تطور العلاقات العراقية مع المحيط الإقليمي ومحاولة كسر احتكار هيمنة إيران

د. عبدالناصر المهداوي
مستشار مركز العراق الجديد
        بعد النجاح الكبير الذي تحقق بين العراق والمملكة العربية السعودية على مستويات عدة منها تعزيز العلاقات الثنائية، ورفع مستويات التبادل التجاري، وعودة العراق إلى مصاف علاقاته الطبيعية مع أشقائه من العرب والمسلمين بعد أن خيمت عليها سحب الضباب خلال العقدين الأخيرين، وجثم فيها على صدر العراق المشروع الإيراني من غير أن يحقق للعراق أي مصالح تذكر، بل كان الشغل الشاغل للحكومات الطائفية تحقيق مصالح إيران على حساب مصالح البلد، وباتت هذه من الحقائق التي لا يختلف عليها أحد سوى أتباع نظام ولاية الفقيه من الأحزاب التي تمكنت من الهيمنة على القرار طيلة العقدين الماضيين، مع اعتبار استثناء قليل في ولاية السيد حيدر العبادي، ونأمل أن يتكلل التوازن المطلوب بالنجاح مع ولاية عبد المهدي على الرغم من صلته الحميمة بإيران، ومع ذلك نرى إنه يملك من الإرادة إن أسعفته الظروف الإقليمية والدولية أن يوازن مع هذه العلاقة الطيبة مع إيران علاقات أخرى طيبة مع محيطه العربي والإسلامي وخاصة مع الدول الإقليمية ذات الثقل الحقيقي كالسعودية وتركيا.
     نجاح العلاقة مع المملكة العربية السعودية في تعزيز قدرات العراق الاقتصادية والتجارية والمالية بما يمكنه من إعادة تعمير ما دمرته الحروب في محافظاته التي خضعت لاحتلال الإرهاب عليها قد يفتح شهية العراق على مزيد من العلاقات مع أشقائه العرب والمسلمين، ولعل المحطة الثانية الأكثر أهمية أن ينفتح على الشقيقة الجارة تركيا ذات الثقل الأكبر في المنطقة بعد انفتاحه الكبير مع المملكة العربية السعودية التي تمثل رمزية إسلامية كبيرة في العالمين العربي والإسلامي، تأتي هذه الخطوة على خلفية التضييق على العراق بسبب كونه يعد الرئة التي تتنفس منها إيران بعد العقوبات المفروضة عليها من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، وزاد الطين بلة ادراج الحرس الثوري الإيراني على قوائم الإرهاب الأمر الذي سينسحب على العديد من الفصائل المسلحة العراقية التابعة لولاية الفقيه، الأمر الذي سيفسر انفتاح هذه البلدان على العراق قد يكون مدعوما من قبل الولايات المتحدة التي تسعى لفضح ممارسات الأحزاب الموالية لإيران في العراق، إلا أن النتيجة المرجوة لانفتاح العراق على محيطه العربي والإقليمي بعلاقات متوازنة حتما سيصب في خانة مصالحه الاستراتيجية قبل كل اعتبار.
     يهم الولايات المتحدة الأمريكية التي ترغب بوجود طويل الأمد في العراق مصالح العراق في هذه المرحلة الحساسة والدقيقة، مع اعتبار كون العراق يمر بأوقات حرجة تتشكل عبر عدم استكمال كابينة عبد المهدي الوزارية، وتعرض الحكومة لضغوط الأحزاب والفصائل الموالية لإيران، والتي تصدت بقوة لانفتاح العراق على محيطه العربي والإسلامي بعد الزيارات المتبادلة بين العراق والسعودية. فالولايات المتحدة الأمريكية بعد العقوبات التي فرضتها على إيران تسعى لتخفيف وطأة إيران على الساحة السياسية والأمنية العراقية، ويتشكل ذلك عبر مصفوفة من القرارات والمواقف، في مقدمتها قطع صلة الحرس الثوري الإيراني بفصائل تابعة له في العراق بعد أن أدرجت الحرس الثوري على قوائم الإرهاب، ولم تقتصر على ذلك بل عدت داعميه والمروجين له على قوائم الإرهاب كذلك، ومن ضمنها إنهاء الإعفاءات من الحظر على استيراد النفط الإيراني، الأمر الذي سيهدد الطاقة الكهربائية في العراق لكونها تعتمد على الغاز الإيراني بالدرجة الأساس بعد أن أخر أتباع النظام الإيراني استخراج العراق للغاز من حقول هائلة كحقل عكاز وحقل المنصورية الغازي على الرغم من إحالتهما على شركات عالمية.
      كشف الرئيس الأمريكي ترامب في وقت سابق من العام الحالي عن نيته مراقبة إيران عبر القواعد الأمريكية في العراق، وأكد أن أموالا أمريكية طائلة صرفت على قاعدة عين الأسد وقواعد أخرى كثر على الأرض العراقية، ويؤكد هذا التوجه ما قاله قائد القيادة المركزية الأمريكية كينث ماكينزي، الأحد 28/4/2019، عن مفاوضات تجري مع الحكومة العراقية بشأن وجود “طويل الأمد” هدفه وقف تصدير أنشطة إيران الإرهابية للمنطقة والعالم،وقال ماكينزي، في تصريحات لقناة “الحرة” الأمريكية: “ندرك أيضا أن العراق جار إيران التي تقوم بتصدير أنشطة خبيثة وضارة في المنطقة، وجودنا هناك ليس له إلا أن يحدّ من تصدير إيران لتلك الوسائل الخطرة والشنيعة، وأكد “ماكينزي” في الوقت ذاته، أن كل ما لدينا في العراق سيكون على أساس احترام سيادة العراق، وسيساعد العراقيين في استكمال إعادة إعمار مؤسساتهم، وتابع القول: نعمل مع حكومة العراق للتأكد من وجود تمثيل للقوات التي تدعمها الحكومة فقط، في إشارة واضحة إلى تقليم أظافر الفصائل المسلحة التي تدين بالولاء للحرس الثوري ونظام ولاية الفقيه.
    الخطوة المهمة التي شهدتها الساحة العراقية السياسية تشكلت عبر زيارة وزير الخارجية التركي “جاويش أوغلو” الذي وصل إلى العراق في زيارة رسمية شديدة الأهمية الأحد 28/4/2019، حيث التقى إلى جانب رئيس مجلس الوزراء العراقي “عبدالمهدي” نظيره العراقي “محمد علي الحكيم”، ورئيس البرلمان العراقي، ومحافظة البصرة “أسعد العيداني”، وأعضاء في مجلس النواب العراقي، جاء ذلك خلال استقبال رئيس مجلس الوزراء عادل عبد المهدي بمكتبه في بغداد وزير الخارجية التركي “مولود جاويش أوغلو” الذي سلم “عبدالمهدي” رسالة من الرئيس “رجب طيب أردوغان” تضمنت دعوة رسمية لزيارة تركيا. وشدد “عبدالمهدي” على أن تركيا جار عزيز ودولة مهمة في المنطقة، داعيا إلى انطلاق مرحلة جديدة بين البلدين قائمة على التعاون الأخوي وتبادل المصالح، وتابع: نحن لا نكتفي فقط بزيادة التبادل التجاري بين البلدين، بل ندعو رجال الأعمال والشركات التركية إلى تأسيس مصانع ومصالح وشراكات اقتصادية داخل العراق في مجالات الصناعة والتجارة والإعمار واستثمار الأراضي الزراعية، ما يعمق جذور التعاون ويعود بالنفع على البلدين والشعبين. بحسب بيان مكتب رئيس الوزراء العراقي.
 أهم ما جاء على لسان عبد المهدي لوزير الخارجية التركي الآتي؛
  • تركيا جار عزيز ودولة مهمة في المنطقة ولدينا علاقات متميزة والكثير من المشتركات والمصالح الاقتصادية وقضايا الأمن والمياه والتجارة والحدود ومواجهة الإرهاب.
  • أشار إلى أن ذلك يفتح أسواق البلدين أمام المنتجات العراقية والتركية والمشتركة، وأن يكون هذا توجها استراتيجيا في العلاقات العراقية التركية.
  • أشار “عبدالمهدي”، خلال اللقاء، إلى أن “العراق استعاد عافيته وقوته ووحد صفوفه وحقق انتصارا كبيرا ضد الإرهاب وهو إنجاز مهم له وللمنطقة والعالم”.
  • أكد أن العراق “لا يريد أن يقف مع محور ضد آخر، وإنما يريد بناء علاقات تعاون ممتازة ومتوازنة مع جميع دول الجوار، والتركيز على المشتركات وتعظيمها لتجاوز الخلافات”.
  • لفت إلى أن “العراق بلد واعد، ويجب أن تكون لدينا رؤية مستقبلية مشتركة من أجل تحقيق المنفعة للبلدين والشعبين”.
  • أكد “أهمية الانطلاق بمرحلة جديدة من التعاون الأخوي بين البلدين والشعبين وتبادل المصالح وتفعيل عمل اللجنة التنسيقية المشتركة”.
  • إلى إعادة خط سكك الحديد يربط البصرة بتركيا ومنها إلى أوروبا.
