فحسب، وإنما أيضا برهانا على فشل الإستراتيجية الأمريكية تلك التي جعلت انتشار هذه الأسلحة أقرب إلى الواقع.
فالمشكلة عند الامريكان هم الأشرار وليست القنابل الذرية، اذ قسمت نظرية السلام الديمقراطي العالم إلى أصدقاء ديمقراطيين وأعداء غير ديمقراطيين، وبهذه النظرية التي يؤيدها العديد من صناع القرار والسياسيين والاستراتيجيين الأمريكان، فانه لن يكون من المنطقي مواصلة المعاهدات التي تحد من القوة العسكرية لجميع الدول بما فيها إسرائيل والهند، وبالتالي فان فرضية مبدأ عدم انتشار الأسلحة والذي يقول بان الأسلحة النووية هي المشكلة، لم تعد هي السائدة هذا اليوم وانما السائد هي الاستراتيجية الجديدة التي تعتقد ان الأشرار الذين يمتلكون سلاحا نوويا هم المشكلة.
والدليل على ذلك أنه لا يوجد مثلا مطلب دولي ملزم بإعلام الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن نقل المعدات اللازمة لإنتاج المواد القابلة للانشطار او الأسلحة النووية وان هناك عبثية في السيطرة على التكنولوجيا النووية، حيث سوق المواد اللازمة لمصانع تخصيب اليورانيوم وصناعة القنابل، بعيدة عن قوانين الاستيراد وضباط الجمارك والمخابرات، وكذلك يعد معظم ممولي التكنولوجيا الأساسية للشبكة والوسطاء معروفين من قبل حكوماتهم ايضا.
اما وجهة نظر الداعين إلى تغيير الأنظمة المارقة فيمكن ان تصبح عملية منع الأشرار أسهل، من خلال اتباع إستراتيجية جديدة، تستند الى تقليل العقوبات المفروضة على الديمقراطيات الصديقة، فمنذ منتصف الستينيات لم تسع الولايات المتحدة للضغط على إسرائيل للتخلي عن سلاحها النووي، اذ أن حقيقة كونها دولة ديمقراطية صديقة جعلها مستفيدة من المعايير الأمريكية المزدوجة، حتى وصل الأمر إلى أن أصبح مبدأ استراتيجيا. وكذلك الهند واستراليا من المستفيدين من هذه الإستراتيجية، حيث هناك خطة تعاون نووي بينهما والولايات المتحدة، الأمر الذي أغفل جميع المعاهدات الدولية، التي تمنع عقد اتفاقات مع أي دولة لا تخضع منشآتها النووية للرقابة.
هذا النوع من التوسع في إنتاج المواد القابلة للانشطار في دول غير نووية في ضوء هذه الاستراتيجية ممنوع مع دولة مثل إيران، حيث لا يمكن ضمان الاعتماد على تغيير النظام الايراني سلميا حتى يمكن إيجاد اتجاهات سياسية لوقف او تعاون او مساعدة برامج التسلح النووي الايراني.
ومن ناحية أخرى، فأن تغيير النظام الايراني بالقوة له أخطاره الشديدة، فما حصل في العراق وهي الحالة الوحيدة التي تغير فيها نظام كإجراء عسكري مباشر لمنع انتشار السلاح النووي كما اعلن، لكن مع ذلك لم يستطع الجنود الأمريكان من تأمين مخازن السلاح والمواد النووية، والتي انتهى بها المطاف لتصبح في أيدي الايرانيين، خصوم الولايات المتحدة اليوم، لذلك فان حظر انتشار الأسلحة عبر التحول إلى الديمقراطية أو تغيير النظام بالقوة قد يزيد من الطلب على تلك الاسلحة والقدرات النووية.
اذن فالمسالة هنا انه لن يكون هناك اي اعتراض سواء على المستوى الأخلاقي أو السياسي أو الاستراتيجي على امتلاك الدول “الصديقة” أسلحة نووية ، وسواء أكانت ديمقراطية ام ديكتاتورية، فلا يوجد مانعا من أن تبني الديمقراطيات والدول الصديقة حصونا لها؟ لكن ذلك سيعطي انطباعا بأن معاهدات مراقبة الأسلحة ليست سوى حبر على ورق.
وفي الواقع لا يوجد اليوم تحد فعلي لانتشار الأسلحة النووية يمكن أن تواجهه الولايات المتحدة لوحدها، ومع ذلك فإن استراتيجية انتقاء المقربين تهدم من مسالة التعاون الدولي الذي بدأ بعد الحرب العالمية الاولى، حيث لا يوجد اتفاق عام على من هو الجيد ومن هو السيئ، ومن هو الخير ومن هو الشر، ومثل تلك الاختلافات قد تؤدي إلى تفكك التحالفات اللازمة لدعم القوانين الدولية، وقد تؤدي أيضا إلى صراعات.
فالمشكلة الأساسية هنا هي أن العديد من الدول تبدو رمادية في نظر الولايات المتحدة، فباكستان الآن تعد الان أنها دولة “جيدة” نصف ديمقراطية وتمتلك سلاحا نوويا، لذلك يمكن بيع أسلحة متقدمة لها، ولا تضغط عليها لوقف نشاطها النووي، ولكن في نفس الوقت لا تراها جيدة بما يكفي حتى تتعاون معها نوويا كما فعلت مع الهند.
أما المشكلة الثانية فهي أن الدول الجيدة قد تتحول إلى سيئة، او تتحول من سيئة الى جيدة بالعكس، فالعراق كان الشريك الجيد المفضل للولايات المتحدة ضد إيران في الثمانينيات، واصبح سيئا منبوذا في التسعينات، اما ايران التي كانت سيئة منبوذة في الثمانينات اصبحت جيدة في عهد اوباما ووقعت معه الاتفاق النووي المشهور، ثم تحولت الى سيئة جدا الان في عهد ترامب، لذا يجب أن يكون هناك معايير واضحة ومستديمة لسلوك الدول لمواجهة خطر السلاح النووي أينما كان، وفي جميع الدول سواء كانت ديمقراطية أم غير ذلك.
وبالتالي على الولايات المتحدة دعم العرف العالمي المطالب بحظر انتشار الأسلحة النووية، والذي بدونه لا يمكن احتواء عملية انتشار السلاح النووي، وأن تعيد النظر في التصديق على معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية  CTBT.
اليوم لايوجد من حقق الديمقراطية المستقرة القريبة من النظام الدولي سوى 25 دولة فقط من بين حوالي اكثر من 100 دولة حاولت التخلص من الحكم الفاشي على مدى عدة عقود سابقة، في حين تعتبر الدول المرشحة لامتلاك أسلحة نووية، كإيران، صامدة حتى الان امام استراتيجية تغيير النظام أو التحول إلى الديمقراطية.
 اما الولايات المتحدة فهي اليوم لا تتمتع بحق رفض التعاون المباشر مع الزعماء الذين ترغب في تغييرهم، والذين يتخذون قرارات في السياسة النووية، سواء اعتقدت أنهم رجال جيدون أم سيئون. كما أنها أيضا لا تتمتع بالنفوذ الكافي لحظر انتشار السلاح النووي مستقبلا إلا في ظل القوانين الدولية، ولكن سوف تطبق القوانين الدولية بشان الاسلحة النووية عندما تكون عادلة، وعندما ينظر إلى منتهكيها على أنهم مجرمون، وأخيرا فإن استراتيجية تجاهل القوانين الدولية لتغيير الأنظمة التي لا تحبها أمريكا، وتغيير القوانين لمكافأة من تقف إلى جوارهم، سوف لن يكتب لها النجاح الا بعد ان تتخلى الولايات المتحدة عن المعايير المزدوجة.