شعارنا … عدالة .. مساواة .. حرية

د. مهند يوسف
مستشار مركز العراق الجديد
من المطالبات لتحقيق المساواة في الحقوق إلى المساواة في الواجبات يتيه المجتمع العراقي اليوم ويعيش في فوضى لم يعشها من قبل، ولم تمر عليها امة من الامم في عصرنا الراهن، ذلك لان الوهم والخيال والمثالية الدينية قد سيطرت على عقول ابنائه وعلمائه ومثقفيه، بحيث اسسوا انماط فكرية تجعل المساواة في الواجبات مطلقة ومثالية، في حين أنها مربوطة بمبدأ أساسي، وهو مبدأ القدرة، قدرة الانسان على اداء تلك الواجبات وقدرته على تحصيل حقوقه، فأداء الضرائب مثلاً واجب على المواطنين، ولكنه مشروط بقدرة المواطن على دفع الضرائب.
 وعندما نربط بين العدالة والمساواة في فرص حصول الانسان اي انسان على التعليم الاساسي والرعاية الصحية المناسبة والعمل المناسب لاحتياجه واختصاصه والحرية الاجتماعية والمشاركة السياسية وما إلى ذلك، فمن الضروري أن تقترن المساواة في الفرص بشروط، كغياب التمييز بين المواطنين على اساس جنسي او عرقي او مذهبي، وإزالة كل ما يؤدي إلى ذلك من عوامل، وكغياب ما يترتب على التمييز من نتائج سلبية كالتهميش والإقصاء الاجتماعي والحرمان من بعض الحقوق.
وكذلك توفير الفرص، حيث لا معنى للحديث مثلاً عن التكافؤ في فرص العمل إذا كانت البطالة شائعة، وهناك فرص عمل متوفرة للاجانب وغير متاحة للعمال المحليين، وهو ما يلزم على الدولة التزاماً بوضع السياسات واتخاذ الإجراءات الكفيلة بتوفير فرص العمل لمواطنيها، وايضا من شروط اقتران المساواة بالفرص تمكين أفراد المجتمع من الاستفادة من الفرص ومن التنافس على قدم المساواة من أجل الحصول عليها، فاغتنام الفرص قد يرتبط بتوافر قدرات معينة مثل مستوى تعليمي معين أو امتلاك أرض أو رأس مال، والمنافسة على الفرص سوف تفتقر إلى التكافؤ عندما تتسع الفروق في القدرات بين المتنافسين، وهنا تظهر الحاجة إلى دور الدولة في إتاحة التعليم والتدريب وإعادة التاهيل والرعاية الصحية وغيرها من عوامل بناء القدرات وتنميتها لتحقيق المساواة.
ورغم ذلك فان العدالة قد لا تتحقق حتى إذا تساوت الفرص وتحققت تلك الشروط، فقد ينتج الاختلاف في قدرات الأفراد وفي فقرهم أو غناهم او من خلال تدني مكانتهم الاجتماعية، فروقاً اجتماعية واسعة، وفوارق في توزيع الدخول والثروات، ومن ثم فوارق في النفوذ السياسي، تمنع تحقيق تلك العدالة.
ومن هنا تظهر ضرورة تدخل الدولة من جديد بسياسات تقريب الفوارق في الدخل والثروة بين الطبقات حتى لا تؤدي هذه الفروق بانهيار مبدأ تكافؤ الفرص، ذلك لأن المساواة في الفرص شرط ضروري للعدالة الاجتماعية، وهذا مالم يتحقق في الدولة العراقية الحالية وبالتالي يعيش المجتمع العراقي في اسوأ مراحل الظلم والفاقة الاجتماعية.
وليست المساواة من عناصر العدالة الاجتماعية فحسب رغم انها مرتبطة بعلاقتها بحقوق الإنسان وواجباته، وصلتها بمفهوم تكافؤ الفرص، بل ان الحرية تشكل ايضا من اهم المكونات الرئيسية للعدالة الاجتماعية، فالحق فى الحرية هو حق من الحقوق الأساسية للإنسان، والتي لا تتم العدالة الاجتماعية في غيابها، فلا عدالة اجتماعية إذا حرم الناس من الحرية، حتى لو توافرت لهم الرواتب المجزية وبعض المزايا الاجتماعية.
وبالتالي فإن مفهوم المستبد اي مستبد، وان جاء بصناديق الانتخاب، وان كان عادلا لاتباعه من المذهب والجماعة والجنس، فهو مضلل لأن ثمة علاقة تبادلية بين العدالة الاجتماعية والحرية، فمن العدل أن يكون الناس أحرارا، وحينما يتمتع كل الناس بالحرية ويشاركون فى وضع القرارات التى تمس حياتهم حينذاك يتحقق العدل، وحينما يحرم الناس من حرية التعبير والتنظيم والتظاهر والاحتجاج من أجل تحسين اوضاعهم الاجتماعية كما حدث في الاعتصامات السلمية في المناطق السنية او كما حدث في البصرة لتحسين أوضاعهم وتضييق الفوارق بين الطبقة الحاكمة والشعب، فإن الفروق تبدأ بالاتساع، وعندئذ تتهيأ الظروف لتزاوج السلطة والثروة، وهو ما يمكن الأغنياء من تسخير الديمقراطية الليبرالية او الدينية لخدمة مصالحهم، مما يسقط الحرية والديمقراطية بمعناها الحقيقي.
ان الحرية من مكونات العدالة الاجتماعية، والتنمية الإنسانية معناها الحرية، وتوسيع الحريات هو في الحقيقة توسيع للقدرات، للاستفادة من الفرص المتاحة وللتكافؤ فى التنافس على تلك الفرص، ومتى ما منع الناس من حريتهم في التعبير والحقوق فان ذلك يؤدي الى الفوضى بمعناها الواسع وان تمثلت في تصرفات الافراد من غير ضوابط وقيم معينة .
ايضا هنالك علاقة بين العدالة الاجتماعية والنظام الاقتصادي الاجتماعي للدولة، ففي نظامنا المعتمد في العراق اليوم، نشأت فروق واسعة في توزيع الدخل والثروة بين الطبقات الدينية الحاكمة والتي تخاف من العدل، وبين الطبقات المحرومة التي تريد العدل. وهذه الفروق لا تعود إلى فوارق بين الأفراد فى القدرات والامكانيات في الأداء والإنجاز فحسب، وإنما تشير وبصفة أساسية إلى تركيز الثروة في طبقة الموظفين الاتباع للمذهب والحزب وهم لا يشكلون الا نسبة قليلة من السكان، مما سيؤدي ذلك إلى توارث هذه الثروة ومعها المكانة والنفوذ الاجتماعي من جيل إلى جيل في هذه الطبقة، كما راينا في العوائل الدينية الحاكمة في العراق اليوم.
ان غياب إمكانية تحقيق العدالة الاجتماعية في المجتمع العراقي اليوم بالمعنى الواسع والشامل، حتى لو تحقق بعض التحسن منها في توزيع الدخل او خفض الفقر او انشاء شبكات للحماية الاجتماعية، فإن هذه الإجراءات غالبا ما تكون وقتية، ولن تلبث أن تعود الأوضاع إلى سيرتها الأولى عندما يواجه النظام الحاكم اي أزمة امامه، وما أكثر ما يتعرض له من أزمات، والتي من آخرها حرق الحنطة والمنتجات الزراعية الى الازمات الاقليمية المحيطة بالعراق اليوم.
ان الاجراءات الحكومية الحالية تشير الى عدم قابلية تطبيق إجراءات العدالة الاجتماعية مستدامة في المجتمع العراقي اليوم، حيث لايمكن إمكانية الجمع بين الاقتصاد الريعي المعتمد على تصدير النفط وبين العدالة الاجتماعية، حيث لا وجود للمحاسبة الحقيقة من قبل  الشعب للمسؤول الحكومي بسبب انعدام الأعباء الضريبية التي تنتقص من معاشاتهم ورواتبهم، وايضا يعود الى التفاوتات الحاصل اليوم في توزيع الدخل والثروة فى سياق الحكم الحالي الظالم.
وبالتالي ستضع الأزمة الحالية البلاد أمام خيار كبير بين استمرار النظام القائم اليوم والذي سيجعل إثراء القلة المرتبطة بالسياسيين اكثر ثراءا وسيجعل القلة الغالبة اكثر افتقارا، مع المزيد من الأعباء على الطبقة العاملة وعلى الطبقة الوسطى، او ان يختار المجتمع نظاما اخر يحقق ويفتح الأبواب أمام تحقيق العدالة الاجتماعية بمفهومها الواسع، من خلال التحرر من الاستغلال المذهبي  والعنصري الداخلي، وأيضا التحرر من الاستغلال الخارج والذي هو أحد اهم مظهر من مظاهر التبعية، ومن ثم فإن تحقيق العدالة الاجتماعية كما نفهمها يستلزم تحرير الإرادة الوطنية من قيود التبعية، وبسط السيطرة الوطنية على مختلف القرارات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.