محطات في سلوكيات الحشد الشعبي داخل جامعة الموصل

 
احمد العلي
باحث في الشؤون العراقية
أثار الدور الذي تلعبه المكاتب الإقتصادية التابعة لمليشيات تابعة للحشد الشعبي داخل مدينة الموصل، الكثير من علامات الإستفهام حول ماهية الدور الذي يقوم به الحشد الشعبي في المدينة، فقد تدخلت مؤسسات الحشد الأمنية والإقتصادية في كل جوانب عمل المدينة، بل والاكثر من ذلك أخذت تنتج مسالك جديدة تسعى من خلالها لدعم وتقوية قاعدتها المالية والإقتصادية، كان أخرها إصدار بطاقات كي كارد لأغلب عناصر الحشد في مدينة الموصل، بغية شمول عناصر الحشد بمعونات الرعاية الإجتماعية التي تمنحها وزارة العمل والشؤون الإجتماعية للعاطلين عن العمل، وهي عبارة عن مبالغ مالية بسيطة تسد حاجة العوائل المتعففة، ويبدو أن العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران، كان لها الأثر الكبير إلى الدرجة التي دفعت هيئة الحشد الشعبي للدخول في هذا المجال، ومزاحمة العوائل المتعففة بمعوناتهم المالية، بل والأكثر من ذلك تعويض النقص الناجم عن إنقطاع الدعم المالي الممنوح من إيران.
إن الرغبة الجامحة في إحتواء مدينة الموصل، جعلت من الحشد الشعبي لايفغل أهمية جامعتها، فكما هو معلوم فإن جامعة الموصل تعد من أكثر المراكز الثقافية والتعليمية التي يمكن من خلالها للحشد أن ينتج طبقة شبابية داعمة لوجوده في المدينة، فقد بدأت هناك تواجهات واضحة للتمدد داخل الجامعة عبر الكثير من القنوات الإقتصادية والتعليمية والأمنية.
فقد بدأت المكاتب الإقتصادية التابعة للحشد الشعبي في المدينة، الدخول في مناقصات بيع وشراء للكثير من الكافتريات والأماكن الترفيهية داخل الحرم الجامعي، سواءً كان ذلك عن طريق إستثمارها أو الدخول بصفة الشريك مع صاحب العمل، وليس هذا فحسب، بل وضع شروط معينة للعمل وتقسيم الأرباح.
وفي سياق متصل، أخذ مستثمرين تابعين لهذه المكاتب التوجه نحو دار أبن الأثير للطباعة والنشر، وذلك من أجل إستثماره إقتصادياً، بعد جلب كتاب موافقة من قبل وزير التعليم العالي بإمكانية إستثمار الدار، وذلك عن طريق توسيعه وضم الأراضي المحيطة بالدار، وقد تم إبلاغ إدارة الدار بضرورة تسليم الدار بالموعد المحدد لغرض البدء العمل به.
وعلى صعيد النشاطات الطلابية والتعليمية، أخذت المؤسسات الثقافية التابعة للحشد الشعبي في المدينة، العمل على الحضور بصورة مستمرة للنشاطات العلمية والأكاديمية التي تحصل داخل الحرم الجامعي، وذلك من أجل توجيهها للمسار الذي يخدم دورها في المدينة، سواءً كان ذلك على مستوى المواضيع المختارة أو الشعارات المستخدمة، بل بدء الشروع في الوقت الحاضر بتشكيل مكاتب أو ممثليات طلابية داخل الحرم الجامعي، على غرار ما فعلته الأحزاب والتيارات السياسية الأخرى داخل الجامعة، وذلك من أجل جلب الكثير من الطلبة لهذه المكاتب مقابل توفير الحماية والدعم لهم من قبل الحشد نفسه، وهذا ما دفع بالكثير من الطلبة المتسيبين عن الدوام الرسمي للإنضمام لهم، والتمرد على القوانين الجامعية من حيث الإلتزام بمواعيد المحاضرات، أو حتى الضوابط المعمول بها حلال فترة الإمتحانات، ولعل الحادثة التي تفجرت خلال اليومين الماضيين داخل كلية البيئة، من خلال قيام “طالب” تابع لإحدى المليشيات بالغش، والتعدي بالضرب على أحد الأساتذة، هي مجرد جزء بسيط من مشكلة أكبر تعاني منها المؤسسة التعليمية في مدينة الموصل، فقد أصبحت ظاهرة غش الطلبة المحسوبين على مليشيات محددة ظاهرة شبه عادية، وفي ظل عدم وجود سلطة قانون يمكن أن تحمي الأستاذ الجامعي، فقد عكف الكثير من الأساتذة على عدم الإصطدام بهم أو التعامل معهم، وقد ظهرت الكثير من حالات التهديد والمضايقة التي تعرض لها اساتذة جامعيون قاموا بمسك الطلبة بحالات غش أو ماشابه.
إن غياب الرؤية الواضحة لطبيعة الدور الذي يقوم به الحشد الشعبي داخل مدينة الموصل، وتحديداً جامعتها، جعل من مسألة التعاطي مع هذا الدور تحفها الكثير من المخاطر، فقد وصلت حدة هذا الدور إلى المستوى الذي جعل من الحشد بأن يكون أحد الأطراف المتحكمة في تعين رئيس الجامعة الجديد، فكما هو معلوم بأنه حتى لحظة كتابة هذا المقال تدار جامعة الموصل برئيس جامعة وكالة، على الرغم من مرور مايقرب أشهر على خروج رئيس جامعة الموصل السابق أبي سعيد الديوجي من منصبه، إذ يدفع الحشد الشعبي بكل ثقله اليوم إلى تقديم رئيس جامعة جديد يخدم طموحه ومشاريعه داخل الجامعة، بل إن أحد أسباب تأخر تعيين رئيس جامعة جديد، يأتي في إطار تمسك الحشد الشعبي بمرشح على حساب مرشح أخر تريده وزارة التعليم، وهو ماجعل المنصب شاغراً حتى اللحظة، ويدار برئيس جامعة مؤقت يدير عمل الجامعة بالوكالة.
إن الأدوار الأمنية للحشد الشعبي لم تكن خارج الجامعة فحسب، بل إمتدت هي الأخرى إلى داخل الحرم الجامعي، وذلك عن طريق توظيف بعض الطلبة للتجسس على الطلبة والأساتذة داخل الجامعة، خصوصاً الذين عليهم مؤشرات أمنية من قبل جهاز إستخبارات الحشد الشعبي، بل أمتد الأمر ليشمل شريحة أخرى هي بحاجة لتصاريح أمنية من أجل إكمال معاملاتهم الرسمية داخل الجامعة، والتصريح الأمني هي صيغة عمل معمول بها داخل جامعة الموصل، فالموظف الذي لايستطيع الحصول على تصريح أمني من قبل مكتب الأمني الوطني داخل الحرم الجامعي، لايمكنه مزاولة أي عمل رسمي داخل وخارج الجامعة، وهذه الصيغة وجدت طريقها إلى جامعة الموصل بعد تحرير المدينة من سيطرة تنظيم داعش.
لم يترك الحشد الشعبي أي طريقة يمكن من خلالها النفوذ إلى داخل جامعة الموصل إلا وإستخدمها، والهدف من ذلك كله هو تكرار النماذج التي سعى الحشد الشعبي إلى تكرارها في جامعات عراقية أخرى، وذلك من خلال الحديث عن الحشد الجامعي، فدعوة الأمين العام لعصائب أهل الحق قيس الخزعلي لتشكيل ما أسماه “الحشد الجامعي” كانت الشرارة الأولى لتكوين هذا التشكيل الجديد، حيث عقدت عدد من التجمعات كان من أبرزها المؤتمر الذي أقيم في جامعة بغداد بتاريخ 28 آذار 2017 وحضره عشرات الطلاب، وأعلن فيه فتح باب التطوع ضمن صفوف المليشيا الجديدة، وقد حضر الإحتفالية ممثلون عن فصائل مسلحة في الحشد الشعبي على رأسها العصائب وبدر وحزب الله.
فلم يعد غريباً حين تدخل إلى جامعة حكومية في العراق أن تستقبلك صورة للخميني أو الخامنئي أو بعض قادة المليشيات وقتلى الحشد الشعبي، بالإضافة إلى رايات ذات مدلولات طائفي وشعارات حزبية وسياسية، فقد تحولت معظم المؤسسات التعليمية في العراق إلى وسيلة للتحشيد الجماهيري، ورغم ما تثيره هذه الممارسات من إنزعاج وتذمر في أوساط الطلبة؛ إلا أنه لا يجرؤ أحد على إنتقادها علناً، لأنه سيواجه مخاطر ربما تصل إلى حد القتل.[1]
ورغم أن القوانين العراقية تلزم المؤسسات التعليمية بأن تكون بعيدة عن الصراع الطائفي والسياسي؛ إلا أن معظم هذه الجامعات أصبحت جزءاً رئيسياً في هذا الصراع، بعد أن تسنم إداراتها أشخاص ينتسبون إلى أحزاب يمتلك معظمها أجنحة مسلحة، فلم تعد هناك جامعة حكومية تذكر إلا وكان رئيس جامعتها تابع أو مدعوم من مليشيا مسلحة بعينها، وهو ما يسعى الحشد إلى تكراره في مدينة الموصل اليوم أيضاً.
 
 
[1] ماذا يفعل “الحشد الشعبي” داخل أسوار الجامعات العراقية؟، وكالة يقين للأنباء، في 22 مايو 2017.

ماذا يفعل “الحشد الشعبي” داخل أسوار الجامعات العراقية؟