مفاتيح مواجهة إيران في العراق

فراس الياس
متخصص بالشؤون الإيرانية
تواجه إيران مشكلة كبيرة في تسويق نموذجها السياسي الثيوقراطي  – الطائفي الذي تعتمد عليه في بسط نفوذها الإقليمي في العراق، فرغم إعتمادها على إستراتيجية “التمكين الشيعي” في العراق، لإنجاح مسعاها السياسي، إلا أن هذا النجاح أرتد عليها بالفشل في بعض الأحيان، نتيجة عدم أداء الأدوات الشيعية لأدوارها بصورة تخدم المصالح السياسية الإيرانية.
إن إستمرار الشعور بعدم الإرتياح بين العديد من العراقيين نتيجة النفوذ الإيراني المتزايد، إلى جانب الإنتشار  العسكري الأمريكي الأخير في العراق، يجعل من البلاد ساحة محتملة لمزيد من الصراعات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، وقد حذرت كلاً من الولايات المتحدة وإيران مؤخرا من تأثير القوة الأخرى المتواجدة داخل العراق، وبالمثل، عكست الزيارات المزدوجة لوزير الخارجية الأمريكي، مايكل بومبيو ووزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إلى العراق في كانون الثاني/يناير الماضي، رغبة البلدين في إستمرار نفوذهما في العراق، وخلال زيارته للعراق، اإلتقى ظريف بعدد من الشخصيات السياسية والقبلية والمليشياوية لمعرفة موقفهم من التواجد الأمريكي الكثيف في العراق، وفي الوقت عينه، صرح الرئيس الأمريكي ترامب بأن القوات الأمريكية ستبقى في العراق جزئياً لـ “مراقبة إيران“.
وعلى الرغم من قيام الرئيس الأمريكي بإتخاذ قرار سحب القوات الأمريكية من شرق سوريا، إلا إنه رفض أي تكهنات بسحب القوات الأمريكية من العراق، وأكد من جديد على ضرورة إحتفاظ الولايات المتحدة بقاعدة عين الأسد الجوية، ومن ناحية أخرى، سعت إيران بشكل خاص لتركيز نفوذها وسلطتها على العراق بشكل متزايد، خاصة وأن العراق يقع في قلب الإستراتيجية الإقليمية الشاملة لإيران، ونظراً لموقعه الجغرافي، فإن العراق يمثل شريان مركزي تمول إيران من خلاله حملاتها العسكرية في سوريا ولبنان واليمن، سواء على مستوى الدعم المالي أو اللوجستي.
وفي الوقت الذي لم تنفك فيه دوائر صنع القرار الأمريكي بالبحث عن الوسائل المناسبة لمواجهة إيران في العراق، والتي يأتي في مقدمتها خطة إعادة الإنتشار الأمريكية، وتحديداً في المناطق الشمالية والغربية منه، إلا أنه يمكن القول بأن الخطة الأمريكية يبدو أنها لم تنضج بعد، فهناك الكثير من المتغيرات المؤثرة حيال التوجه الأمريكي الحالي في العراق، والحديث هنا عن تهديدات تنظيم “داعش” المتصاعدة، وهيمنة الحشد الشعبي، وغياب العناصر السنية المحلية التي يمكن التعويل عليها في المرحلة المقبلة، فضلاً عن عدم وضوح الرؤية الكردية حول مدى التناغم مع الخطط الأمريكية مستقبلاً.
وتخشى الولايات المتحدة أيضاً من التهديد المتمثل في الدعم العسكري المحلى الراسخ الذي تتمتع به إيران والذي يمكنها الإعتماد عليه، وإنطلاقاً من التهديد الذي يمثله تنظيم (داعش) على المشروع الإيراني، سعت إيران إلى تثوير المجتمع العراقي من خلال عسكرته، عن طريق إنتاج العشرات من المليشيات المسلحة، إضافة إلى ذلك، يمكن لقوات الحشد الشعبي المدعومة من إيران والتي لديها تاريخ معقد في العراق أن تعمل كحائط صد يحمي إيران من أي تحديات مستقبلية قد تواجهها، إضافة إلى تثوير أحزاب الإسلام السياسي “الشيعي”، وإبعاد سبغة المدنية عنها، عن طريق جعل نشاط هذه الأحزاب مدني وعسكري بنفس الوقت، وهو ما يصطلح على تسميته “بالأحزاب المليشياوية”.
في ظل هذه الظروف، أصبح الوجود العسكري يمثل جوهر معركة النفوذ في العراق، ومثلما فعلت إيران، يجب على الإدارة الأمريكية أن تعمل على توجيه جهودها لتحسين وتطوير علاقتها مع الشركاء المحليين المحتملين على الأرض، والحديث هنا عن القبائل السنية، والفصائل السنية المسلحة، والقوى السياسية المعارضة للنفوذ الإيراني في العراق، وتحديداً القوى السياسية المتواجدة في عمان ولندن وواشنطن، كما أن هناك تيار شعبي شيعي واسع في مدن جنوب العراق أصبح ناقماً على سياسات إيران السلبية في العراق، يمكن الإستفادة منه وتوظيفه جيداً لمواجهة النفوذ الإيراني في العراق، إلى جانب ذلك، هناك أيضاً أعضاء البرلمان الذين أبدو توجهاً للخلاص من النفوذ الإيراني، والحديث هنا عن تحالف “سائرون” و”الحكمة” و”الوطنية” وغيرها.
 وفى ظل الوجود العسكري الأمريكي الحالي في العراق، قد تواجه القوات الموالية للولايات المتحدة موقفاً خطيراً، فقد يدفع الوكلاء المدعومون من إيران إلى مواجهة عسكرية أمريكية مباشرة – وهو إحتمال سيكون مكلف للغاية وذلك في ظل سيطرة القوات الإقليمية الإيرانية واسعة النطاق، كما أن قدرة إيران على تصعيد أي صراع إلى صراع إقليمي أوسع يجعل أي صدام محتمل في العراق خطيراً بشكل خاص، وفى هذا الصدد، أسس الجنرال قاسم سليماني ومعه فيلق القدس الإيراني، علاقات واسعة مع مختلف الحركات المسلحة السنية والشيعية على حد سواء، والتي أظهرت ولاءً كبيراً لإيران خلال المرحلة الماضية.
وعلى الرغم من أن سياسة فرض العقوبات الإقتصادية التي تنتهجها الولايات المتحدة ضد إيران تبدو كأنها خياراً إستراتيجياً أمريكياً ناجعاً ومفضلاُ، إلا أنها ستفقد فاعليتها إذا ما إمتدت لفترة طويلة دون أن تكون هناك نتائج ملموسة على أرض الواقع، خصوصاً وإننا نتحدث عن إيران التي قامت بإعادة هيكلة إقتصادها لمواجهة تلك العقوبات، ونظراً لأن إيران تمتلك تاريخاً طويلاً في كيفية التعامل مع العقوبات والأزمات، ينبغي على المسؤولين الأمريكيين التفكير في إتخاذ تدابير بديلة يمكن أن تساعد في جهود فرض العقوبات للحد من التوسع الإيراني.
إن إعادة بث الحياة والتعاون مع العناصر الوطنية والقومية المناوئة للمشروع الإيراني في العراق، يمثل أمراً ضرورياً لمواجهة النفوذ الإيراني في العراق. فالسياسات التي تتبعها الميليشيات القريبة من الحرس الثوري والتي تقوم على إبتزاز العناصر غير المنسجمة معها والضغط عليها، يمكنها أن توفر للولايات المتحدة هامش أوسع للمناورة الإستراتيجية أكثر من ذي قبل، وفي حين نجحت إيران في إنتاج مجموعات موالية لها داخل العراق، فإن هذه المجموعات نفسها ساهمت في عزل الكثير من المدنيين العراقيين عن المشروع الإيراني، كما أن هناك رغبة كردية وعربية لإستعادة الحكم الذاتي في مناطقهم، بعد أن تم سلبها من قبل حلفاء إيران في العراق، وتجنب الإنضواء تحت المشروع السياسي الإيراني في العراق.
فتلك العناصر المحلية هي الأقدر على التعامل مع إيران في العراق، فهم يملكون خلفية عسكرية وإستراتيجية تمكنهم من مواجهة النفوذ الإيراني، وذلك بفعل خطابهم السياسي الذي يتجاوز الحدود الطائفية والمذهبية الضيقة، علاوة على ذلك، من المحتمل أن تلقى هذه الإستراتيجية دعماً من قوى إقليمية أخرى – مثل الأردن والمملكة العربية السعودية -والتي ستستفيد من تحرير العراق من قبضة إيران وسيطرتها.
إن التعاطي مع الحالة الإيرانية في العراق يحتاج إلى رؤية إستراتيجية شاملة، تتخطى نطاق العقوبات أو مجرد الإبقاء على الوجود العسكري الأمريكي الحالي في العراق، ومن ثم، يجب أن تبدأ تلك الإستراتيجية بعزل إيران وإحتوائها مع التركيز على بناء شراكات إستراتيجية محلية داخل العراق لمواجهة النفوذ الإيراني هناك، لذلك، يجب التعامل مع تلك الإجراءات على أنها جزء من خطة شاملة؛ خاصة أن إيران ستكون قادرة على الإستمرار في سياستها التوسعية من خلال إيجاد ممرات بديلة تستطيع من خلالها بسط نفوذها إقليمياً إذا ما تم أزاحتها من العراق، وإذا ما أرادت الولايات المتحدة الإستمرار في سياستها لمنع التمدد الإيراني، فعليها أن تنظر للعراق على إنه خطوة مهمة، وليس التدبير النهائي لسياسة إحتواء إيران.