هل يمكن ان يتطور المجتمع العراقي ؟

د. مهند يوسف
مستشار مركز العراق الجديد
قبل ايام ماضية صرحت احد اعضاء مجلس النواب العراقي وهي من الناصرية ان الجنوب العراقي مجتمع متخلف عن بقية المجتمعات المتقدمة، وقد دافع عن هذا القول جهات وعارضته جهات اكثر، ولكن السؤال هل فعلا هناك مجتمعات متقدمة واخرى متخلفة، وهل هناك حقا مجتمعات قابلة للتطوير واخرى غير قابلة؟
في البداية تقسيم المجتمعات الى مجتمعات متقدمة ومتخلفة هي تقسيمات ذكرها علم الاجتماع الغربي، حينما قسَم العالم الى مجتمع غربي متطور، وكل ماسواه مجتمعات شرقية متخلفة ومتوحشة، وهذا التقسيم يعني بنظرهم انهم هم العالم، وان الآخر هو بقية العالم، وان هناك واجب اخلاقي عليهم بنقل الحضارة والديمقراطية الى الاخرين كي يتطوروا، واولئك الآخرين هم من يجب عليهم ان يتعلموا ويقلدوا ليحاولوا اللحاق بتلك الامم المتقدمة.
بينما علماء اجتماعنا من ابن خلدون حتى يومنا هذا فلا يرون هذا التقسيم، لانه ببساطة  تبدو مجتمعات العالم انها مختلفة عن بعضها البعض الاخر، والاختلاف انما ياتي من الجغرافيا، وياتي ايضا باختلاف الارادة، اي ارادة الانسان في ان يكون بالشكل الذي يرضاه، وبطبيعة الحال يكون ذلك على المجتمع الذي يعيش فيه ذلك الانسان.
والذي نعنيه ان المجتمعات لا تتطور مثلما الانسان لا يتطور، في مخالفة لنظرية دارون، وانما هناك صفات مختلفة للانسان وللمجتمعات تتغير بحسب الجغرافيا والارادة، اي اننا نجد في ثقافتنا الاجتماعية ومنذ مئات السنين قيم لم تتطور وبقيت ثابتة باختلاف الزمان، من ذلك تحقيق الفرد لمصلحته الخاصة دون مصلحة المجتمع ككل لا تعني انها عملية تطور اجتماعي، وانما تعني تحقيق وجه من اوجه العدالة اجتماعية، والتي ترتكز في الأساس على فكر وإبداع ومشاركة وجدل المجتمع وليس الفرد أو الطبقة؟
وبشكل عام فان المجتمعات البشرية مجتمعات المختلفة بحسب الجغرافيا والارادة البشرية، هي مجتمعات منتشرة على وجه المعمورة غير مقتصرة بالغرب او الشرق او بالشمال او الجنوب او بين الجبال او على سواحل المياه، هي مجتمعات متغيرة مختلفة بفضل العامل الجغرافي، وايضا بفضل الارادة البشرية، فعلى سبيل المثال لو اراد العامل العراقي ان يترك طباعه في العمل، ساعتين للدخان واخرى للشاي ومثلها للغداء وضعفها للقيل والقال ومثلها للصفنة والتامل ولايكاد يعمل عملا حقيقيا الا اقل من ساعة زمن في كل يوم، مقارنة بعمل الالماني او الامريكي او الياباني، الم يكن حال مجتمعه مختلفا عن مجتمعاتهم التي نصورها بالمتقدمة؟
وهذا الامر لايتعلق بثقافة العامل او مجتمعه لان الحال نفسه مع المهندس والطبيب والموظف والمعلم وباقي سائر المهن، فلو ترك هؤلاء ارادتهم في العمل والمعيشة اليس المجتمع سيتغير ككل، وهذا ينطبق حتى على السياسي والقاضي والاستاذ الجامعي الذي لو انه قرأ وكتب واعطى وفكر مثلما يقرأ ويكتب ويفكر امثاله الاخرون في المجتمعات الاخرى لتغير مجتمعه من حال الى اخر.
وازيد على ذلك ان حضاراتنا المحلية والاقليمية هي حضارات مفتوحة مع الحضارات الاخرى، وليست منغلقة، اي ليس عندنا هناك مانسميه بالآخر، ومجتمعاتا منفتحة مع مجتمعات الاخرين ومتعددة، لذا لا يتم تقسيم مجتمعاتنا بين متقدمة متطورة او بين رجعية متخلفة.
