السلم المجتمعي في مدينة الموصل

 
فراس الياس
يواجه الأمن الوطني العراقي اليوم تحديات كبرى، وأولى هذه التحديات غياب الرؤية الوطنية المستقلة لبناء سياسة أمن وطني عراقي حقيقي تلبي إحتياجات العراق الأمنية، كما أن غياب القرار السياسي المستقل أثر على قدرة صانع القرار في التوجه نحو هذه الضرورة الوطنية الحقيقية.
فالدولة العراقية اليوم تواجه خيارات صعبة في مجال إرساء أسس صلبة تقوم عليها الدولة الوليدة بعد الإحتلال الأمريكي، فقد أدلج واقع الإحتلال المجتمع العراقي وفق تصورات أمريكية خاطئة بعيدة عن تصورات المجتمع العراقي، فسياسة الصدمة والترويع التي أرستها سلطة الإحتلال “الإئتلاف” المؤقتة، أضرت بكيان الدولة العراقية، ورسخت فكرة المحاصصة الطائفية والمذهبية، والتي إنعكست بدورها على النسيج السياسي والإجتماعي العراقي، وقسمت المجتمع إلى كانتونات فئوية ضيقة بعيدة عن اللون الوطني الواحد.
كانت أولى محاولات ضرب النسيج الإجتماعي العراقي هي تسويق فكرة المصالحة الوطنية، والتي فشلت حتى اليوم في الوصول إلى نتائج واضحة على صعيد الإصطفافات الوطنية، بل على العكس أنتجت حالة من الإقصاء والتهميش وعدم قبول الآخر كشريك سياسي متساوي بالحقوق السيادية، وهو ما أثر على الإستقرار السياسي في البلاد.
ليس من المبالغة القول بأن موضوعة السلم المجتمعي في مدينة الموصل بصورة خاصة والعراق بصورة عامة، ترقى إلى أن تكون قضيةً مهمة من قضايا الأمن الوطني العراقي، فهي لا تقل أهمية عن الأمن والسياسة والإقتصاد، بل إنها قد تكون مقدمة على مكافحة التنظيمات الإرهابية ومواجهة المليشيات المسلحة، فهي مصدة مهمة من مصدات الأمن الوطني العراقي، وخط الدفاع الأول عن المصالح الوطنية، فترسيخ فكرة السلم المجتمعي وجعلها مدخلاً لبلورة أجماع وطني حقيقي حول المصالح الوطنية العليا، ستشكل أرضية رصينة لبناء مجتمع سياسي ناضج ومدرك وواعي بضروراته الوطنية.
لابد من القول بأن العراق، ومدينة الموصل على وجه الخصوص، تواجه تحديات حقيقية، تحديات تقف كعائق أمام النهوض من جديد، فنحن بحاجة إلى بلورة تجربة تاريخية لاتقل أهمية عن التجارب الكبرى التي شهدتها الكثير من المجتمعات الخارجة من الصراع، فهناك تجارب تاريخية يمكن الإستفادة منها في خيار بناء السلام، والحديث هنا عن رواندة وإيرلندا الشمالية وجنوب أفريقيا وغيرها من التجارب الناجحة.
لابد من القول بأن فكرة السلم المجتمعي تحتاج إلى إعادة مفهمة حقيقية، فالموضوع لايمكن إختصاره بإستحقاقات سياسية تفرزها صناديق الإنتخاب، أو حتى تولي الوظائف العامة في الدولة، بل هو إشعار المواطنين بأنهم على قدر عالي من المسؤولية الوطنية، وهم موضع ثقة من قبل الدولة، ونظام قضائي عادل، وتةزيع عادل للثروة وغيرها من الإعتبارات الوطنية.
فلايختلف أثنان على القيمة الإستراتيجية العليا التي تحظى بها مدينة الموصل، وتتضح هذه القيمة من خلال المزية الجيوسياسية التي تتميز بها، فهي إلى جانب موقعها الجغرافي، تتمتع بخصائص سياسية وأمنية إقتصادية وإجتماعية، تجعل من صانع القرار السياسي في العراق يقف عندها ملياً عن تقرير أية سياسة للتعامل معها.
 وللتدليل على جدلية الترابط بين مدينة الموصل والأمن الوطني في العراق، تبرز الكثير من المقتربات السياسية التي توضح هذه الصورة جيداً، فهي إلى جانب كونها قضية أمن وطني بالنسبة للعراق، فإنها تمثل من جانب أخر قضية أمن قومي بالنسبة لإيران وتركيا، فالنتائج التي أفرزتها سيطرة تنظيم داعش على المدينة، وما رافقها من تداعيات في مرحلة مابعد التحرير، أوضح بشكل كبير بأن هذه المدينة أصبحت بمثابة ثقب أسود جر الجميع للتفاعل البيني، في إطار بيئة الفعل وإستراتيجيات التفاعل.
إن ترسيخ مبدأ “التطبيع المجتمعي” في مدينة الموصل، كمنهج وإستراتيجية عمل من قبل الجهات الرسمية والمجتمعية، يشكل مدخلاً ضرورياً لبناء السلام في المجتمعات الخارجة من الصراع، كما أنه يشكل مدخلاً مهماً لدفع عجلة الإعمار والإستثمار وإحياء الأمل بالمستقبل الواعد.
فالتأكيد على ضرورة أن تكون هناك مؤسسات ومنظمات مجتمعية، ترعى فكرة التعايش والإندماج في مدينة الموصل، يمثل أولوية مهمة في هذا المجال، خصوصاً وأن البواعث التاريخية والحضارية، وخصائص الشخصية الموصلية، وطبيعة الميول الإجتماعية، تشكل بمجملها محفزات داعمة للمضي بهذا الإتجاه، مع التأكيد على ضرورة أن تكون هناك مبادرات حكومية جادة تدعم هذه المحفزات وتؤكد عليها.
إن البعد الإقليمي له مداخل تأثير مهمة على الواقع المجتمعي في مدينة الموصل، والحديث هنا عن تركيا وإيران، فكلاهما ينظران إلى المدينة على أنها إستحقاق سياسي يمكن توظيفه ضد الأخر، وهو ما إتضح جلياً أثناء وبعد تحرير المدينة من سيطرة تنظيم داعش، فهناك علاقة طردية بين الإستقرار والسلم المجتمعي في المدينة، وبين طبيعة المترادفات البينية بين هاتين الدولتين، فتحقيق الإستقرار السياسي على مستوى العلاقات بين تركيا وإيران، يسهم بدررجة كبيرة في تطبيع الأوضاع داخل المدينة، وهنا يكون الدور الأكبر على الحكومة العراقية في كيفية إفهام الجارتين الضرورات الوطنية العراقية، والتي تأتي في مقدمتها إستقرار الأوضاع في مدينة الموصل.
يفرض الواقع الأمني في سوريا، وتحديداً شرق الفرات، تحدياً كبيراً على واقع المدينة، التي ترتبط برابط جغرافي مباشر مع الحدود السورية، فإلى جانب إنكماش خطر تنظيم داعش، تصاعد بالمقابل خطر حزب العمال الكردستاني، والذي أصبح يرمي بثقله على تخوم مدينة الموصل، وخصوصاً في سنجار، التي شهدت أوضاعاً أمنية غير مستقرة في الأونة الأخيرة.
فالتداخلات في السلطات الأمنية داخل المدينة لأسباب إقتصادية وأمنية، هذا إلى جانب فساد الطبقة السياسية المسيطرة على واقع المدينة الخدمي خلال الفترة الماضية، عمق حالة عدم الإستقرار السياسي في المدينة، مما إنعكس سلباً على المبادرات الإجتماعية الواعدة، وأضر كثيراً بالجهود المجتمعية في إطار تهيئة البيئة السليمة لخلق رأي عام موحد إزاء القضايا الكبرى في المدينة.
وإجمالاً هناك قضايا كبرى في مدينة الموصل، تدخل بمجملها كمحددات حاسمة في تقويض الأمن الوطني العراقي ومنها:
  • ضرورة إنهاء مسألة التدقيق الأمني وإيجاد حلول نهائية لعودة النازحين.
  • إعادة مفهمة طبيعة القوات المتواجدة في المدينة، وخصوصاً الحشد الشعبي.
  • إيجاد قنوات عمل واضحة للتعاطي مع عوائل المنتمين لتنظيم داعش.
  • إحتواء دور الأحزاب والمكاتب الإقتصادية التابعة للحشد المنتشرة في المدينة.
  • التأكيد على ضرورة دعم المبادرات الإجتماعية وعدم تقويضها.
  • ترسيخ فكرة الموصل أولاً في أي مبادرات تطرح على صعيد المدينة، وإنتشالها من خانة الصفقات السياسية التي أضرت بأمنها وإستقرارها ونسيجها الإجتماعي.
  • إبعاد المدينة عن الصراعات السياسية التي أدخلتها في دوامة مفرغة، وأنتجت واقعاً أرجع المدينة إلى المربع الأول، فلا زالت المسببات التي أنتجت تنظيم داعش ماثلة في ذهنية المواطن الموصلي، ومسيطرة على نمط تفكيره حتى اللحظة.
 
كلمات مفتاحية: