إمكانيات الفعل الإستراتيجي الإيراني في مضيق هرمز

فراس الياس
متخصص في الشؤون الإيرانية
تستمر الولايات المتحدة بثبات في تشديد الخناق على إيران، وهو ما إنعكس في حدة الخطاب الإيراني الذي يهدد بإغلاق مضيق هرمز، واللجوء إلى الخيار العسكري للرد على الأعمال الأمريكية، وفي حين أن القدرات البحرية لإيران ليست مجهزة بشكل جيد لإغلاق المضيق بشكل كامل، فإن هذه التهديدات تعكس تصعيداً أقل حدة، لكنه يمثل خطراً على المضيق.
يمثل مضيق هرمز أهمية كبيرة للتجارة العالمية، حيث يمر عبره حوالي 40 في المئة من الإنتاج العالمي من النفط، كما يتم تصدير ما يقرب من 17 مليون برميل من النفط عبر المضيق كل يوم، وبالتالي، فإن التهديدات التي قد يتعرض لها المضيق، سواء كانت واقعية أم لا، قد تؤثر بشكل كبير على حركة الأسواق نظرا لأن جميع مستوردي النفط أو الغاز الطبيعي في العالم ، بما في ذلك الولايات المتحدة ـ يعتمدون على المرور الآمن للشحن عبر المضيق.
لابد من القول بأن الإستفزازات البحرية التي تقوم بها إيران اليوم في مضيق هرمز، وخصوصاً من جانب القوات البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني، بإعتبارها تضطلع بالمهمة الرئيسية في منطقة الخليج العربي وخليج عمان، كان لها الكثير من التداعيات الأمنية على المصالح الخليجية والدولية، ولعل هذا يأتي إستكمالاً لإستراتيجية الحرس الثوري البرية في ساحات الصراع الأخرى في الشرق الأوسط، كونه الأداة الرئيسة في إستراتيجية إيران الإقليمية.
وبالترابط مع إستراتيجية الدفاع الغير متماثل التي يعتمدها الحرس الثوري في إطار الحروب البرية، فقد إستطاع أيضاً أن يطبق فرضيات الدفاع الغير متماثل في إطار إستراتيجيته البحرية، فنظراً لمحدودية القدرة الإستراتيجية للبحرية الإيرانية في الخليج العربي وخليج عمان، ذهبت إيران بإتجاه تبني إستراتيجية التعرض البحري الغير مباشر، وذلك من خلال الدفع بأعداد كبيرة من الزوارق البحرية الصغيرة، والمزودة بصوريخ محمولة على الكتف، وطرادات بحرية بريطانية الصنع، وغواصات صغيرة مستوردة من كوريا الشمالية مؤخراً، وصواريخ البالستية امضادة للسفن، فضلاً عن تطوير أنظمة الدفاع الساحلي”كروز”، وزرع الألغام البحرية، ونصب مفارز بحرية عشوائية، إلى جانب تسخير أسراب من الطائرات بدون طيار، والمجهزة بقنابل متفجرة، من أجل شن هجمات إنتحارية على سفن العدو، وكذلك مروحيات بحرية ، وطائرات F-27 الثابتة الجناحين، وعدد صغير من الحوامات البحرية، وتطوير قدرات الهجمات السيبرانية للتجسس والاستطلاع، والتي تأتي جميعها من أجل فرض سيطرة غير مركزية على منطقة مضيق هرمز، والتي هي بصورة أخرى غير موازية للوجود الأمريكي هناك، حيث أن إيران قامت بوقت سابق بنقل أغلب سفنها الحربية الكبيرة إلى مناطق بحر قزوين والمحيط الهندي، كونها تدخل في سياق الحروب التقليدية، وهو مالا يتوائم مع إستراتيجية الحرس الثوري الإيراني التي تعتمد إسراتيجية الدفاع الغير متماثل، القائمة على فرضية “الكر والفر”، بوصفها ركيزة أساسية في التحرك العسكري في البر والبحر، فضلاً عن أن البحرية الخاصة بالحرس الثوري نسجت علاقات قوية في الأونة الأخيرة مع العديد من مجاميع القرصنة البحرية كـحركة الشباب الصومالي في باب المندب، تحت فرضية الجهاد البحري المقدس، من أجل شل حركة النقل البحري وإمدادات الطاقة السعودية والأمريكية والدولية عبر البحر الأحمر.
يمكن القول بأن إيران لاتمتلك فرصاً كبيرة في إغلاق المضيق لفترة طويلة جداً، بل أن أقصى مايمكنها القيام به هو عرقلة السفن المارة عبر المضيق لفترة قصيرة، هذا إلى جانب أن إيران لاتمتلك السلطة القانونية الدولية المطلقة على مياه مضيق هرمز، كون جزء كبير منها يتداخل مع المياه الإقليمية لسلطنة عمان، كما أن مايدلل على هامشية التحركات الإيرانية، ماصدر من تصريحات مشككة بقدرة إيران على إغلاق المضيق، ومنها ما أشار إليه مسؤول لجنة الأمن القومي والسياسات الخارجية في مجلس الشورى الإيراني حشمت الله فلاحت بشه، والذي قال بأن إيران لايمكن لها أن تغلق مضيق هرمز، وأن تصريحات روحاني الأخيرة هي للإستهلاك الإعلامي لا أكثر.
في هذا الإطار، نجد بأن البحرية الإيرانية في الخليج العربي تعتمد على شن عمليات أشبه بعمليات القرصنة البحرية، عند القيام بعمليات تفتيش السفن المارة بالخليج العربي، كما حدث في عام 2016، عندما إحتجزت البحرية الإيرانية مجموعة من البحارة الأمريكان دخلوا المياه الإقلمية الإيرانية، أو عندما قامت بإطلاق النار على سفينة تحمل علم سنغافورة في عام 2015، قالت إنها ألحقت الضرر بمنصة بحرية إيرانية، أو ما قمت به أثناء الحرب العراقية الإيرانية فيما عرف انذآك بـ”حرب الناقلات”، إذ عادةً ماتربط عمليات إطلاق سراح الرهائن الذين يتم إلقاء القبض عليهم، مقابل مبالغ مالية أو شروط سياسية، إذ تقوم بمهام التفتيش سفن صغيرة تظهر وتختفي فجأة، بمعنى أننا لسنا أمام قوة بحرية لها من التقاليد الحربية المتعارف عليها.
لكن تبقى تكتيكات الكر والفر التي يتبعها الحرس الثوري الإيراني في إطار إستراتيجيته البحرية، يجعله قادراً على مهاجمة سفن الشحن أو الإغارة على المنشآت النفطية بسرعة كبيرة ومن دون سابق إنذار، حيث أن العقوبات العسكرية التي فرضت على إيران منذ بداية القرن الحالي، أجبرت الحرس الثوري الإيراني على السعي نحو تطوير عقيدة بحرية هجينة.
كما أن إيران تتمتع بعلاقات جيدة مع العديدة من الجماعات المتشددة في المنطقة، وبالتالي لا يمكن إقتصار الفعل الإيراني في منطقة الخليج العربي على الحوثيين فقط، فهناك حركة الشباب الصومالي التي وطدت علاقاتها بشكل كبير مع الحرس الثوري، ثم أن إيران لديها منصة بحرية في ميناء عصب الارتيري ويمكن أن تستخدمه في التضييق على التحركات الأمريكية حيالها.
تدرك إيران جيداً بأن المواجهة العسكرية في مضيق هرمز ستكلفها الكثير من التداعيات البيئية والأمنية والإقتصادية، وبالتالي فهي تعمل جاهدةً على تجنب هذه المواجهة، لإسباب كثيرة أهمها الواقع الإقتصادي الصعب الذي تعيشه إيران اليوم، فهناك اليوم الكثير من التطورات الداخلية والإقليمية والدولية المتعلقة بإيران بدأت تتغير، في حين لازال النظام الإيراني يكابر ويقلل من حجم هذه التحديا، وعلى الرغم من أن إيران هي الدولة الوحيدة في منطقة الخليج العربي التي تمتلك قوة غواصة بحرية، وعلى الرغم من وجود برامج محلية لإنتاج وصيانة هذه الغواصات، إلا أنها تعاني العديد من التحديات، والتأخير في الحصول على التكنولوجيا الحربية المتقدمة، وهو مايضع الكثير من علامات الإستفهام على قدرة إيران في التأثير على حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز، الإ أن الذي تنبغي الإشارة إليه هنا أنه على الرغم من القدرات العسكرية المتطورة التي تمتلكها البحرية الأمريكية في مياه الخليج العربي، والتي تأتي في مقدمتها كاسحات الألغام والزوارق البحرية والقطع البحرية المقاتلة، إلى جانب الطيران المروحي، إلا أنه بالمقابل يواجه صعوبة في كيفية التعامل مع إلية الزرع العشوائي للألغام البحرية التي يعتمدها الحرس الثوري في مياه الخليج العربي، وهو مايجعل طريقة التعامل مع هذه الإستراتيجية صعبة بعض الشيء، كما أشار إلى ذلك تقرير صادر عن المكتب الأمريكي للإستخبارات البحرية، وما عبر عنه مايكل كونيل رئيس برنامج إيران للأبحاث.
بالمجمل تفهم إيران بأن المستفيد الأكبر من غلق المضيق هم أعدائها، وبالتالي ستفكر ملياً قبل الذهاب بهذه الخطوة، ويبقى غلق المضيق احد اكثر الخيارات المستبعدة من جانب قدرات ايران من جهة ، ومن جهة أخرى فان اغلاق المضيق او عرقلة المرور من خلاله سيؤثر في الاقتصاديات العالمية بشكل كبير، بما يدخل ايران بعزلة دولية كبيرة بل قد يتصاعد ليشهد حراك يضع حد لنشاطاتها في المنطقة وعلى نحو غير مسبوق.
إذا كانت سياسة التعطيل الإيراني قد تصاعدت حدتها في الآونة الأخيرة لتتوافق مع خطاب القيادة الحالية، فإن إحتمالات تعطيل الملاحة في المضيق واردة في حال ما لم يتم إغلاقه بالكامل. وحتى التعطيل الجزئي للملاحة في المضيق يمكنه أن يحبط الجهود السعودية الرامية إلى زيادة إمدادات النفط الدولية، إضافة إلى إحباط المحاولات الأمريكية لتزويد الدول التي تعتمد حالياً على الإنتاج الإيراني ببدائل أخرى. وفي ضوء تلك المخاوف، ينبغي على القوات البحرية الأمريكية المتمركزة في المضيق، أن تتوخى الحذر بشكل خاص من المحاولات الإيرانية الحالية لتعطيل تدفق النفط، حتى لو لم تهدف تلك المحاولات إلى إغلاق المضيق بشكل مباشر.