العلاقات العراقية السعودية وأثرها على عودة العراق لمحيطه العربي

د. عبدالناصر المهداوي
مستشار مركز العراق الجديد
     انسلاخ العراق عن محيطه وعمقه العربي يعد واحدة من تداعيات وآثار الاحتلال الأمريكي للعراق في 2003 وتسليمه على طبق من ذهب إلى الهيمنة الإيرانية مع انسحاب القوات الأمريكية نهاية 2011، وبقي العراق وليومنا هذا في 2019 أسير منظومة الحكم التي تهيمن إيران على مشهده السياسي والأمني، وتعد الهيمنة الإيرانية على الساحة العراقية من الحقائق المعلومة من السياسة بعد الاحتلال بالضرورة، لا ينفي هذا التوصيف دور الولايات المتحدة الأمريكية وتأثيرها في المشهد السياسي والأمني العراقي، فهي التي تسببت بسقوط النظام السابق، ودمرت البنية التحتية للدولة العراقية، وأسلمتها للفوضى الخلاقة دون أن تعيد ترتيب المشهد فيها لساعة كتابة هذه الكلمات، على الرغم من جهود وأموال وآلاف القتلى التي تكبدتها نتيجة احتلالها العراق. ومن المؤكد أن نرصد تخادما كبيرا بين الولايات المتحدة الأمريكية والنظام الإيراني قبل الاحتلال وفي ولايتي باراك أوباما الذي قدم الكثير للنظام الإيراني على حساب المصالح الأمريكية ومصالح العراق.
     إلا أن سياسة الولايات المتحدة الأمريكية شهدت تحولا كبيرا بعد أن وصل الجمهوريون للحكم وتسنم الرئيس دونالد ترامب مسؤولية البيت الأبيض ليفضح ويعارض سياسة سلفه أوباما تجاه إيران، ترامب استهل حكمه بتنفيذ ما وعد به في حملته الانتخابية المرتبطة بإيران، وافتتحها بنقض الاتفاق النووي، وشدد الخناق عليها بالعقوبات والحظر وعلى مرحلتين، وعززها باستهداف آخر قلاع النظام الإيراني بإدراج الحرس الثوري الإيراني على قوائم الإرهاب، الخطوة التي تعد المسمار الأخير في نعش النظام الإيراني إذا ما استهدفته الولايات المتحدة الأمريكية بعمل عسكري، أو أذا عملت على تحجيم نفوذه المتزايد في العراق وبقية بلدان الشرق الأوسط كسوريا ولبنان واليمن. وإذا ما اعتبرنا تمكين الحرس الثوري الإيراني فقط على 20% من الاقتصاد العراقي بحسب تقارير أمريكية، هذا فضلا عن تمكين مؤسسات النظام الإيراني الأخرى على مفاصل أخرى كبيرة من الاقتصاد العراقي فهذا يعني إن الاقتصاد العراقي مهدد على وجه الحقيقة وبصورة مباشرة حال وقوع مواجهة ما بين الولايات المتحدة الأمريكية والنظام الإيراني.
      من هنا جاءت خطوة إعادة تعزيز العلاقات ما بين العراق ومحيطه العربي كطوق نجاة للعراقيين حكومة وشعبا، وتعد المملكة العربية السعودية ممثل حقيقي وكبير لهذا المحيط العربي لما لها من رمزية كبيرة لدى العالم العربي والعالم الإسلامي بسبب مكانتها الدينية بوجود الحرمين الشرفين، أضف إليها مكانة المملكة الاقتصادية، ودورها الرائد في تعزيز العلاقات بين الدول العربية، وبعيدا عن الخلاف الخليجي الذي يعد خلاف أشقاء، يمكننا القول بكون تعزيز العلاقات العراقية السعودية بالدرجة الأساس وبقية بلدان العالم العربي كالأردن ودول الخليج وبلدان الشمال الأفريقي سيسهم بفاعلية انتشال العراق من أزماته المستحكمة وخضوعه الكبير للولايات المتحدة الأمريكية والنظام الإيراني، وسيعزز من قدراته الاقتصادية بشكل عام، وبشكل أخص سيتحرر من قيد الخضوع للنظام الإيراني بعد أن قدم جل القادة السياسيين الذين حكموا العراق مصالح إيران على حساب مصالح العراق المشروعة.
     كانت البداية في زيارة وفد اقتصادي سعودي رفيع يضم سبعة وزراء، والعشرات من ممثلي الوزارات والفعاليات الحكومية والشركات الخاصة في 3/4/2019 زيارة رسمية للعراق. وكان في استقبال الوفد بمطار بغداد الدولي عدد من الوزراء وكبار المسؤولين العراقيين. ويضم الوفد الذي يرأسه وزير التجارة والاستثمار الدكتور ماجد القصبي، وزير الثقافة الأمير بدر بن عبدالله بن محمد بن فرحان، ووزير البيئة والمياه والزراعة المهندس عبدالرحمن الفضلي، ووزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية المهندس خالد الفالح، ووزير التعليم الدكتور حمد آل الشيخ، ووزير الإعلام تركي الشبانة، ووزير الدولة لشؤون الخليج العربي ثامر السبهان. كما يضم الوفد الذي يعد أكبر وأبرز وفد سعودي يزور العراق منذ سنوات، ممثلين عن عدد من الوزارات والمصالح العامة وكبريات الشركات السعودية الراغبة في الاستثمار في العراق في مختلف القطاعات، فضلاً عن رجال الأعمال والشخصيات الاقتصادية والثقافي.
     تجاوبت الحكومة العراقية بفاعلية مع هذا الوفد الضخم وتم استقبله من قبل السيد رئيس مجلس الوزراء الذي رحب بـالوفد السعودي، مؤكدا تصميم الحكومة العراقية على اقامة افضل العلاقات بين الشعبين والبلدين الشقيقين العراقي والسعودي بما يحقق خير ومصلحة البلدين، و جعل هذه العلاقة تشكل حجر زاوية للعلاقات في المنطقة على اساس المصالح الكثيرة التي تجمع شعوبنا ودولنا، كما اكد عبد المهدي حرص العراق على توسيع علاقاته مع محيطه العربي والاقليمي وانتهاج سياسة تركز على المشتركات الكثيرة وفرص التعاون الواسعة في جميع المجالات وتطلعه الى تحقيقها في المباحثات الجارية في بغداد، وخلال زيارته المقبلة الى المملكة العربية السعودية.
   من جهته اعرب رئيس الوفد السعودي عن سعادته والوفد الكبير المرافق له بزيارة العراق وبانعقاد المجلس التنسيقي العراقي في بغداد الذي يجسد الرغبة الجادة بتطوير العلاقات العراقية السعودية، ونقل القصبي تحيات الملك السعودي وولي العهد الى عبد المهدي وتمنياتهما بتحقيق العراق المزيد من النجاح والتطور والاستقرار، وتأكيد القيادة السعودية على ان العراق ليس دولة جارة فحسب وانما بلد شقيق نحرص على التعاون معه ونقدر تضحيات شعبه، وجرى استعراض عمل المجلس التنسيقي العراقي السعودي والمباحثات الجارية بين الوزراء والمسؤولين في البلدين بمختلف القطاعات والتقدم الذي تشهده لمصلحة البلدين.
      تكللت الزيارة بالنجاح وأثمرت خيرا كثيرا للعراق، وتعد خطوة إلى الأمام وتلامس إلى حد ما طموح العراقيين، خاصة وان المشاريع المقترحة هي: بناء مدينة الملك سلمان الرياضية، مزاولة منفذ جديدة عرعر العمل بعد ستة اشهر وهو المنفذ البري الوحيد الذي يربط السعودية بالعراق و منه الى قارة آسيا، ربط منظومة الكهرباء الخليجية مع العراق، رفع مستوى التبادل التجاري بين البلدين من نصف مليار الى اربعة مليارات سنويا وصولا الى عشرة مليارات في الاعوام القادمة، فتح الجامعات السعودية ابوابها لأكثر من الفي زمالة دراسية عراقية سنويا، افساح المجال للعراقيين لزيارة السعودية بتنشيط الحركة السياحية والثقافية بين البلدين،  انشاء مزارع نموذجية في الصحراء الغربية و تشغيل 50 الف من الايدي العراقية في هذا المجال، اقامة مشاريع استثمارية بأيدي عراقية واموال سعودية يتم فيها تشغيل 210 الف من الايدي العراقية، انشاء اربع قنصليات سعودية في بغداد والنجف والبصرة والناصرية، زيادة حصة العراق من الحج والعمرة.
     لم يطل جواب الحكومة العراقية على هذه الزيارة المهمة والفاعلة فقد بدأ رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي، الأربعاء 17/4/2019، زيارة إلى الرياض على رأس وفد ضخم، أن الزيارة تستمر يومين، ورافق عبد المهدي خلالها 11 وزيرا، و68 مسؤولا حكوميا، وأكثر من 70 رجل أعمال، وتحمل الزيارة “ملفات مهمة لبحث العلاقات الثنائية بين البلدين وسبل تعزيزها، والمستجدات في القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك”، وأكدت السعودية والعراق، في بيان صحفي مشترك الخميس 18/4، على العلاقات التاريخية والدينية والاجتماعية وأهمية استثمار الإرث السياسي والتاريخي والديني بين البلدين. وشهد العاهل السعودي، الملك سلمان بن عبد العزيز ورئيس الوزراء العراقي، عادل عبد المهدي، الأربعاء 17/4، في العاصمة السعودية، الرياض، توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم بين البلدين.
      بحسب ما أوردت وكالة الأنباء السعودية “واس”، فقد شملت الاتفاقيات ومذكرات التفاهم الموقعة بين الجانبين: المشاورات السياسية، وبرنامج اعتراف متبادل بشهادات المطابقة للمنتجات، واتفاقية تشجيع وحماية الاستثمار، ومذكرة تفاهم للتعاون في المجال الزراعي بين البلدين، ومذكرة تفاهم في مجال الصناعة والثروة المعدنية. وشملت الاتفاقات أيضا: مذكرة تفاهم للتعاون في مجال النفط والغاز، وأخرى بخصوص تفاهم في مجال الطاقة الكهربائية، ومذكرة تفاهم في مجال النقل البحري، ومذكرة تفاهم لتنظيم عمليات الركاب ونقل البضائع على الطرق البرية، ومذكرة تعاون علمي وتعليمي، ومذكرة تفاهم بين وزارتي التعليم في البلدين، إضافة إلى مذكرات تعاون أخرى في المجالات الفنية والثقافية، ودراسة جدوى الربط الكهربائي.
    يعد تاريخ العلاقات العراقية السعودية عميق وطويل وشهد انقطاعا بعد حرب الخليج الثانية، واستأنفت السعودية العلاقات الدبلوماسية مع العراق في ديسمبر/ كانون الأول 2015، بعد 25 عاما من انقطاعها جراء الغزو العراقي للكويت عام 1990، وبعد عقود من التوتر بدأت العلاقات تتحسن، عقب زيارة لبغداد في 25 فبراير/ شباط 2017، قام بها وزير الخارجية السعودي آنذاك، عادل الجبير، وكانت هذه أول مرة يصل فيها مسؤول سعودي رفيع المستوى إلى العاصمة العراقية منذ 1990، وهو ما مهد الطريق لمزيد من الزيارات المتبادلة، وفي يونيو/ حزيران 2017، زار رئيس الوزراء العراقي حينها، حيدر العبادي، السعودية، واتفق على تأسيس “مجلس تنسيقي” للارتقاء بالعلاقات إلى “المستوى الاستراتيجي، ويعد المجلس التنسيقي حجر الأساس لعلاقات متينة بين البلدين الشقيقين الأمر الذي سيعزز من عودة ميمونة للعراق إلى محيطة الإقليمي العربي، وبالتالي ستسهم بطريقة وأخرى بانعتاقه من أسر النفوذ الإيراني على الساحتين السياسية والأمنية.
كلمات مفتاحية: