اهدافنا… عدالة اجتماعية مستدامة، للحقوق والحريات دعامة.

د. مهند يوسف
مستشار مركز العراق الجديد
العدالة الاجتماعية مفهوم واسع ومركب، وفي العراق ايضا صعب ومعقد، حيث أن له أبعادا متعددة، واشكال متنوعة، وتراتيب غريبة، وانماط غير مالوفة، بسبب طبيعة الارض والمجتمع المتعدد المتحرك والمتغير الذي يعيش فيه.
فان تكلمنا في البعد الاقتصادي للعدالة الاجتماعية في العراق، ونظرنا الى مدى اشتراك أفراد المجتمع فى العملية الإنتاجية، ومن ثم تحقيق الاستقرار والفائدة،  فإلى جانب قضية المساواة فى الفرص والحقوق الاقتصادية في مجال العمل وملكية وسائل الإنتاج والحصول على الخدمات والمعلومات دون تمييز، تبرز مسالة في غاية الاهمية بالنسبة للعراقيين الا وهي مسالة توزيع حقوق الثروات الطبيعية بين العراقيين.
فهذه المسالة بدأت منذ ان وقع العراق الملكي على اتفاقيات امتيازات النفط مع الشركات الغربية عام 1924، وكانت هنالك حصة للعائلة الحاكمة اكثر مما اعطته هذه الشركات لشاه ايران انذاك، مع ترك حقول خانقين فقط كممتلكات للحكومة العراقية انذاك، وبالنتيجة وبسبب مطالبات العراقيين بالعدالة الاقتصادية وفي ظل الحركات الثورية اضطرت الشركات الى ان توقع عقودا جديدة في بداية الخمسينيات تعطي بموجبها نصفية ارباح تلك الشركات كضريبة مبيعات للحكومة العراقية على ان تبقى ملكيات النفط للشركات، لكن لم يمنع سقوط الملكية لهذا السبب ولغيره بطبيعة الحال، لكنه بالتاكيد كان من اهم اسباب الانقلابات العسكرية الجمهورية بعد ذلك حيث كذبة التاميم، وايضا كان النفط من اهم اسباب غزو العراق 2003، حيث يعيش العراق اليوم في اسوأ مرحلة من مراحل الظلم والقهر الاقتصادي منذ اكتشاف النفط فيه بسبب حرمان فئات الشعب العراقي عدا الموظفين الحكوميين من خيرات وثروات بلدهم.
اما بالنسبة الى البعد الاجتماعي للعدالة في العراق، فهي لا تتصل بمشكلات التمييز المذهبي والحرمان والفقر والإقصاء الاجتماعي فحسب، فهذا شائع ايضا في المجتمعات النامية ككل، وانما وهذا هو الخطير بهذا الموضوع هو انعدام السياسات الحكومية والخاصة لتمكين الطبقات المحرومة من تحسين أوضاعها على نحو مستدام، الا فيما يتعلق بالجانب الخيري الاغاثي الذي يقوم به البعض حسبة لله او كطريقة للكسب والمعاش كمهنة لهم.
بينما للبعد الاجتماعي البشري للعدالة الاجتماعية فهو الذي يهتم بمسألة الوفاء بحقوق الإنسان وحاجاته، ومسألة تكافؤ الفرص أمام الجميع لتنمية قدراتهم وتوسيع حرياتهم، وهذا البعد في العراق قد تاثر بشكل كبير بمناهج التربية وبسياسات التعليم الحكومي والخاص، وبالتالي فان الانسان الذي يعيش على هذه الارض لابد له من تعلم حقوقه، مثلما يتعلم لزيادة قدراته المعلوماتية والمعرفية، وبالتالي يتمتع بالحرية الحقيقية لبناء نفسه ومجتمعه.
كذلك البعد الطبقي الذي يأتي من خلال العلاقة المباشرة بين النظام الاقتصادي الاجتماعي وبين العدالة الاجتماعية، والتي من مسائلها انه يطرح قضية الملكية الخاصة، فالعراقيين وخاصة الطبقة الوسطى منهم، كانوا على العموم يمتلكون ويسكنون في بيوت مساحتها بين 300-600 م‘ ثم انهم بعد الاحتلال تحولوا وقبلوا ان يسكنوا في بيوت مساحتها من 50-80م‘ ثم ان كثير منهم اليوم لايجدوا حتى هذه المساحة الصغيرة للعيش فقبلوا ان يعيشوا بالتجاوزات على الاراضي العامة، وبالتالي اصبح الفرق الطبقي بين اولئك الذين يعيشون في القصور وقد كانوا فقراء وبين العمال ذوي الطبقة الوسطى او بين الفقراء الذين اصبحوا اشد فقرا، واسعا، ولذلك لا الدولة ولا المجتمع ان اراد التغيير باستطاعتهم من اعادة المساواة الهيكلية بين ابناء المجتمع.
وهناك بعد آخر في العدالة الاجتماعية يتعلق بالعلاقة بين الاجيال المتوارثة اي بين  الأجيال الحاضرة والأجيال القادمة، ليس فقط من خلال الحفاظ على الموارد الطبيعية واستخدامها على الوجه الامثل وتحمل كلفة التلوث فحسب، وانما أيضا في تحمل أعباء الديون العامة الذي تستقرضها الحكومات المتعاقبة لاجل تسديد فواتير الرواتب الحكومية مع قلة الموارد النفطية والعجز العام عن الانتاج والتضخم في عدد الموظفين العموميين .
والعدالة الاجتماعية مرتبطة ايضا بالبعد الإقليمي المتصل بالتفاوتات فى توزيع الموارد والدخل القومي بين أقاليم الدولة، والمتعلق بدور السياسات العامة فى توسيع هذه التفاوتات أو تقليصها، فميزانية كردستان لطوال السنوات السابقة كانت متناسبة مع عدد السكان وحجم ميزانية الدولة العراقية، في حين نرى ميزانية نينوى المحافظة الثانية في العراق من حيث عدد السكان لعام 2019 لاتساوي ميزانيتها ميزانية اصغر مدينة عراقية اخرى، وميزانية السليمانية تساوي عشرة اضعاف ميزانية ديالى المتساويتان في عدد السكان، وهذا التفاوت في توزيع الموارد سيجعل من العدالة الاجتماعية لهذا البعد سبببا للانفصال بين المحافظات والمدن.
اما البعد السياسي للعدالة الاجتماعية فيتصل بقضايا الحقوق السيادية والتمكين السياسي ومشاركة المجتمع في صنع القرارات الوطنية، وبالبعد السياسي الخارجي المتعلق بنوعية العلاقات التي تنشأ بين الدولة العراقية والدول الأخرى، ومدى ما تتسم به من تكافؤ أو استغلال أو هيمنة، لاسيما فى ظل الحكومات القائمة اليوم، فالعلاقة بين العراق وجيرانه الاقليميين معقدة ومتهالكة، ومع العالم فهي بائسة وتائهة، فالعراق لايزال تحت البند السابع لمجلس الامن اي بوضع الانتداب الاممي عليه، بمعنى انه لازال في طور طفولة الدولة ولايستطيع حتى اليوم من فرض سيادته وسلطته على ارضه وموارده وحكمه، اما مع الاقليم فالكويت مثلا ابتلعت من العراق بمقدار مساحتها ارضا ومياها ولازالت تطلب المزيد منه، وايران استحلت شبابه وارضه على الطول والعرض واصبح العراق حديقة خلفية لها، والاردن مرتبط بالعراق بقدر تسوله وابتزازه له، والبقية ليس افضل حال من ذلك.
لذلك فحينما ننادي باهدافنا متعددة الأبعاد للعدالة الاجتماعية في دولة كالعراق، فقضيتنا الأساسية هي كيف نتخلص من هذا التخلف والتبعية المادية والفكرية، وكيف نستطيع ان نحققق اهدافنا في تنمية شاملة ومستدامة ومستقلة، ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية وسياسية ومؤسسية، وكيف نجد ونحدد الترابط الوثيق بين أبعاد العدالة الاجتماعية وبين أبعاد التنمية المستدامة. فالعدالة تنتهي إلى النمو والتنمية، والبدء باستدامة التنمية تنتهي إلى ضرورة مراعاة العدالة.
كلمات مفتاحية: