من السينما الى البوبجي بدايات لانحطاطات جديدة

د. مهند يوسف
مستشار مركز العراق الجديد
من المعروف أن بداية القرن العشرين كانت بداية لنهضة جديدة في العالم للتقنيات البصرية والصوتية، حيث اعتبرت صناعة وإدخال المعدات الصورية والبصرية، انجازا تقنيا جديدا آنذاك، ودعمت استثمار صناعة السينما، وترسخت رؤية معينة للبنية الأساسية لهذه الصناعة، والتي غيرت بكل تأكيد اتجاهات وميول عامة المجتمع العالمي ومجتمعنا العراقي بشكل خاص، وتركز التغيير بشكل خاص على الأطفال والصغار، الذين اولوا الاهتمام والشغف بهذه التقنية وفي مشاهدة ما يعرض من أفلام، وصناعتها والقائمين عليها وأعداد وتصميم دور العرض السينمائي المختلفة، بحيث اعتبرت عند علماء الاجتماع كإحدى اهم التأثيرات الاجتماعية للاتصال الغربي مع بقية العالم آنذاك، والتي في الوقت نفسه شلت القدرة على الابتكار والتحرر عندنا، بسبب اندهاشنا وعجزنا، ورسوخ الصور النمطية التي صورت في عقولنا عن قصورنا وتمكن الغرب بالحضارة ونقلها، والتي اثرت بعدها على تبدل المتغيرات الاجتماعية في عمر الجيل الواحد منا.
وبسبب هذه الصناعة برزت وانتشرت مفاهيم جديدة لهذه التقنيات الثقافية كان لها دور كبير في تأسيس منظومات معرفية جديدة ورؤى ثقافية لم يشهدها العالم من قبل، أدت بالتالي إلى بروز أنماط سلوكية واجتماعية جديدة لا تتصل بالواقع المحلي الموروث أو بالعقائد التي تناقلتها الأجيال لمدة طويلة كالسفور ولبس القبعة وقص الشعر وموظة الملابس، وكانت هذه الصناعة محكومة بامتيازات واحتكارات خاصة جلبها الصانع الغربي إلى مجتمعاتنا وكانت موجهة بالدرجة الأساس آنذاك إلى الشباب صغير السن والذي هو أسهل فئات الشعب تأثيرا وتأثرا بهذه الموجات الجديدة من التقنيات البصرية والفكرية.
         وفي الحقيقة جلب الغرب صنفين اثنين من التقنيات المعرفية إلى منطقتنا، حددتا شكل التغيير والانحلال للمجتمع العراقي طوال القرن العشرين، من خلال تاثيرها على سلوك المجتمع المحلي، فأولى هذه التقنيات هي التقنية البصرية الجديدة وهي صناعة السينما والأفلام، فهذه الصناعة اكتملت بكافة تفاصيلها في هذه البلاد من حيث صناعة الافلام وعرضها في دور العرض وسعتها وأعدادها ومناطق تواجدها ونوع الجمهور الذي يرتادها، ونوعية الأفلام التي تعرض وأسعارها وضرائبها، ومدى الإقبال الجماهيري عليها، وحجم تلك الصناعة والدعم الذي يتلقاه أصحاب هذه الصناعة، ودور الغربيين ونوعية الأفلام وغير ذلك من التفاصيل الكثيرة التي أصبحت فيما بعد احد مرتكزات التوجهات الثقافية السائدة في بلادنا خلال القرن العشرين.
         أما التقنية الأخرى فهي صناعة التعليم والمدارس الخاصة للتربية، والتي كانت تعتمد جميع تفاصيلها العلنية والسرية حول قانون التعليم العام، وموقف الحكومات المحلية من المدارس الخاصة، وبخاصة المدارس التي تقيمها وتشرف عليها البعثات والمؤسسات الغربية في المنطقة، والتأكيد على سياسة المخادعة التي تنتهجها الحكومات المحلية أمام افتتاح هذه المدارس، والتركيز على تعليم أولاد المسؤولين في المدارس الخاصة، وإحضار أولادهم إلى المدارس الغربية، والذي سيكون بداية السبيل لإكمال دراستهم في الخارج من اجل كسب مزيدا من التعليم، الذي سيؤدي إلى خدمة الحكومة.
وهذا هو جوهر التعليم الجديد في تهيئة وتدريب وتعليم فئة من المواطنين، ولكنهم لايحملون هويته ومعارفه ونظامه، وبالتالي اصبحت البعثات العلمية لأغراض التعليم خارج البلاد الوجه الآخر لهذه التقنية المعرفية الجديدة، حيث تم دعمها بوجه خاص لكي تكون لاجل السيطرة والاحتكار المعرفي.
حيث ومن خلال معرفة كافة التفاصيل الكاملة للمنح والطلاب وتوجهاتهم ومذاهبهم وتأثيرهم المستقبلي على العلاقات فانه سيمكن من بناء أسس التواصل المعرفي مع هؤلاء الطلبة وخاصة الطلبة الذين سيدرسون في الجامعات الغربية في رسم شكل العلاقة المستقبلية والتي ستكون بين هاتين المنظومتين المعرفيتين الغير متكافئتين.
ففي عام 1876م، صدر قانون نص على أن التعليم الابتدائي إلزامي لكل الأطفال في الدولة العثمانية، وكان العراق انذاك جزءا من هذه الدولة، والذي نص ايضا على مجانية التعليم. ومنذ عام 1879م ظهرت المدارس العلمانية إلى جانب المدارس الدينية التي يديرها الفقهاء، أما المدارس العلمانية فكانت الدولة تكفل لها حريتها في التعليم بدون رقيب وعلى النمط الغربي.
ولقد تغير التعليم في اراضي الدولة العثمانية بعد عام 1885م، وافتتحت مدارس للفنون الجميلة وللغات وللقانون وللمالية وللتجارة، وأنشئت مدارس التعليم الفني والمهني. وافتتحت الجامعة العثمانية عام 1900م.
وبعد تأسيس الدولة العراقية 1921م صدر قانون التعليم والذي نص على أن التربية والتعليم داخل الأراضي العراقية يتم من طرف وزارة المعارف، وكفلت الدولة العراقية الجديدة بعد الحرب العالمية الاولى لمواطنيها غير المسلمين حقهم في التعليم فأنشئت مدارس للملل المختلفة، وهي المدارس التي تقيمها الطوائف الدينية غير الإسلامية الخاضعة للدولة، وتم التوسع في افتتاح المدارس التبشيرية للبعثات التنصيرية الأمريكية والنمساوية والفرنسية والإنجليزية والألمانية والإيطالية، والاليانس لليهود والتي افتتحت في عديد المدن العراقية، ولقد أدى ضعف الحس الوطني لدى العراقيين إلى كثرة هذه المدارس وعدم السيطرة عليها الى ان جاء تاميمها جميعا في قرار رقم واحد في تموز 1968.
في أوائل السبعينات تطور نظام التعليم الوطني في العراق وشمل كل المسارات العامة والخاصة وأصبح التعليم عاماً ومجانياً على جميع المستويات وإلزامياً في المرحلة الابتدائية. واصبحت وزارة التربية والتعليم هي المسؤولة عن التعليم ما قبل المدرسي والتعليم الابتدائي والثانوي والمهني، وكانت السنوات الذهبية للتعليم في العراق بين 1970 – 1984 حيث كان نظام التعليم في العراق واحد من أفضل النظم في المنطقة خلال هذه الفترة من الزمن، وأشيد به من قبل منظمات التعليم العالمية، وبحلول عام 1984، تحققت إنجازات كبيرة، والتي منها ارتفاع معدلات الالتحاق الإجمالية أكثر من 100 ٪، والمساواة بين الجنسين في معدلات الالتحاق الكامل تقريبا، وانخفضت نسبة الأمية بين الفئة العمرية 15-45 إلى أقل من 10 ٪، اما الإنفاق في مجال التعليم فبلغ 6 ٪ من الناتج القومي الإجمالي وكان متوسط الإنفاق الحكومي على التعليم للطالب الواحد 650 دولار.
في فترة ما بعد غزو العراق عام 2003 وسيطرة سلطة الائتلاف الموحدة على عملية تعديل وتنظيم نظم التعليم الخاص في البلاد، فكان من ضمن هذه التعديلات إلغاء الهوية الوطنية من ضمن المناهج العراقية، وجعل هدف التعليم الخاص تخريج مواطنين صهاينة ليس لديهم اي حس وطني، وبالتالي تدهور وضع التعليم في العراق ونرى ذلك واضحا في قلة نسبة المشاركين في منظومة التعليم من الاطفال اضافة الى ارتفاع مستويات الجهل والامية، وكذلك قلة نسبة الدعم الحكومي لهذا القطاع اضافة الى رداءة النوعية التعليمية المقدمة فيه.
وبالتالي وصلنا اليوم الى مرحلة البوبجي والتي دل قرار منع تداولها واللعب بها من قبل مجلس النواب العراقي قبل ايام الى المستوى والقاع الذي وصلت اليه طبقات المجتمع والطبقة الحاكمة العراقية اليوم، في عصر اصبحت فيه الثقافة والمعلوماتية والتكنلوجيا هي روح واساس الحياة العصرية.
صحيح ان المجتمع العراقي اليوم يعيش من الرخاء المادي والمستوى المعاشي العالي والذي لم يذقه من قبل طيلة قرون ماضية، خاصة مع امتلاكه اكبر خزينة نقدية خارج البنوك في العالم، الا ان الغنى مقرونا مع الجهل هو اسوأ ما قد يصيب الانسان في هذا اليوم.