المواجهة المرتقبة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران حربية أم دبلوماسية؟

د. عبدالناصر المهداوي
مستشار مركز العراق الجديد
     شهدت الأيام السابقة تصعيدا كبيرا بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران على مستويات عدة، منها على مستوى التصريحات، وأخرى قد تكون أكثر خطورة على مستوى التحشيد الحربي، وثالثة على مستوى الاستخبارات، ولعل هذا التصعيد لا يقتصر على الطرفين فحسب بل يتعداهما إلى الحلفاء في الشرق الأوسط، أضف لما تقدم حزم العقوبات الأمريكية على طهران بمختلف مراحلها هدت أركان الاقتصاد الإيراني وزلزلت كيان إيران في ظل حراك إيراني في الداخل معارض، كل هذه الأحداث تشي بحدوث مواجهة مرتقبة لا هروب منها، لكنها قد لا تكون بالضرورة مواجهة عسكرية، قد لا يكون الغرض من كل هذه الضغوط من العقوبات إلى حشد ناقلات الطائرات والقاذفات المرعبة مرورا بحرب التصريحات مكسب حربي على الأرض بل حشر إيران للجلوس على طاولة الولايات المتحدة لإبرام اتفاق نووي جديد على مقاس العم سام، فهل ستخضع إيران ويتجرع قادتها كأس السم من جديد؟ في هذه المقاربة سنبتعد عن سردية حتمية المعركة إلى احتمال وقوعها على الأرض إن لم تخضع إيران لطاولة المفاوضات من جديد.
     في مؤتمره الصحفي الأخير في البيت الأبيض، ظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب في موقع المستعد لجني ثمار انسحابه من الملف النووي الإيراني وعقوباته القصوى على طهران، وقال: ما ينبغي لهم (الإيرانيين) فعله هو أن يتصلوا بي ونجلس. بوسعنا التوصل إلى اتفاق عادل. كل ما نريده منهم ألا يمتلكوا أسلحة نووية. وهذا ليس بالطلب الكبير. وسنساعدهم في العودة إلى وضع أفضل وقال: يجب أن يتصلوا، إذا فعلوا ذلك فسنكون منفتحين على الحديث معهم. وجدد على غير عادته إبداء استعداده لـمساعدة طهران وإزالة العقوبات، وقال: أريدهم أن يكونوا أقوياء ورائعين، وأن يكون اقتصادهم رائعاً… يمكننا التوصل إلى اتفاق عادل، تعد هذه التصريحات غريبة نوعا ما على المتابع لتصاعد الأحداث خاصة التي رافقت زيارة وزير الخارجية الأمريكي بومبيو لبغداد بشكل مفاجئ بعد أن ألغى زيارة له لألمانيا، هذا فضلا عن تحشيد عسكري أمريكي غير مسبوق في منطقة الخليج العربي.
    السبب الحقيقي الغير معلن لزيارة وزير الخارجية الأمريكي لبغداد كشفه الموقع الاستخباراتي الإسرائيلي “ديبكا”، وتضمن أن الإدارة الأمريكية أرسلت تهديدا مباشرا لإيران، مفاده بأنه في حال مهاجمة حزب الله العراقي والميليشيات الموالية لإيران القواعد الأمريكية في العراق وسوريا، فإن واشنطن ستهاجم قواعد الحرس الثوري الإيراني نفسه. وأورد الموقع الاستخباراتي العبري أن وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، زار العراق في 7/5  للسبب نفسه، وقام بإلقاء تحذير للعراق بأنه في حال مهاجمة ميليشيات عراقية موالية لإيران القواعد الأمريكية في العراق وقاعدة التنف الأمريكية في شرق سوريا، فإن القوات الأمريكية ستهاجم قواعد الحرس الثوري الإيراني. وأكد الموقع الإلكتروني الاستخباراتي العبري أن تهديدات زعيم “عصائب أهل الحق” (أحد فصائل الحشد الشعبي في العراق)، قيس الخزعلي، بشأن مهاجمة قوات أمريكية في الشرق الأوسط، لابد وأن تأخذ على محمل الجد، وهو ما كان سببا في زيارة بومبيو للعراق.
   الأمر الخطير الذي ذكره الموقع إلإلكتروني العبري، المحسوب على الاستخبارات الإسرائيلية، هو ما أورده في تقرير سابق أن الإدارة الأمريكية أجرت اجتماعا سريا لمناقشة الوضع حول إيران. وزعم الموقع العبري “ديبكا”، أنه في السابعة من صباح التاسع والعشرين من أبريل/نيسان الماضي، عقد في مقر وكالة الاستخبارات المركزية في لانغلي، اجتماعا استثنائيا وخاصا لمناقشة الوضع في إيران. وأورد الموقع الإسرائيلي أن الاجتماع السري شارك فيه كل من، وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، ومستشار الأمن القومي، جون بولتون، ووزير الدفاع، باتريك شانون، ورئيس أركان القوات المسلحة، جو دانفورد، ومديرة وكالة المخابرات المركزية “CIA”، جينا هاسبل، ومدير المخابرات، دان كوتس. وذكر الموقع الإلكتروني العبري أنه في العادة ما تعقد مثل هذه الاجتماعات السرية في قاعة خاصة بالبيت الأبيض في واشنطن، إلا أن هذا الاجتماع لم يتم الإبلاغ عنه، أو حول ماهية الاجتماع السري نفسه.
      الجهة الأكثر حماسة لنشوب حرب في الشرق الأوسط وتحرض على ذلك هي “إسرائيل” لذا ما يؤكده الموقع الاستخباراتي العبري، وثيق الصلة بجهاز الموساد الإسرائيلي، أن جميع المشاركين في هذا الاجتماع الأمريكي السري، لم يرفضوا فقط إعطاء أي تفاصيل عن الاجتماع، ولكن رفضوا الإعلان عنه من الأساس. في تلميح واضح قد يراد به تسريب ضربة أمريكية محتملة قريبة لإيران أو أذرعها في الشرق الأوسط. الحرب قرار مدمر قد يشعل منطقة الشرق الأوسط، وقد يكون قرار الحرب مستبعدا من طرفي النزاع الذين يراهنون على حرب دبلوماسية قد تفضي إلى اتفاق يجنب البلدين وبلدان الشرق الأوسط تبعات وتداعيات حرب مدمرة بكل ما تعنية هذه الكلمة من أبعاد. وهذا الأمر ما تراه دول الخليج العربي المتضرر الأكبر من إرهاب إيران من جهة، ومن تداعيات أي حرب شاملة لا بد أن يتطاير شررها على المنطقة برمتها من جهة ثانية، يقول الكاتب السعودي خالد السليمان؛ الكل سيخسر في حال اندلاع حرب في المنطقة، فالشظايا ستصيب الجميع، والشفاء من جراحها سيستغرق سنوات طويلة. وعبّر السليمان في مقالة بعنوان “هل تخضع إيران؟!” عن الأمل في أن تنتهي الضغوط الأمريكية إلى قبول إيران بإجراء مفاوضات حول برنامجها النووي تنتهي باتفاق جديد يبدد مخاوف جيران إيران والعالم من خطورة برنامجها النووي.
  وبحسب الكاتب السعودي أن خضوع النظام الإيراني للضغوط الأمريكية مسألة وقت، والتصعيد السياسي والإعلامي ليس إلا للاستهلاك الشعبوي في الداخل الإيراني، والأيديولوجي لدى الأتباع في الخارج، وفي النهاية تدرك إيران أنها ستكون الخاسر الأكبر في أي حرب تندلع، ولن يجازف الملالي بخسارة السلطة، وهم استوعبوا جيدا تجربة نظام صدام حسين مع الغرب. ورصد الكاتب أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حشد سفنه الحربية وقاذفاته الجوية ووضع مسدسه على الطاولة ثم جلس بجوار الهاتف ينتظر الاتصال الذي طال انتظاره ليبلغه الإيراني بقبوله شروط التفاوض على اتفاق نووي جديد يبدد مخاوف المجتمع الدولي ويمنح دول المنطقة الطمأنينة التي تنشدها تجاه طموحات جارتها المتنمرة، وتوصل السليمان إلى استنتاج يقول إن هاتف الرئيس الأمريكي سيرن على الأغلب لكن من المهم ألا يكون مجرد اتصال لشراء الوقت، وشراء الوقت كان دائما البضاعة الأكثر رواجا في البازار الإيراني!
     وعلى الرغم من كون الرد الإيراني حول دعوة ترامب إلى الجلوس إلى طاولة المفاوضات بعد الاتصال به كان سلبيا إلا أن العديد من تصريحات القادة الإيرانيين قد تكون للاستهلاك العام ولا حقيقة لها، فقد وجّه رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى الإيراني كلاماً للرئيس الأميركي دونالد ترمب، مفاده أن أحدا لن يتصل به من طهران مهما حاول تمرير رقم هاتفه أو فرض عقوباته. وأعرب حشمت الله فلاحت بيشة، رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى الإيراني، عن اعتقاده بأن أميركا لن تدخل في حرب مع إيران تدرك بأنها ستخرج منها خاسرة، مؤكداً لوكالة أنبار فارس الرسمية يوم الأحد 12/5، أن لا أحد في إيران سيتصل هاتفيا بترمب مهما حاول. يعي العديد من المختصين أن التصريحات الإعلامية لا قيمة لها أمام الوقائع على الأرض، كما يعي المختصون في الشأن الإيراني أن إيران تجيد المناورة وأنها تبطن ما لا تظهر.
     يقول فائز السعدون وهو دبلوماسي عراقي سابق؛ من خلال خبرتي الشخصية جراء عملي في الملف الايراني في وزارة الخارجية على مدى عشر سنوات، البعض منها قضيته في طهران، أقول بثقة كاملة أنه كلما علا صوت الايرانيين مهدداً متوعداً الامريكان والاسرائيليين والخليجيين فأعلموا أن قنوات الاتصال الخلفية تعمل بكامل طاقتها بين إيران وهذه الأطراف، ليس من باب الظرافة أو النكتة أن يخاطب ترامپ قادة إيران داعياً اياهم للاتصال به وأنه لا ينوي ايذاء بلادهم. ترامپ ومستشاروه يعلمون جيداً أن روما وپاريس وجنيڤ كانت مسارح شهدت لقاءات ثلاثية إيرانية – امريكية – إسرائيلية حول ملفي أفغانستان والعراق، وهو يعلم أن إدارة بوش الأبن كانت أبلغت إيران بقرار الحرب على العراق قبل أن تبلغ به اقرب حلفائها في الناتو أو الخليج ، وفي الوقت الذي كان خليل زادة وجواد ظريف يبحثان آفاق التعاون لمرحلة ما بعد الاحتلال كانت جموع الإيرانيين التي يخرجها النظام تخرج الى الشوارع في المناسبات المختلفة وهي تهتف ” مرگ بر امريكا ، مرگ بر اسرائيل “، وحصيلة تلك المباحثات فإنه سمح لإيران باحتلال شريط حدودي بعمق أربعين كيلومتراً داخل الأراضي العراقية ، وأن ظريف الايراني والاسرائيليين هم اصحاب فكرة تفكيك الدولة العراقية وقواتها المسلحة والأمنية، ومقابل ذلك سمحت ايران للطيران الامريكي باستخدام أجوائها خلال العدوان الأمريكي.
     مما تقدم قد تكون الولايات المتحدة الأمريكية تسعى لاتفاق نووي جديد على شروطها وهذا الأمر يعد الجزء الظاهر من جبل الجليد التي تسعى واشنطن لتحقيقه، فهناك مطالب أخرى أكثر أهمية؛ منها تحجيم دور إيران في المنطقة، وتقليم أظافر أدواتها ووكلائها، سواء كانت ميليشيات عراقية أو سورية أو لبنانية أو حتى يمنية، لضمان أمن حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية، فإيران تجاوزت الخط الأحمر المسموح لها، ولا مصلحة لا للغرب ولا لبلدان منطقة الشرق الأوسط أن تبقى إيران تتدخل في الملفات الداخلية وزرع الفتن لبلدان الشرق الأوسط وخاصة دول الخليج العربي الحليف الأقرب للولايات المتحدة الأمريكية، هذا فضلا عن استمرار سياستها في تصدير الثورة ودعم الميليشيات الخارجة عن القانون في بلدانها، وحتى التي لها توصيف قانوني وتتبع ولاية الفقيه فهي مستهدفة كذلك. فلابد من تغيير سلوك إيران أو تغيير النظام الحاكم فيها من نظام الولي الفقيه إلى نظام مدني يتعايش سلميا مع جيرانه.
    مكمن الخطر في هذه الأحداث أن الطرفين مستعدين ومتوثبين لرد فعل عنيف، فالولايات المتحدة الأمريكية تعد أي هجوم على قواعدها في العراق وسوريا من أي جهة موالية لإيران حتى ولو كانت “داعش” هو هجوم إيراني يستحق الرد، وطهران تتوعد وتدخل حالة إنذار قصوى في قطاعاتها كافة وحتى وكلائها في المنطقة، لا بل حتى التخريب الذي حصل في المياه الإقليمية الإماراتية لسفن تجارية أربع منها ناقلات نفط سعودية إن ثبت أنها من فعل إيران أو وكلائها في المنطقة فهذا الأمر يعد بدأ أول رصاصة في الحرب كما صرح السفير الاميركي آدم إيرلي في قناة العربية حين قال: إن الهجوم التخريبي على السفن التجارية في الخليج العربي مقابل الفجيرة وفي المياه الاقتصادية لدولة الإمارات العربية هو حتما من اعمال ايران الارهابية. وعما إذا كان هذا العمل التخريبي سيقود إلى حرب ضد إيران قال ادم إيرلي؛ بهذا العمل التخريبي نستطيع أن تقول أن الرصاصة الأولى في الحرب المقبلة قد أُطلقت.