 أن العمل في جميع المجتمعات يكون وفقا ً لقانون مصلحة المجتمع ككل، حيث تتحقق من خلال عمل كل فرد فيه على تحقيق مصلحته الخاصة المعروف بالقانون الطبيعي.
وذلك يعنى أن أفضل طريق إلى تحقيق الصالح الاجتماعي العام، هو أن يكف المجتمع من مقارنة نفسه مع المجتمعات الاخرى، او ندب الحظوظ، او التخلي عن فكرة ان هناك مجتمعات متقدمة واخرى متخلفة، وان تكف الدولة عن التدخل فى المحاولات الفردية لتغيير الواقع، وتتحول الدولة إلى حارس، عليها توفير الأمن الخارجى والداخلى للأفراد دون التدخل فى شئونهم أو توجيههم والحفاظ على الحرية واستمرارية العمل بالقانون الطبيعي في تكافئ الفرص بين المواطنين.
وعليه يكون تغيير الواقع الاجتماعى للأفراد مرتبطا بالحق فى تحطيم القيود التي تعيق استمرارية القانون الطبيعي للمجتمعات المرتبط بالارادة الآدمية، وان تصبح الفردية منهجا للتطوير، وان يصبح قانون تطوير الفرد بحسب ما يريده هو وحده محددا ً لمصلحته.
أن الدولة القاصرة كالدولة العراقية الحالية حينما تتحول الى عالة على الأفراد لا تمتلك مقوماتها ولا مقدراتها، وتبحث عن مصالح خاصة لها، ستتحول هذه الدولة إلى دولة منحازة لطبقة محددة من المجتمع، وستصبح هذه الدولة خادمة لطبقة معينة على حساب المجتمع، وهذه الطبقة سوف تتجه إلى الدفاع عن مصالحها فقط، كما تبحث وتسعى إلى التوسع فى أعمالها بعيدا عن إحتياجات الناس، بل سوف تتدخل لتشكل وعيهم واحتياجاتهم بما يتماشى مع مصلحتها، وتحديدهم لأنماط السلوك الاجتماعي.
وبالتالي فإن مشكلة التغيير او التطور الاجتماعي ترتكز فى الأساس على فكر وإجماع وإبداع ومشاركة جدل المجتمع وليس الفرد أو الطبقة كلا ً منهما بمفرده أو مجتمعين، لأن الإنسان لايمكن له أن يمارس الحياة منفردا، بل إن وجوده فى قلب الحياة الاجتماعية شرطا ً أساسياً ولازما ً لإحداث التطور الذى هو صانعه وقائده، وهو لن يصنع أو يقود تطورا ً فرديا ً بل تطورا ً اجتماعيا.
وبالتالي وحتى يتطور المجتمع وتستقيم الحياة ويتحقق التقدم لابد من أن تتحالف القوى صاحبة المصلحة الحقيقية فى الثروة والسلطة، وفي الحاضر والمستقبل في المجتمع، من أجل أن تقيم جدلاً اجتماعياً صحيحا أساسه التعاون، والمشاركة الجادة والعادلة في السلطة والثروة، وهما التطبيق العملي الواقعي لمطلب العدالة الاجتماعية .
إن المساواة في الحقوق تهدف إلى أن فكرة العدالة الاجتماعية لا تنفصل عن فكرة حقوق الإنسان،  فالعدالة الاجتماعية استحقاق أساسي للإنسان، نابع من آدميته كإنسان يتمتع بمجموعة من الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، كما أن فكرة العدالة الاجتماعية لا تنفصل عن مبدأ الوفاء بالحاجات الإنسانية للبشر، ذلك لان إنسانية الإنسان لن تكتمل، وكرامته لن تتحقق، ما لم يك من إشباع لحاجاته الإنسانية، ولا يخفى أن هذا الربط بين العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان وإشباع حاجاته، يفرض على الدولة واجبات اقتصادية واجتماعية مهمة، حيث لا تستطيع قوى السوق لوحدها على الوفاء بمتطلبات المجتمع العادل.
كلمات مفتاحية: