من هو المستفيد من “صدمة الاحتلال الأمريكي للعراق” الولايات المتحدة أم إيران؟ / الجزء الأول…صدمة الاحتلال

د. عبدالناصر المهداوي
مستشار مركز العراق الجديد
    لعل العديد من العراقيين يعون على وجه الحقيقة أن سبب أزمات العراق المتراكمة جاءت وفق خطط عديدة البعض منها مدروسة بعناية ورعاية، والبعض الآخر كان ضمن تداعيات اسقاط الدولة العراقية بمؤسساتها وأملاكها وبناها التحتية ومشيداتها كافة.  اللاعبان الرئيسان المسؤولان عن تدمير العراق هما الولايات المتحدة الأمريكية بعد غزوها للعراق، وإيران المستفيد الأكبر لاحتلال العراق وتدمير الدولة فيه، والولايات المتحدة خططت لتدمير العراق وصياغته من جديد، وإيران وظفت تدمير بنية العراق لتكريس فشله والسيطرة على مقدراته كي يكون لها تابعا ذليلا يرعى مصالحها على حساب المصالح الوطنية للدولة العراقية من قبل سياسي المشروع الطائفي البغيض.
  لا ندري لعل الظاهر من الأمر لا يعدو أن يكون ظلا لحقيقة باهتة مجهولة لا يستطيع سبر غورها إلا ألو العزم من أهل الفكر بعد أن انتهى عصر الرسل. فبعد أربعة عقود من حكم شمولي حافظ على وحدة البلد وقوته انفرط العقد بشكل لا يمكن تصوره على أيدي الغزاة من وراء الحدود، ومع كل ما بذله المحتل الغازي من جهد لإسقاط الدولة العراقية، وما كلفته حملته من أموال طائلة، وآلاف القتلى وأضعاف هذا العدد من الجرحى والمعاقين، يكون مخرج هذا الاحتلال تسليم العراق للمشروع الإيراني على طبق من ذهب دون جهد حقيقي لإيران بعد أن أخفقت في حربها لثمان سنين عجاف تحقيق ذلك؟ إبان الحرب العراقية الإيرانية 1980-1988 من القرن الماضي.
     البداية كانت بعد توريط صدام باحتلال الكويت ومن ثمة بدأت المأساة تسطر وقائعها على الشعب العراقي المنكوب بعد أن تسلم المشروع الطائفي زمام الحكم من المحتل الأمريكي بعهد باراك أوباما. وتعرض العراق لمخطط رهيب بمراحل عدة ابتدأت من الحصار الخانق لعقد من الزمن لتنتهي بتسليم العراق للمشروع الإيراني، ونحن إذ نتكلم عن المشروع الإيراني لا نعني به المشروع الطائفي الذي حكم العراق، فالطائفية واحدة من الأدوات التي وظفت لخدمة نظام الفقيه في إيران. فما هي مراحل هذا المخطط ومن المستفيد من مخرجاته؟ في هذا الجزء من المقال سنكرس الفعل الأمريكي الذي أسقط منظومة الدولة العراقية دون تحقيق مصالح ظاهرة على المديات القريبة والمتوسطة للولايات المتحدة الأمريكية، التي تلاقي اليوم تناكف وتقاطع لا بل وحرب كذلك من المشروع الإيراني في عهد ترامب.
    أصدر مجلس الأمن القرار رقم 661 في السادس من آب 1990 بفرض عقوبات اقتصادية على العراق. وكان الهدف من هذا الحظر التضييق عليه لإرغامه على سحب قواته من الكويت. لكن قبل أن تصل الأمور إلى هذه المرحلة قادت أميركا قوات التحالف، وأخرجت القوات العراقية. وظلت العقوبات نافذة بذريعة التأكد من خلو العراق من أسلحة الدمار الشامل، وتطبيقه قرارات مجلس الأمن، وشملت هذه العقوبات حظراً تجارياً كاملاً باستثناء المواد الطبية والغذائية والمواد التي لها صفة إنسانية. تداعيات الحصار على الشعب العراقي وخيمة نالت من منظومته القيمية بسبب عجز وحاجة الناس، فيكفي أن تعلم أن أبسط موظف يومها كان يبلغ راتبه 3000 دينار ومع ذلك يحتاج لسد احتياجاته الأساسية شهريا ما يزيد عن 50000 ألف دينار، مع اعتبار أن سعر الدينار بعد أن كان في السبعينات يزيد عن 3 $ أصبح بعد الحصار الدولار يزيد عن 3000دينار، ولك أن تقيس حجم النقلة المأساوية التي حلت بالاقتصاد العراقي لبلد يعد يومها من أغنى بلدان العالم.
    الحصار الاقتصادي في العراق كان كمن يحرث أرض العراق ليزرع فيها ما يشاء، فقد كانت تمهيدا ليتعرض العراق إلى أعتى هجوم وحشي استهدف الدولة العراقية ولم يستهد النظام الحاكم كذريعة فحسب، ونحن نعي حين نقول الدولة بمعنى أن النظام وسلطاته وتفريعاته كافة، والأرض والمشيدات العلوية والبنى التحتية، والشعب بشرائحة كافة، والمؤسسات الحكومية والأهلية، الممتلكات العامة والخاصة، استبيح في العراق الحضارة والتأريخ والجغرافية، وبات حقل تجارب للغزاة، فتارة يستعملون عقيدة أو استراتيجية الصدمة بمراحلها كافة، وتارة يستخدمون الفوضى الخلاقة، وأخرى يستخدمون بها أسلحة غير تقليدية، بل زاد الأمر غموضا بما حدث في معركة المطار بعد ما واجه الأمريكان بسالة من قوات الحرس الجمهوري، الأمر الذي استدعى استخدام أسلحة لا تعد محرمة دوليا فحسب بل لا تزال محط جدل وكلام كثير عن ماهيتها وعن مخلفاتها التي استدعت تبديل كامل تربة أرض المعركة كما يقول خبراء ومختصون عسكريون، ولا تزال معركة المطار محط دراسات وتحليلات تضرب أخماسا بأسداس.
في هذه العجالة سنكرس الكلام حول رؤية الكاتبة  ناعومي كلاين Naomi Klein (و. 8 مايو 1970)،حول عقيدة الصدمة وتنزيلها واقعا على العراق، وكلاين مؤلفة ناشطة اجتماعية وصانعة أفلام كندية اشتهرت بتحليلاتها السياسية، ونقدها للعولمة المؤسسية والرأسمالية المؤسسية.  من أشهر أعمالها الكتاب الذي أصبح من أكثر الكتب مبيعاً في العالم؛ The Take، كثيراً ما تظهر كلاين على القوائم العالمية والوطنية لأكثر المفكرين تأثيراً، وآخرها في ترتيب قادة الفكر 2014 التي نظمها معهد الگوتليب دوتويلر، استطلاع 2014 لمفكري العالم عن مجلة پروسپكت،  وقائمة القوة 2014 من ماكلينز وهي عضو في مجلس مديري مجموع النشاط المناخي.
    تسمي الكاتبة “ناعومى كلاين” عن أحداث العراق ما جرى في العراق بـ”فرط الصدم”. فالهجوم المكثف على هذا البلد وتدمير بناه التحتية بشكل تام رغبةً في محوه وإعادته صفحة بيضاء أي إلى العصر الحجري.  فمهندسو الغزو كانوا من أشد المؤمنين بعقيدة الصدمة، وكانوا متأكدين أن البلد سيتم بيعه بالمزاد العلني بينما يكون العراقيون تحت تأثير صدمة القصف. فبعد صدمة القصف جاء دور الصدمة الاقتصادية. تشرح الكاتبة أن الحرب طريقة من طرق التعذيب الجماعي، فقد رمى الجيش الأميركي أكثر من ثلاثين ألف قنبلة على العراق إضافة إلى عشرين ألف صاروخ كروز أي 67% من عدد الصواريخ المصنوعة. كانت عقيدة الصدم والترهيب عقيدة عسكرية تفاخر بأنها لا تستهدف قوات العدو العسكرية فحسب بل “المجتمع بأسره” كما يشدد واضعوها، “فالخوف الجماعي هو جزء أساسي من الإستراتيجية”.
    كما أن الحرب كانت تبث بشكل مباشر عبر الـCNN من أجل خلق نموذج توجيهي سلوكي لكل العالم. فالحرب نوع من الاستعراض والتواصل الجماعي. استعراض للقوة العسكرية وإيصال رسائل لكل الفرقاء أن هذا هو مصيركم إن فكرتم بالتمرد. ولزيادة الخوف تم استخدام تقنية “عرض الأداة ” وهي تهديد المعتقل باستخدام أداة التعذيب. فقبل شهرين من الحرب بثت “سي بي إس” تقريراً سمته “النهار هـ” وهو عن اليوم الأول المتوقع للقصف الجوي. وشرح هالن أولمان -أحد واضعي إستراتيجية الصدمة والرعب- “أن أثر الهجمات الجوية المكثفة الشبيه نوعاً ما بأثر القنبلة النووية في هيروشيما، لا يستغرق أياماً أو أسابيع، بل دقائق”.