    وأكد وزير الخارجية العراقي محمد علي الحكيم؛ إن العراق يرفض بشكل قاطع أي عمليات عسكرية من أراضيه تستهدف تركيا، في حين شدد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو على “ضرورة تذليل العقبات” أمام زيادة حركة التبادل التجاري وتشجيع الاستثمار “لكي يصل البلدان إلى الهدف المرجو”. خلال مؤتمر صحفي مشترك بين الوزيرين في بغداد يوم الأحد 28/4/2019، وأوضح الحكيم أن الهدف الرئيسي للعراق وتركيا هو القضاء على الإرهاب.
     من جهته قال أوغلو إن تركيا تريد من العراق أن يكون مركزا للتواصل بين أوروبا وآسيا ومنطقة الخليج العربي، وأضاف أنه من المفيد فتح منفذ حدودي جديد بين العراق وتركيا لتعزيز التبادل التجاري بين البلدين، وكان أوغلو قد قال إن بلاده عازمة على الارتقاء بحجم التبادل التجاري مع العراق إلى مستوى 20 مليار دولار. جاء ذلك في تغريدة نشرها على حسابه في تويتر عقب لقائه رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي، كما أعرب الوزير التركي عن رغبة بلاده في فتح قنصليتين في النجف (جنوب) وكركوك (شمال)، ولفت إلى أن تركيا ستعيد قريبا فتح قنصليتيها في البصرة (جنوب) والموصل (شمال) اللتين أغلقتا بعد بروز تنظيم الدولة الإسلامية، مشيرا إلى حصول أنقرة على التراخيص اللازمة لإعادة فتحهما. وأعلن أوغلو أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يعتزم زيارة العراق أواخر العام الجاري للمشاركة في الاجتماع الرابع لمجلس التعاون الإستراتيجي رفيع المستوى بين البلدين.
     وخلاصة الرسالة التركية للعراق تتشكل عبر الآتي كما وردت بحسب المؤتمر الصحفي؛ العراق بلد مهم بالنسبة لنا وننتظر زيارتكم باهتمام كبير، ويسعدنا ما يشهده العراق من استقرار داخلي وأمن وإزالة للكتل الكونكريتية وفتح الطرق ونرى في وجود مكتبكم خارج المنطقة الخضراء رسالة بليغة معبرة عن القرب من المواطنين وكسر للحواجز، كما يسعدنا تحسين العراق لعلاقاته مع دول الجوار كافة، وأن يلعب العراق دوراً إقليمياً مهماً يتناسب مع حجمه وتأريخه وموقعه، ونثمن سياسة الحكومة العراقية في بناء علاقاتها الخارجية بشكل متوازن ومتين ونتطلع الى حل جميع المسائل العالقة بين البلدين بأجواء ودية وبشكل مباشر. رفع مستوى التبادل التجاري وتطوير الطرق البرية والسكك والتعاون في مجالات مواجهة المنظمات الإرهابية وقضايا النفط والمياه والكمارك وفتح القنصليات. تركيا مستعدة للتعاون حول تزويد العراق بالطاقة الكهربائية، وتعزيز التواصل والشراكة بين رجال الأعمال في البلدين والاستفادة من القرض التركي الذي أعلن ضمن مؤتمر المانحين الذي عقد في الكويت.
 أما عن مباحثات وزير الخارجية التركي مع محافظ البصرة أسعد العيداني فقد تضمنت الآتي؛
– الحكومة التركية عازمة على إعادة افتتاح قنصليتها في البصرة قريباً جداً وترغب أنقرة أيضاً بافتتاح قنصليتين لها في محافظتي النجف وكركوك.
– أنقرة تعمل على تطوير علاقتها ببغداد، وتسعى للعب دور كبير في إعمار العراق.
– فرض التأشيرات لن يطبق بشكل دائم، وسنعيد النظر بأمرها عندما تسير الأمور كما يجب هنا (في العراق).. عندما يحين الوقت المناسب سنرفع التأشيرات عن أشقائنا (العراقيين).
– البصرة لها أهمية استراتيجية في المنطقة، تلك المحافظة تعد عاصمة العراق الاقتصادية بالقدرات التي تمتلكها، ويمكن أن تكون مركز نقل وتجارة بين الخليج وأوروبا.
– أدعو الشركات التركية إلى العودة للعراق والاستثمار فيه؛ لأنه السلطات العراقية اتخذت التدابير الأمنية في هذا الإطار.
– تلقت تركيا انتقادات من جراء نقص المياه في العراق العام الماضي ونحن نقول إن تركيا ليست المسؤولة عن ذلك، تركيا فعلت ما بوسعها من أجل التخفيف ولو بشيء بسيط من ضائقة المياه عن العراق البلد الشقيق، تركيا قررت تأجيل ملء سد إلسو (على نهر دجلة)، وأنه لم تُغلق أبواب السد منذ العام الماضي، تركيا مستعدة وبرحابة صدر لمشاركة خبراتها في إدارة المياه مع العراق، وإن ممثلاً عن تركيا سيزور العراق قريباً في هذا الإطار.