التشظي العربي السني في البرلمان العراقي مع دورته الرابعة

د. عبدالناصر المهداوي
مستشار مركز العراق الجديد
    حالة التشظي تعد السمة الغالبة على ما يعرف بنواب العرب السنة في العراق بعد الاحتلال بشكل عام بعد انخراطهم في العملية السياسية، وفي دورة مجلس النواب العراقي الرابعة تكرس على الساحة السياسية بشكل خاص، وعلى الرغم من تباين مخرجات انتخابات مايس 2018 عن بقية الانتخابات السابقة إلا أن السمة الباقية والأزلية للعرب السنة هي هي. تعد مخرجات الانتخابات الأخيرة ملمحا واضحا لهيمنة الأحزاب التي تمثل المكون العربي الشيعي على المشهد السياسي بشكل تام، فأغلبية مجلس النواب بات من هذا المكون الذي انشطر على بنيته بشقين بعد أن أفل نجم دولة القانون والمالكي عن الصدارة، شق يمثل التيار التقليدي الذي ورث التحالف الوطني السابق بقيادة تحالف البناء وعلى رأسه تحالف الفتح، وآخر يسعى للانعتاق من هذا الموروث تمثل بتحالف الإصلاح بقيادة تيار سائرون الذي تبنى التوجه الإصلاحي في البلاد، مع اعتبار إصلاح المنظومة السياسية أضحت كليلى كل يدعي وصلا لها، فتحالف البناء لا يقل في طرحه عن تحالف الإصلاح لتغيير المنظومة السياسية الفاسدة خاصة بعد الاعتراف الكبير الذي أجراه رئيس التحالف هادي العامري معتذرا به إلى الشعب العراقي عن الخلل الذي لحق بالعملية السياسية ككل.
    نواب العرب السنة الممثلون في البرلمان العراقي في دورته الرابعة انشطروا ابتداءا لشقين شق كبير منهم التحق بتحالف البناء طمعا بضمان الأمن وتوفير غطاء لعملهم بعد معاناة سياسي العرب السنة من أصحاب المبادئ في الدورات السابقة والذين تم استهدافهم واستبعادهم يكاد أن يكون ابعادا شبه تام، وشق آخر بقي مع سائرون طمعا في إصلاح المنظومة أو سعيا لمكاسب كانوا يتوقعونها خاصة مَن التحالف في البداية مع حيدر العبادي رئيس مجلس الوزراء السابق بعد أن حقق بعض المنجزات على الأرض، خاصة المنجز الأمني بعد تحرير العراق من “داعش” وتكريس استقرار نسبي أمن معه المواطن العراقي في محيطه بعد أن كانت ضباع الميليشيات والعصابات تتناوشه وتنهش به من قبل.
     عمق الإشكالية التي صاحبت نواب العرب السنة لم تكن في توجهاتهم واختياراتهم التي من خلالها نالوا مقاعدهم في البرلمان وترتب من جراء ذلك برامجهم الانتخابية ورؤيتهم للمستقبل وما إلى ذلك، لكون الناخب في العراق الجريح لهذه الساعة لا يرعى هذا التوجه بل بقي محكوما لأجندات عرقية أو طائفية أو حزبية أو فئوية ضيقة تفرض عليه خياراتها إن قنع بها، بل الإشكالية الحقيقية تكمن في تغيير توجهاتهم وتقلبهم بين هذا الطرف أو ذلك، وكذلك الإشكالية الكبرى كانت في تخليهم عن من ساهم حتى في صعودهم وحصولهم على مقاعدهم من تحالفاتهم الأولية سعيا لتحقيق مكاسب بعيدا عن أي مبادئ، والمناظر والمشاهد تتوالى  وتتكرر ولا نعلم من كان مع مَن؟ مِن قبل أو مِن بعد، والغريب أن البعض يتبع كتلة واضحة صرفت عليهم وساهمت في صعودهم وفي النهاية تخلوا عن كتلتهم ليتجهوا للتحالف مع من يرون وراءه مكسب!! وبات هذا التقلب معلوم بالضرورة في الساحة السياسية.
   في هذه العجالة لا نتناول أي اسم لأي نائب أو أي توجه بل سنكون موضوعيين بعيدا عن التشخيص، وبعيدا عن المسميات، وإن كانت الحقيقة معلومة من قبل الجميع خاصة المتابعين، في هذه الكلمات سنتكلم عن حقائق مرتبطة بنواب العرب السنة في مجلس النواب مع دورته الرابعة؛
       الحقيقة الأولى التي يتعين أن تبقى شاخصة لدى الجميع أن هؤلاء وعلى الرغم من صعودهم إلى قبة البرلمان إلا أنهم لا يمثلون خيار المكون العربي السني في العراق على وجه الحقيقة وإن كان بعضهم جيد ومنصف وتنعقد به الآمال، فنحن هنا لا نعمم بل نتكلم عن الغالب الأعم، لكون التعميم آفة ولا يليق بهذا المقام. كونهم لا يمثلون المكون لا ينكره منصف بسبب غياب هذا المكون عن الانتخابات إلا في الحدود الدنيا، أضف إليه نسبة الاقبال الحقيقية على الانتخابات كانت في أحسن أحوالها لا تزيد عن 20%، ومع اعتبار خضوع جل المناطق المحررة من قبل التنظيم الإرهابي “داعش” لهيمنة سلاح الفصائل المكونة للحشد الشعبي بعد أن بسطت نفوذها الأمني على معظم المدن والقصبات التي تحررت من “داعش”، ويكفي أن نضرب مثالا واحدا فقط، فقصبة في محافظة ديالى لا يوجد فيها منزل واحد للمكون الشيعي فضلا عن وجود أتباع لفصيل من الفصائل المكونة للحشد الشعبي المعلومة الهوية ينتخب من أفرادها ما يزيد عن أربعة آلاف شخص مرشح الفصيل المسؤول عن أمنها، ولا داع للخوض في كيفية انتخاب أهالي هذه القصبة لكون المشهد نهارا جهارا وعلى أعين الناس سيق مواطنوها قسرا وتم ملء بطاقة الناخب من قبل مسلحي الميليشيا.
     الحقيقة الثانية؛ والتي باتت محط خجل جميع أبناء المكون يكمن في البازار الكبير لبيع وشراء المناصب سواء كانت بعض مقاعد مجلس النواب، أو المناصب الحكومية السيادية وخاصة الوزارات ورئاسة مجلس النواب وما دونها، ولا أدل على ذلك من تصريحات النائبة ماجدة التميمي التي فضحت بها واحدة من هذه العمليات، وكذلك في بعض البرامج يتفاخر نواب المكون الشيعي أن عملية بيع وشراء المناصب لا توجد بين نوابهم وهي خاصة بمكون محدد، واليوم لا يختلف أي مطلع من أبناء المكون العربي السني سواء كانوا في البرلمان أو في خارجه في هذه الحقيقة، ومع ذلك نستطيع أن نجزم أنها سمة تلازم ضعاف النفوس ولا يمكن تعميمها لوجود نواب بعيدين عنها من المكون العربي السني، وهنا لا أشخص كي لا اتهم بالانحياز لزيد أو لعمرو. وأخبار بيع وشراء المناصب للأسف لم تكن مرتبطة بهذه الدورة الانتخابية بل كانت موجودة في الدورات السابقة كذلك لكنها ليست بهذه الصورة الفاقعة، فالمال السياسي في دورة مجلس النواب الرابعة لعب دورا كبيرا في تحديد الخارطة السياسية لمجلس النواب الحالي وحتى في المناصب الحكومية.
   الحقيقة الثالثة؛ تعد الأكثر إيلاما تكمن في سعي غالب هؤلاء إلى مصالحهم الضيقة على حساب الصالح العام، وهذا الموضوع يتمفصل إلى المصالح الشخصية التي تعد قاع المستنقع، ومنها المصالح الحزبية التي تأتي بعدها في سوئها وصولا لمصالح المكون الذي يعده البعض مشروعا، ونحن نعده غير ذلك إن كان على حساب الصالح العام، وهذه كلها تندرج تحت عنوان تحقيق ما تهفو إليه نفوس النواب وما يلامس رغائبهم مشروعة كانت أو غير ذلك وهو الأعم الغالب، ونحن نعي يقينا أن المصالح الضيقة إن كانت هدفا للنائب فإنه سيحيد بالضرورة عن جادة الصواب وعن عمله الرقابي، بل قد يؤثر ذلك كله في بوصلة عمله الرقابي والتشريعي.
   الحقيقة الرابعة؛ كثرة النجوى والجيوب والكتل الصغيرة وهذه وإن كانت سمات تخل من الكيانات المتلاحمة لكنها آفة في التوجهات العامة لكونها لصيقة برغائب النفس ومرادها سواء كانت هذه الرغائب مادية أو حتى معنوية كحب التصدر واعجاب كل ذي رأي برأيه، فإن الآراء حينئذ تكون منبعثة من الرغبات الخاصة التي لا تتفق مع الصالح العام الذي من أجله وسد الأمر لهؤلاء، وهذه أمور تفسد الآراء، وتبعد أصحابها عن الصواب وقد تهوي به في واد سحيق إذا ما كانت هذه الرغائب تمس الأخلاق العامة التي يتعين أن يتحلى بها المواطن العادي فضلا عن من يمثلهم في المجلس النيابي أو في مناصب الدولة الاتحادية والمحلية.
    الحقيقة الخامسة؛ اختلاف الخلفيات الفكرية(الأيدلوجية) فالأدلجة قد تكون حالة طبيعية إن كانت الأواصر التي يرتبط بها هؤلاء متينة وقوية وتتمحور حول رؤية واضحة وأهداف محددة ويترك السبيل للوسائل والبرامج لتختلف، فالمهم السعي وراء تحقيق رؤية واضحة ينهض بها البلد ككل، أما إذا كان التناحر والتقاطع لكون زيد إسلامي وعمرو علماني وذلك ملتزم وهذا منفتح وهذا قومي وذلك عنصري ووو.. ستعود مع كل ذلك سردية كل يسعى لما جاء من أجله لا ما جاء من أجل أن يكون العراق أفضل حالا. ومنشأ هذا التعصب الأعمى لمعتقده وأيدولوجيته وقومه، إما أن تكون قوة الانتساب لفكرته على حساب التفكير العام الجامع، أو تعصب أعمى يمنع من إدراك الحقيقة، أو غرور وخيلاء، وحيثما كان التعصب لزمته المجادلة والمكابرة، وقد يخفى على الإنسان موضع التعصب في نفسه، فيحسب أنه مخلص في توجهه فيما يتهم غيره غير ذلك. فقد يتعصب البعض لآراء الآخرين الذين سبقوه ويعدون مراجعه في الفكر والسياسة، ويذهب إلى عدم مخالفتها والحيد عنها، وطبيعي أن يدفع ذلك إلى الاختلال والمشاحنة، والمجادلة غير المنتجة، لأن كل فرد يناقش وهو مغلول بقيود الأسلاف والأحلاف من حيث لا يشعر.
   الحقيقة السادسة؛ تكمن في عدم استقلالية هؤلاء بشكل يخدم القضية العراقية فحسب، بل قد يكون البعض متأثر بقوى دولية والآخر بقوى إقليمية أو حتى محلية، وبالتالي موطن الاختلاف سيكون بمقدار ما ينتهجه لإرضاء هذا الطرف أو ذاك، ومهما تنوعت مسميات الطرف سواء كانت دولة أو دين أو مذهب أو قومية أو قبيلة أو حزب… فإن لم يتجرد النائب في أدائه ليحقق مصلحة البلد فحسب مهما كانت تداعياته على ولاءاته وهويته الضيقة، حينها لن نصل إلى نتيجة مرضية إن قدمنا مصالح المتبوعين على مصالح العراق بمكوناته وأطيافه وأعراقه كافة، رضي من رضا وسخط من سخط لا فرق بين الفواعل الدولية ولا الإقليمية ولا حتى المحلية. وينتح عن ذلك عدم تفهم أصحاب كل اتجاه على المبررات الكاملة التي تدفع كل واحد لاتخاذ موقف ما أو التمسك برأي ما، لأنه كثيرًا ما تدخل موازنات معينة وحسابات خفية، وضغوط عديدة تؤثر أحيانًا في صياغة الموقف العام لأي شخص من هؤلاء.
       أغلب ما تقدم يرتبط بالنوازع الفردية وهي مؤثر ولو تجاوزناها جميعها لما كفى لكون الأداء سيرتبط بالنهاية بالاختصاص الفني وبالقدرة والمكنة والكفاءة من جهة، ومن جهة ثانية سيرتبط بالخطط والأهداف فضلا عن البرامج والوسائل والأدوات، فمن المهم بالدرجة الأساس وضع الإنسان المناسب في المكان المناسب، وهنا تسكب العبرات فإن تكلمت عن الاختصاص والمكنة والعلم والمعرفة تواجهك أقول هؤلاء بكون المناصب السيادية لا تحتاج إلى التكنوقراط لكونها مناصب سياسية بالدرجة الأساس ويملك صاحب المنصب أن يختار لفريق مستشاريه من المختصين والعلماء وأهل المعرفة، وهذا الأداء في عمومه صحيح غير أن الراج من أفعال القادة والساسة والرئاسات أنها تكون مهيمنة على القرار وهذا القرار لا يصنع بمطبخ المختصين بل يصنع على أعين المؤثرين من الفواعل سواء كانوا محليين أو إقليميين أو دوليين، وبالتالي سيكون قرار المسؤول هو النافذ وللمختص أن يدلو برأيه دون إلزام، وهنا يتباين ساسة العراق عن ساسة الدول المتقدمة الذين ترتبط أسماؤهم بمنجزاتهم وبالتالي إن بحثت في ملفاتهم تجدهم من أهل العلم والمعرفة أو أن العلم والمعرفة تأسرهم أيا كان مصدرها.