العدالة الاجتماعية العراقية من النوادي والعلم الى التطبير واللطم

د. مهند يوسف
مستشار مركز العراق الجديد
هناك بعض الاشكال لمنظومات اجتماعية جديدة من عادات وقيم، صنعت ونحتت صور وانطباعات عن حواضر بلادنا طيلة تاريخنا المعاصر، فبعد تاسيس الدولة العراقية قبل مائة عام ظهرت عادات في المجتمع العراقي تجلت في بعض صورها في الاحتفالات والحفلات للمجتمع الكاليدوني الجديد والذي ضم صفوة القادة والذين يشغلون المناصب الرفيعة في الحكومة العراقية الجديدة آنذاك، والتي كانت تقام في النوادي وسط المدن، حيث أبرزت تلك الحفلات مدى اختلاف وجهات النظر وتعددها بين هؤلاء في رسم مستقبل البلاد، وبحسب درجاتهم العلمية، والتي بدت واضحة خلال تلك المراسم الاجتماعية.
في بعض المناسبات الاجتماعية كان الامتداد والتأثير الناعم للقوى الاجتماعية المختلفة كبيرا في تاثيرها على المجتمع المحلي، حيث عكس ذلك في حجم الاحتفالات الاجتماعية بمناسبات مختلفة في السفارات والنوادي المهنية والشخصية، والتي كانت بالطبع موضع اهتمام الدبلوماسيين الغربيين والشرقيين المتواجدين وكثير من الشخصيات التجارية والتربوية وممثلي الطوائف المختلفة والذين تواجدوا واحتفلوا بهذه المناسبات.
واللافت في تلك الاحتفالات الحضور الرسمي الحكومي  والديبلوماسي فيها، والذي تمثل بحضور الوزراء والمدراء العامين حيث كانت الدعوات الرسمية توجه لهم لحضور حفلات الاستقبال الرسمية في القصر والبرلمان، وكانت سعة تلك الاحتفالات بدرجة لا يمكن مقارنتها بسعة الاحتفالات الأخرى، والتي جاءت مع الاحتلال البريطاني، كاحتفالات يوم الهدنة، وهي مناسبة نهاية الحرب العالمية الأولى في يوم 11 تشرين الثاني 1918، اي  يوم إبرام معاهدة مندروس بين الحلفاء والمحور، والذي قابله تجاهل حكومي وشعبي محلي، وهو بالتأكيد يعكس مدى النفوذ الثقافي التي كانت تتمتع به تلك الأطراف المحلية في البلاد.
وافرزت تلك المنظومات الاجتماعية مفاهيم جديدة في المجتمع العراقي كمفهوم العدالة الاجتماعية والحرية، والتي ترتبت عليها تحولات تاريخية مهمة، بل حجزت كأهم محور في تاسيس الجمهورية العراقية الحديثة، حيث قام انقلاب 1958 ضد الملكية لتحقيق تلك المبادئ في العدالة، حين رفع شعار وطن حر وشعب سعيد لتجسيد تلك المفاهيم، وبالتالي تشكل النظام الاقتصادي تبعا لها، وفق رؤى خاصة حول عدة محاور من النشاط الاقتصادي، وكان من أهمها والتي كنت تعطي الصبغة الأساسية للنظام الاقتصادي الجديد هو نظرته لطريقة الاستفادة وتوزيع الثروات النفطية على الشعب وتاميم الشركات الاستعمارية، والذي ترتب عليها من مساواة في الدخل في المجتمع الجديد، واصبح هناك تحدي في المجتمع حول مدى قدرة هذا النظام على إشباع الحاجات الشعبية، وتحقيق العدالة الاجتماعية بين أفراده، والتي كانت العامل الاساسي لاعطاء المشروعية في الثورات والانقلابات التي حدثت بعد ذلك في الستينيات من القرن الماضي.
والعدالة الاجتماعية التي نقصد بها هنا هي فكرة فلسفية لا سياسية او اقتصادية وتتجه نحو تطبيق وتشكيل نماذج لحقوق الانسان والمساواة، فهي بذلك اقرب من الفلسفة البراغماتية، حيث البراغماتية الاقتصادية وتوزيع الدخل القومي وتكافؤ الفرص وضمان الحريات الاساسية، كحرية الفكر والتعبير والصحافة والتجمع والعمل المشترك والتنقل والاختيار وغيرها، وعلى حسب كل معنى تتوجه سياسات الدولة وأدواتها لتحقيق هذا المعنى او ذاك.
لكن المجتمع العراقي اختار بعد 2003 منظومات اجتماعية اخرى ذات قيم جديدة ومختلفة، حيث اختار منظومة تضمن له النمو الاقتصادي الذي يناقض العدالة، والتي من لوازمه اللامساواة والتفاوت في الثروة والدخل، على اسس مختلفة، منها امتيازات المعارضين السابقين للحكم الوطني والمفصولين والسجناء السياسيين والمظلومية التاريخية، وبالتالي انعدم مبدأ تكافؤ الفرص بين أفراد الشعب وفئاته، وتم القضاء على توفير أي المناخ يسمح بأن يكون لدى كل مواطن وكل فئة، الفرص نفسها المتاحة للآخرين، وبذلك يشعر كل مواطن عراقي اليوم أنه لم يحصل على نصيبه العادل من السلع والخدمات والثروة النفطية، وكذلك حقه في الوظيفة العامة وفي تقرير واعتراف المجتمع الذي يعيش فيه.
ولان اغلب من تصدى للعملية السياسية في العراق بعد التغيير كانوا من الاسلاميين على اختلاف مذاهبهم الفقهية، فقد اصطبغت مفاهيمهم في الحياة بما يفسرونه، دون قبول ما تعارف عليها علماء الدين، فالتكافل الاجتماعي كرعاية الأيتام، ونشر العلم… وغير ذلك، ليعيش الفرد في كفالة الدولة، وتعيش الدولة بمؤازرة الفرد، حيث يتعاون الجميع ويتضامنون لإيجاد المجتمع الأفضل، استبدل عندهم بكفالة مؤيديهم واتباعهم فقط.
وبذلك انعدم العدل في العراق والذي هو المعيار الذى يدرك من خلاله مدى ثبات المجتمع وإستقراره، فالمجتمع الذى يتفشى فيه الظلم وتضيع فيه الحقوق وتغيب بين أفراده الواجبات، كما هو حال المجتمع العراقي اليوم، هو مجتمع فوضوى، يتسم أفراده بهيجان النفس وإضطراب القلب وشرود الفكر وذهاب العقل، بسبب الخوف والظلم وعدم الشعور بالإستقرار والأمن، وبالتالي يكون النزاع هو الحل للمشاكل، وتفشي الجريمة وكل ذلك من أمارات خراب المجتمعات وذهابها، فما قامت الصراعات والثورات وتغيرت الحكومات والأنظمة السياسية والإجتماعية إلا نفوراً من الظلم وبحثاً عن العدل.
وحين تغيب الحرية يكون التفاوت في الثروة والدخل بين أفراد المجتمع، وتزداد تأثيرات وضغط الأزمات الاقتصادية، وحينئذ تبرز ضرورة تدخل السلطة الدينية والمرجعية من جديد في الاقتصاد لتحقيق العدالة المذهبية، كمحاولة لتخفيف حدة التفاوت في الدخول لاتباع المذهب، من خلال الإعانات الاجتماعية المباشرة، أو من خلال قيامها بالمشاريع التي تستفيد منها بصورة اساسية اتباعها المخلصون، وبالتالي سيكون على اتباع هؤلاء ان يكونوا اتباعا مخلصين لمذهبهم من خلال احياء المناسبات والشرائع المذهبية ليتلون العراق كل العراق بصبغة واحدة على طوال ايام السنة تكون أدبيات للفكر المذهبي ولكن من خلال رؤية خاصة تتحكم فيه بالأسس التي قام عليها هذا الفكر.
وهذا التصور الخاص اعطى انطباعا على مستوى التقدير الذي يَقوم به حتى الموظفون العموميون من الديبلوماسيين واعضاء البعثات القنصلية الاجنبية العاملة في العراق، وبحسب تقديراتهم الخاصة، فهو نشاط تقوم بها الدول كنوع من الديبلوماسية الشعبية، والتي تهدف بها إلى تخفيف الفوارق بين الدول، وإعطاء فُرصٍ للتقارب الثقافي بين الشعوب، عبر المشاركة بهذه المناسبات المذهبية ، فالسفير التركي والاسباني وغيرهما في بغداد اليوم يحضرون اربعينية الحسين، ويخوطون القيمة والهريسة، على روح اباعبدالله، ويزورون الكاظم قاضي الحوائج، ويكونون من المشاية، وسنراهم في العام القادم من اللاطمين واوائل الراكضين في طوريج، ان لم يطبروا ويلطموا حتى الان.
كلمات مفتاحية: