تحديات الكابينة الوزارية التاسعة لحكومة إقليم كردستان

شاهو القره داغي
مستشار مركز العراق الجديد
‎بعد أكثر من ستة أشهر على إجراء الانتخابات البرلمانية في إقليم كردستان العراق والتي حصلت في 30 سبتمبر من العام الماضي، نجح الحزبان الرئيسيان في الإقليم (الديمقراطي الكردستاني و الاتحاد الوطني ) وبعد عدة جولات من المفاوضات ، من توقيع الاتفاق النهائي لتشكيل الكابينة الوزارية التاسعة لحكومة إقليم كردستان في 5 مايو 2019 وكيفية توزيع المناصب بين الأطراف المشاركة في الحكومة القادمة، بمشاركة حركة التغيير الذي وافق على المشاركة في الحكومة والتخلي عن قيادة جبهة المعارضة.
‎وحسب الاتفاقيات الموقعة بين الأطراف السياسية ، فإن مناصب الديمقراطي الكردستاني في الكابينة الجديدة ستكون:
‎رئيس إقليم كردستان العراق ، رئيس حكومة الإقليم، نائب رئيس البرلمان ، وزارة الثروات الطبيعية ، وزارة الداخلية  ، وزارة الصحة، وزارة الكهرباء، وزارة البلديات، وزارة التعليم ، مؤسسة الاستثمار ، وزارة المواصلات .مؤسسة العلاقات الخارجية لإقليم كردستان العراق.
‎بينما سيحصل الاتحاد الوطني الكردستاني على هذه المناصب :.
‎رئيس برلمان الإقليم ، نائب رئيس الحكومة ، نائب رئيس الإقليم ، وزارة التخطيط، وزارة التعليم العالي، وزارة البيشمركة، وزارة الثقافة ، جهاز الامن ، وزارة الزراعة .
‎بينما حركة التغيير سيكون من نصيبه :.
‎نائب رئيس إقليم كردستان ، و مساعد رئيس الحكومة  ، ووزارة المالية ، و الاعمار ، و التجارة و وزارة الشؤون الاجتماعية.
‎و إلى الآن لم يشارك الأحزاب الإسلامية في الإقليم في مفاوضات تشكيل الحكومة القادمة، فالاتحاد الإسلامي الكردستاني قرر في وقت سابق عدم المشاركة في الحكومة بسبب نتائج الانتخابات البرلمانية التي شهدت تراجعاً كبيراً للحزب، بينما الجماعة الإسلامية تنتظر مبادرة الديمقراطي الكردستاني للدخول في مفاوضات تشكيل الحكومة و حتى الآن لم تتخذ موقفاً واضحاً بخصوص المشاركة، وفي حال استمرار الاتفاقيات على النحو التالي ، فالحكومة القادمة تشهد غياب كافة القوى الإسلامية في الإقليم.
‎هناك عدة تحديات تواجه الكابينة التاسعة لحكومة إقليم كردستان و يحتاج لمعالجة دقيقة لتحسين الأوضاع في الإقليم:
‎أولا، توحيد قوات البيشمركة
‎منذ تشكيل حكومة إقليم كردستان في عام 1992 يجري حديث جدي عن توحيد قوات البيشمركة، ولكن حتى الآن القوات منقسمة بين (وحدات السبعين) التابع للاتحاد الوطني الكردستاني، و بيشمركة (وحدات الثمانين) التابع للديمقراطي الكردستاني و يتلقى الطرفان الأوامر الحزبية إلى الآن.
‎بعد انطلاق المعارك ضد تنظيم “داعش” في عام 2014 ، أصدر برلمان الإقليم مجموعة من القرارات تُلزم حكومة الإقليم توحيد كافة قوات البيشمركة خلال 6 أشهر .
‎وفي نفس العام، أصدر رئيس الإقليم حينها “مسعود البارزاني” قراراً بالاستعجال بتوحيد كافة قوات البيشمركة ، و إنهاء مظاهر الحزبية داخل هذه القوات ، و اعتبار القوات الخارجة عن وزارة البيشمركة قوات غير قانونية “.
‎عدم توحيد قوات البيشمركة أدى للكثير من المشاكل في الإقليم ، فالحرب الاهلية عام 1994 اندلعت بسبب انقسام البيشمركة بين الحزبين الحاكمين، بالإضافة إلى احداث 17 أكتوبر 2017 و خسارة كركوك والمناطق المتنازع عليها ، كانت نتيجة غياب القيادة المركزية لقوات البيشمركة و انقسام هذه القوات وتلقي الاوامر من قيادات عسكرية حزبية بدل وزارة البيشمركة.
‎هناك محاولات جدية من طرف الحزب الديمقراطي الكردستاني لتقديم مشروع قرار لتوحيد كافة وحدات البيشمركة خلال الفترة القادمة و إنهاء مظاهر الانقسام و الحزبية ، ومن المعروف ان الولايات المتحدة الامريكية و التحالف الدولي ستدعمان بقوة هذا المشروع ، حيث ان التحالف الدولي وبالتعاون مع وزارة البيشمركة بدأ في تنفيذ مشروع إصلاحي لإعادة تنظيم قوات البيشمركة والتي بدأت في شباط 2017 بعنوان “بيشمركة المستقبل”.
‎توحيد قوات البيشمركة يعني ضمان أمان و استقرار الإقليم وإنهاء مخاطر عودة الحرب الاهلية ، بالإضافة إلى تحصين الإقليم من التهديدات الموجودة في المنطقة و احتمالية حدوث صدامات عسكرية او عودة تنظيمات إرهابية إلى المنطقة، كل ذلك يتطلب وجود قوة عسكرية واحدة ذات قيادة مركزية .
‎ثانيا، تحسين الوضع الاقتصادي و مواجهة حقيقية للفساد و معالجة تأخير رواتب الموظفين لعودة الحياة والحركة إلى السوق في الإقليم ، حيث شهد الإقليم جموداً وركوداً اقتصادياً بعد عام 2014 ، عندما قرر رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي قطع رواتب موظفي الإقليم بسبب وجود خلافات سياسية بين الإقليم و المركز حول النفط ، بالتزامن مع الحرب على داعش وانخفاض أسعار النفط ، هذه العوامل كادت ان تؤدي لانهيار اقتصادي لحكومة إقليم كردستان.
‎ولكن مع نجاح حكومة الإقليم في التوصل الى اتفاق مع حكومة بغداد لاستئناف ارسال رواتب موظفي الإقليم، و بعد هزيمة تنظيم داعش، تحسن الوضع الاقتصادي في الإقليم بعض الشيء، وزالت المخاطر الموجودة ، ولكن هذا لا يعني أن هذه الازمات الاقتصادية لن تتكرر، فبمجرد نشوء خلافات سياسية بين الإقليم و بغداد من الممكن عودة المشاكل الاقتصادية ، حيث ان الإقليم لا يملك اقتصاداً منوعاً ، وهذا ما يدفع الحكومة الجديدة للتعامل بشكل جدي مع العامل الاقتصادي ومحاولة تنويع إيرادات إقليم كردستان ، واستغلال العلاقات الإيجابية مع بغداد لتبني سياسات جديدة تمهد لإصلاح اقتصادي حقيقي.
‎من الواضح ان الفساد في الإقليم أقل مقارنة بالفساد في العراق بشكل عام ، و مستوى الخدمات و التطور في كردستان يثبتان هذه الحقيقة، ولكن على الرغم من ذلك فإن نسبة الفساد عالية مقارنة بدول العالم المتطور ، حيث أن آليات محاربة الفساد ليست فعالة بالشكل المطلوب ، بسبب تدخل الحزب في الحكومة و تورط قيادات سياسية حزبية في الفساد والحصول على الامتيازات دون الخضوع للأنظمة و القوانين.
‎وأخيراً وليس آخراً، على الحكومة الجديدة العمل على إنهاء مظاهر الانقسام بين ادارتي( السليمانية و أربيل)، لأن الأوضاع الراهنة في العراق و المنطقة يتطلب إقليم قوي و موحد ، وخاصة مع تشديد العقوبات و الضغوطات الامريكية على إيران و اذرعها في المنطقة بما فيها العراق، حيث ان ايران لو شعرت بوجود خطر يستهدفها من الاقليم ستحاول بكل الوسائل زعزعة الاستقرار في الاقليم واستغلال الخلافات السياسية لتقسيم واضعاف الاقليم ، ولكن في حال وجود حكومة قوية قادرة على بسط نفوذها في كافة اراضي اقليم كردستان حينها يصعب على الاخرين التلاعب بالاستقرار او استهداف الاقليم بسهولة.
تجربة الاقليم السياسية والاقتصادية والاجتماعية تجربة فريدة ومميزة في العراق والمنطقة بشكل عام، وتجاوز هذه التحديات من قبل الحكومة الجديدة ستساهم في تقوية الاقليم وترسيخ مكانته اكثر في العراق والمنطقة..
كلمات مفتاحية: