من هو المستفيد من “صدمة الاحتلال الأمريكي للعراق” الولايات المتحدة أم إيران؟ الجزء الثاني…توظيف مخرجات الصدمة للمشروع الطائفي

د. عبدالناصر المهداوي
مستشار مركز العراق الجديد
          دأبت إيران بعد اسقاط حكم الشاة وتنصيب حكم الولي الفقيه على أن تنقل أفكارها عبر الحدود باستراتيجية تصدير الثورة الإيرانية، وكان النظام يبذل ما في وسعه أو يزيد من أجل اخضاع العراق لسلطة ولاية الفيه على الرغم من كون المرجعية في النجف لا تؤمن بها، ومع اعتبار دعم الحكومة العراقية أيام حكم الشاه في إيران للخميني وبشكل كبير من قبل حكومة البعث وصدام إلا أن أطماع نظام ولاية الفقيه في العراق لم يكن يراعي هذه المواقف ولم يلتفت إليها، بل أخذ يتحين الفرص للنيل من الحكومة العراقية من الداخل العراقي عبر تحريض حزب الدعوة وقيادات فكرية شيعية كمحمد باقر الصدر و محمد صادق الصدر وغيرهم، ولعل الجميع يعي سبب إعدام الحكومة العراقية للسيد محمد باقر الصدر وشقيقته بنت الهدى بعد الرسالة التي أرسلها له الخميني من خلال وسائل الإعلام ويدعوه بها للثورة على النظام كما تشير العديد من المصادر الإعلامية.
    عد الخميني الأنظمة الملكية والنظام البعثي في جوار إيران أنظمة غير إسلامية، ووصفها بالفاسدة والظالمة، وأنه على حد تعبيره لا مهرب من تدمير هذه الحكومات الفاسدة المفسدة، ومن إسقاط جميع الأنظمة الظالمة، والخائنة، والمجرمة. أمّا أيديولوجياً، فلقد رفض الخميني المرجعية الثقافية الغربية التي قام عليها النظام الدولي الحديث، وتبنّى مرجعية ثقافية محلية تاريخية متأصلة، عوضاً عن استيراد الأفكار الرأسمالية من الغرب أو الأفكار الشيوعية من الشرق، يصف رجائي هذا الجانب لدى الخميني قائلاً: رفض الخميني هيمنة القوى العظمى، معتبراً إيّاها مصدر الشرور والمشاكل في العالم، فقال “تعتبر شعوبنا أمريكا عدوتها الأولى، ويعد رجائي أحد أسباب عداوة الخميني للشاه في اعتبار الأخير: ألعوبة بيد الأمريكان، فيما ينطلق ذات المنطق على الأنظمة العربية التقليدية، التي اتهمها بالعمالة وحرضّ “المظلومين” (الشيعة على وجه الخصوص) على الانتفاضة في وجهها وباستبدالها بأنظمة حكم إسلامية على النمط الإيراني.
       استخدمت إيران للهيمنة على العراق السبل كافة، وكان على رأسها حرب الثمان سنين، يقول د. ماجد السامرائي؛ كان الخميني يعتقد بأنه سيكسب معركته ويدخل بغداد بعد أن طُرد من النجف، مع أن أجهزة المخابرات العراقية كانت هي التي تسوّق أشرطة دعوته داخل إيران للانقضاض على حكم الشاه. وكان خوف صدام على زعامته الجديدة هو المحرك لسياساته الأمنية تجاه خصومه السياسيين من “الشيعة” وخصوصاً حزب الدعوة والبعض من الرموز الشيعية، وتعامل مع تقاليد أبناء الشيعة العراقيين في “زيارات المراقد الشيعية وطقوسها” بخوف من أن تتحول إلى تظاهرات مدفوعة من قبل طهران، مما ساعد في تصعيد المشروع الخميني في العراق وفتح المعركة على مصراعيها، وأصبحت بوابة الحرب هي الطريق لتحقيق هدف إسقاط نظام صدام، وفعلا وقعت حرب ضروس طاحنة بين البلدين الجارين.
    استمرت الحرب تأكل من الطرفين كل شيء، وفي سنتها الثامنة تمكن العراق من إحراز انتصارات مهمة في الحرب، مكنته من أن يعيد إلى سيطرته مدنه الحدودية التي احتلتها إيران، حتى توقفت الحرب في 8/8/1988 بقبول إيران وقف إطلاق النار. انتهت الحرب بعد موافقة آية الله الخميني على قرار دولي بوقف إطلاق النار والتفاوض قائلا مقولته الشهيرة في 18 يوليو/ تموز عام 1988 “الموت والشهادة أهون علىَّ من هذا، كم أنا حزين، لأنني تجرعت كأساً من السم حين وافقت على القرار، لم تخرج الحرب العراقية الإيرانية إلا بدمار البلدين اقتصاديا وسياسيا، كما لم يحقق بها أي طرف نصرا على الطرف الاخر بعمل عسكري، بل كانت حرب استنزاف للبلدين.
    مساعي إيران لإسقاط نظام البعث وصدام ذهبت أدراج الرياح بعد ثمان سنوات دفع فيها الطرفان مئات الآلاف من القتلى والجرحى والمعوقين دون أي هدف يلوح في أفق كل منهما، لذلك ذهب أتباع إيران لانتهاج سياسة تعتمد على تأليب الرأي العام العالمي وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية لإسقاط صدام وإنهاء حكم البعث كي تهيأ لهم فرصة للسيطرة على العراق من خلال ذلك، وهو ما حصل على وجه الحقيقة. وابتدأ الاحتلال الأمريكي في العراق بعد 2003 ليمكن لأمرين؛ الأول الفوضى الخلاقة وانتهاج استراتيجية الصدمة، والثاني توظيف إيران وميليشياتها في الفتنة الطائفية الأداة الأساس في صناعة الصدمة والفوضى الخلاقة.
   غير أن إيران على الرغم من دورها بشكل غير مباشر بعد أن ضخت بميلشياتها لتهيمن على الساحة الأمنية لم تتوقف إلا بعد أن أسست للواقع الطائفي عبر أحزابها وميليشياتها وكانت أداة لترويع العراقيين، واستخدمت مع المحتل وسائل الإرهاب ضد العراقيين، فكانت الجثث تلقى على جانب الطريق لإثارة الرعب في النفوس، خلال الثلاث سنوات الأولى من الاحتلال، تم اعتقال 61.500 عراقي، وأشاعت وسائل التعذيب في المعتقلات التابعة لقواتها وميليشياتها كما كانت تتبع يومها وزارة الداخلية، فمغاوير وزارة الداخلية كانت تعتقل العرب السنة على الهوية وبدل أن تسجنهم بسجون الوزارة كانت تنقلهم إلى سجون الميليشيات التابعة لبعض الحسينيات التي تهيمن عليها.
     والاحتلال يمارس هو الآخر التعذيب في السجون الرسمية كما حدث في سجن أبي غريب، في احد تقارير الصليب الأحمر يقول أن ما بين 70% إلى 90% تم اعتقالهم بشكل خطأ،  كان يموت 1000 عراقي كل اسبوع، أكثر من 4 مليون نازح ،تحول العراق من دولة ذات اقتصاد مزدهر إلى ركام من خراب ودمار، فكان العراق يدل على فشل سياسة الاحتلال، خاصة بعد تسليمه العراق لإيران، ولم تكن المرة الأولى التي فشلت فيها أفكار أصحاب القرار الأمريكي، بل من العار أن تكون جهود الولايات المتحدة تصب في صالح دولة تناصبها العداء، فإيران المستفيد الأكبر من تجارب الأمريكان وحروبهم في العراق.
   كتبت في مقال سابق؛ وبعد ست عشرة سنة عجاف بعد الاحتلال ماذا حصل عليه العراق غير الطائفية والقتل والتهجير والخراب ودمار محافظاته، بعد أن أسلم أوباما العراق لإيران وأحزابها الطائفية، وبعد ثبوت أن مبررات الغزو كانت كاذبة بأدلة قطعية، ونشير هنا إلى التقارير الدولية بهذا الصدد ومنها تقرير تشيلكوت البريطاني. وأن مآلات الغزو كانت كارثية عانى منها المواطن العراقي بمختلف خلفياته واتجاهاته، وكان في وسع الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها يومذاك تغيير النظام دون تدمير الدولة وتحطيم المجتمع، وهي تملك يومذاك من القدرات والإمكانات ما يتيح لها خيارات أفضل لتغيير النظام بأيدي عراقية دون ان تتعرض الدولة العراقية للانهيار والتفكك، مع اعتبار ظهور السبب الحقيقي للغزو أيام أوباما الذي سلم الراية من العم سام للعم الولي الفقيه.
    ولعلنا أن نرصد دور إيران وتعاونه مع الاحتلال الأمريكي وتوظيف مخرجات الاحتلال لصالحها بعد أن هيمنت إيران بشكل شبه كلي على الساحة الأمنية والسياسية في العراق، وفي رصد تأريخي ومتسلسل لطبيعة العلاقة الأمريكية الإيرانية يتأكد لنا أنها في اتجاهين، الاتجاه الأول يتمثل بالتعاون والتكامل والتنسيق وحتى التماهي بين المشروعين خاصة في الشرق الأوسط بشكل عام وفي العراق بشكل أخص، وفي الاتجاه الثاني تغيرت البوصلة الأمريكية منذ تسلم الحزب الجمهوري والرئيس ترامب السلطة، فانحدرت العلاقة بشكل متتابع إلى التقاطع والاستهداف الأمريكي المتدرج لإيران وباتت المواجهة كبيرة بين الطرفين.
      يقول الباحث لقاء مكي في دراسة مفصلة؛ يمكن تقسيم مراحل التنسيق الأميركي-الإيراني في العراق إلى أربع مراحل الأولى هي التي سبقت الغزو الأميركي عام 2003 وشهدت تنسيقًا مباشرًا بين واشنطن وطهران، وهنا يكشف السفير الأميركي السابق في العراق وممثل واشنطن لدى المعارضة العراقية السابقة، زلماي خليل زادة، عن اتصال جرى بينه وبين ممثل إيران لدى الأمم المتحدة، آنذاك، ووزير خارجيتها الحالي محمد جواد ظريف، لضمان عدم تعرض الطائرات الأميركية لنيران إيرانية أثناء هجماتها على العراق عند الغزو.
     ويذكر خليل زادة في كتاب نشره في العام 2016 أنه طلب من ظريف أن تقوم إيران بحثِّ الشيعة العراقيين على المشاركة بطريقة بنَّاءة في إقامة حكومة جديدة في العراق. وفي المرحلة الثانية شجعت الولايات المتحدة على الاعتماد أكثر على القوى السياسية الشيعية القريبة من إيران، وتمكينها من أدوات القوة في الجيش والشرطة والدولة بشكل عام للتصدي للمقاومة السنية المتصاعدة. والمرحلة الثالثة كانت بعد تسلُّم الرئيس باراك أوباما لمهامه في الولايات المتحدة، مطلع العام 2009، حيث قامت سياسته على استراتيجية الخروج من العراق، مثَّلت جوهر وعوده الانتخابية. وبطبيعة الحال، فهو كان بحاجة لتنسيق مباشر وقوي مع إيران لضمان انسحاب سلس وسريع من العراق حتى لو كانت مخرجاته تصب في صالح إيران.
     وهناك أهداف أخرى واضحة من احتلال العراق تتمحور حول إضعاف العراق وتحويله الى دولة فاشلة، تسود فيها العصبية المذهبية والعشائرية والعرقية والمناطقية، ويتمزق النسيج الاجتماعي، ويشيع الفساد، ويعم الظلم والتمييز، ويسود الفاسدون، وتضيع السيادة وتستبدل بتبعية عمياء لنظام ولاية الفقيه، ويصبح العراقيون الوطنيون والشرفاء تحت القبور أو وراء القضبان أو في المهجر، أو يعدون اليوم غرباء في بلدهم، ولم يستثني النظام الطائفي أي عراقي يتحفظ على سياسته البغيضة سواء كانوا عربا أو كوردا أو تركمانا، وكذلك سواء كانوا شيعة أو سنة مع اعتبار أن نصيب الأسد من ظلم النظام الطائفي وقع على العرب السنة ومحافظاتهم، فقرار الطائفية البغيضة واضح على لسان أحد أهم قادتها حين حدد مصير العرب السنة العراقيين بواحدة من ثلاث؛ المقابر، المحاجر، المهاجر.