وضخت وسائل الإعلام تقارير مرعبة للعراقيين عما سيحدث لهم ولبلدهم وذلك عبر السواتر والاتصالات الهاتفية من الخارج، فأمضوا أشهراً يتخيلون فظائع “الصدمة والترهيب”، وفي استعراض مماثل تم إلقاء الضوء على أم القنابل قبل بدء الحرب.  لقد كان يلوح للعراقيين بتلك الأدوات كما يفعل الجلادون بالمساجين في غرف التعذيب. ثم أُخضع سكان بغداد عند بدء الحرب إلى حرمان حسي، فبدأ قطع المداخل الحسية واحداً وراء الآخر. أولاً السمع فقد قُصفت وزارة الاتصالات وفي 2 أبريل/نيسان لم يبق هاتف يعمل في بغداد. ويقول العديد من العراقيين إن تعطل شبكة الهاتف لديهم كان الجزء الأكثر رعباً في الهجوم الجوي. فعدم إمكانية معرفة هل بقي الأصدقاء والأقرباء على قيد الحياة في ظل سقوط القنابل؟ كان عذاباً حقيقياً. كما تنقل الكاتبة عن سكان بغداد.
   وبعد السمع حان دور العينين ففجأة غرقت بغداد يوم 4 نيسان بالظلام التام. وبعد ذلك جاء وقت الراحة في إستراتيجية التعذيب. في هذا الوقت تتم إهانة المعتقل ورموزه الحضارية، وتجلت هذه المرحلة بالنهب ودمار التراث العراقي عبر سرقة المتاحف والمكتبات الوطنية ومخابر الجامعات وأشيع مصطلح “حواسم” يومها للتعريف بسراق المال العام ونهب ثروات البلد التابعة للقطاع العام والمؤسسات الحكومية، هذا فضلا عن نهب لكامل المستودعات التابعة لوزارتي الدفاع والداخلية والفرق الحزبية، وانتشر السلاح في أواسط المجتمع بشكل مرعب وغير مسبوق، ويومها شاعت وراجت سوق بيع الأسلحة وبثمن بخس، صحيح أن مآل هذه الأسلحة لم تكن فقط بأيدي العابثين بل وجد البعض منها بين يدي مخلصين مجتهدين استخدموه لحماية البلد والتصدي للمحتل والمشاريع المشبوهة إلا أن المحصلة النهائية لمدخل انتشار الأسلحة كان لصالح المشروع الطائفي.
 وقد شبه ماكغوير غيبسون -وهو عالم آثار من جامعة شيكاغو- هذه العملية بجراحة فص الدماغ. أما ماكفرسون -المسؤول الأميركي عن إعادة الإعمار، وهو أحد صبيان شيكاغو- فقد وصف النهب بأنه نوع من تقليص القطاع العام. لذلك لم ينزعج منه. وخلاصة الأمر لقد رأى المسؤولون الأميركيون حلم الصفحة البيضاء يتجسد أمامهم في العراق. ما حدث في العراق كان تبنياً صريحاً لعقيدة الصدمة “الوقت الأفضل للاستثمار هو حين يكون الدم لا يزال على الأرض” هذا ما صرح به للكاتبة أحد المندوبين في المؤتمر الثاني لإعادة إعمار العراق.
   كما ترافق التعذيب الجماعي للشعب العراقي مع انتشار التعذيب الجسدي الفردي على نطاق واسع فقد بلغ عدد المعتقلين في ثلاث سنوات ونصف الأولى من الاحتلال 650 ألف معتقل استخدمت كل تقنيات الإرهاب والتعذيب الجسدي معهم. واستعان الاحتلال الأميركي بخبراء في عقيدة الصدمة مثل الضابط الأميركي جايمز ستيل الذي وصل إلى العراق في مايو/أيار 2003 وكان قد خدم كمستشار أميركي لعدد من كتائب الموت السلفادورية. تقول الكاتبة: “ظهرت صدمة غرفة التعذيب -بحسب هذا التسلسل الزمني- فور بروز صدمة بريمر الاقتصادية الأكثر إثارة للجدل. وهذا يعني أن الولايات المتحدة لم تسقط الدولة العراقية كرد فعل بل كان الأمر مخططا بعناية ودراية فلم أسلمت العراق لإيران؟ هذا ما سنتناوله في الجزء الثاني من المقال لاحقا بإذن الله.