محافظة ديالى وقصة حمل السلاح خارج نطاق الدولة ونشأة المجاميع الإرهابية بعد الاحتلال…الجزء الأول

د. عبدالناصر المهداوي
مستشار مركز العراق الجديد
   واحدة من أجمل سمات محافظة ديالى أنها تختصر العراق في طوبوغرافية جميلة تكرست عبر أجيال تعاقبت وورثت قيم التعايش والتعاون والمحبة بين مختلف شرائح المجتمع وعلى تنوع خلفياته، ففي ديالى ترى العرب السنة والعرب الشيعة لا تكاد أن تميز بينهم، وحين تتجه صوب شمال المحافظة تجد الكورد والتركمان يعمرون قصباتها مع أخوانهم العرب، لم تشهد المحافظة حتى السنوات الأولى من الاحتلال بعد سنة 2003 أي ممارسة إجرامية بسبب توجه مذهبي أو عرقي أو طائفي، الأمر الذي أربك المتصيدون في المياه العكرة الذين كرسوا مفاهيم تعتمد الطائفة والعرق كي تنال من وحدة المجتمع العراقي بشكل عام ومجتمع ديالى بشكل أخص باعتبارها تمثل عراق مصغر يسع جميع المكونات على مختلف ألوانها وأطيافها.
      أؤكد على حقيقية أن أيا من أبناء المحافظة لم يحمل السلاح بوجه أبناء جلدته على اختلاف أطيافهم بسبب أجندة طائفية أو عرقية أو حتى سياسية، بل بقيت المحافظة تحافظ على كينونتها حتى بعد الاحتلال، فبعد سقوط النظام ذهل أهل ديالى وحصل فيها فراغ أمني واداري كبير جدا، وفي الايام الأولى من الاحتلال لم تدخل آلية أمريكية واحدة. بل عمد الأهالي بادئ الأمر على حماية مناطقهم وأحيائهم بعد أن تسرب موروث الجيش السابق من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة إلى الأهالي والعشائر، وبات السلاح بأيدي الجميع أخيراهم وأشرارهم، ومع ذلك لم يستخدم هذا السلاح في تهديد الأمن المجتمعي للمحافظة بل تكرس في الحفاظ على الأمن من قبل الأهالي، ولم يخرق هذا الأمر إلا ظهور بعض الشخصيات التي حاولت استثمار الفراغ الأمني في تحقيق مصالح لها عبر السرقة وتكوين بعض العصابات الإجرامية إلا أن هذه المجامع الصغير سرعان ما تم تحييدها من قبل نخب من الأهالي الأصلاء وانتهت هذه الظاهرة قبل أن تستفحل.
       شهدت هذه الأيام بدخول نوعين من المجاميع المسلحة مع اعتبار وجود منظمة مجاهدي خلق الإيرانية في المحافظة، الأولى جاءت من إيران وهم عراقييون من أهل ديالى كانوا مع المجلس الأعلى للثورة الإسلامية استقروا في القرى المنتشرة من بلدروز إلى قضاء المقدادية، في القرى الواقعة على الطريق الرابط بين المدينتين وعلى ضفاف نهر الهارونية، وهي مجموعة قرى يسكنها في الغالب عشائر بني تميم. وكذلك في قرى بعقوبة والقرى المكونة للوقف على نهر خريسان بين أبو صيدا وقضاء بعقوبة. وتمكنت هذه القوات في بسط نفوذها في بعقوبة في البداية وانتشرت وحاولت بسط نفوذها على المحافظة وأغلب دوائر المحافظة، ولم تمارس أي أعمال مسلحة ولم تستهدف في بادئ أمرها أحدا بل سعت لفرض نفوذها والتفاهم مع القوات الأمريكية عبر سياسييها وفعلا كانت تمثل النواة الأولى لتكوين الشرطة والجيش فيما بعد عبر مراحل من التأسيس مرورا لدمج الميليشيات وصولا لتفريغ المؤسسة الأمنية والعسكرية من المكونات الأخرى.
         أما القوة الثانية فقد كانت قوات البيشمركة التي حاولت التسلل إلى المحافظة والاستفادة من مخلفات النظام السابق وآلياته وواجهت مشاكل محدودة مع بعض الأهالي، وتمكن أهل المحافظة من التفاوض مع بعض الشخصيات الكردية النافذة وصدرت تعليمات مشددة من القادة الكرد بمنعهم من دخول المحافظة مرة أخرى، مع اعتبار مرور بعض القطاعات العسكرية الكردية المنتظمة عبر المحافظة من غير أن تتصادم مع الأهالي أو مع من كان يحمي الشوارع من شباب المحافظة.
    ومن القوى المسلحة الكبيرة المتواجدة على أرض ديالى كانت منظمة مجاهدي خلق المعارضة الإيرانية التي كانت تنسق مع الجيش العراقي السابق، مسكت هذه القوة الطرق الخارجية لمدة محدودة واستفادت واستولت على أغلب القطع العسكرية الثقيلة من دبابات ومدافع وغيرها وانتهى دورها مع دخول المحتل الامريكي وبقيت معزولة في معسكرها شمال المحافظة في قضاء الخالص قرب ناحية السد العظيم في معسكر أشرف، وتم التضييق عليها عاما بعد عام لحين إجلائها بشكل تام عن المحافظة بعد سنين من الحصار والمعاناة وبعض الهجمات عليها.
        بدأ النزاع المسلح الداخلي في المحافظة بعد استهداف بعض المجاميع المسلحة التابعة لإيران ضباط الجيش العراقي السابق الذين شاركوا في الحرب العراقية الايرانية عن طريق الاغتيالات، خاصة الرتب الكبيرة وقتلوا العديد منهم، وفي المقابل انتظم عدد غير قليل من هؤلاء الضباط وآخرين واستهدفوا قادة هذه المجاميع المسلحة وقتلوا أغلب الشخصيات القيادية فيها وفي الغالب بداية هذا العمل المسلح كان في بعقوبة. واجتاحت المحافظة بعد أحداث تفجير المرقدين صراعات دامية اتخذت وصفا طائفيا ولم يسلم الجميع من تبعاته، واستشهد آلاف الأبرياء وتناقل الجميع قصصا مروعة لا تقل عن ما شهدته بغداد وانحازت يومها الأجهزة الأمنية إلى صفوف الميليشيات وتخندقت معها وتلونت المحافظة بلون دام قان لا تفي باستيعاب أحداثه مجلدات من الكتب فضلا عن هذه العجالة.
   ومع بواكير دخول الآليات العسكرية الامريكية واجهت مقاومة مسلحة من قبل السنة حصرا قبل أن تشهد ديالى وجود تنظيم القاعدة الذي تسلل رويدا رويدا بعد سنوات 2005 أي بعد سنتين من الاحتلال وتمكن بعد أن استثمر روح التحرير لدى العشائر العربية السنية وهيمن في عام 2007-2008 على معظم المدن والقصبات السنية، وابتعد عن المدن والقصبات التي يقطنها الشيعة، واتبع التنظيم الارهابي سياسة التدرج من نيل عطف الحاضنة العشائرية من كونه مقاوم للاحتلال،  وبعد أن تمكن عمد إلى تكفير كل من يعمل مع الدولة من الجيش والشرطة وحتى بات تهديدا حقيقا لهؤلاء فقتل المئات من الشرطة واستتاب الآخرين وذل شيوخ العشار، واستهدف المقاومين من الفصائل الأخرى وتغول واستبد ولم تتخلص منهم المحافظة الا بعد قيام الامريكان بتجنيد العشائر السنية وبعض الفصائل المسلحة بالصحوات، أضف إلى ذلك تصدي الفصائل المسلحة للتنظيم بحرب شاملة، فتحررت محافظة ديالى من تنظيم القاعدة بالكامل على أيدي الفصائل المسلحة والصحوات الذين كافأتهم الحكومة الطائفية بالقتل والسجن والتشريد، وأطلقت يد العصابات الاجرامية من الميليشيات في المحافظة.
      تشكلت الصحوات في المقدادية من كوادر الحزب الإسلامي وبعض المقاومين المتعاطفين معه، وفي بعقوبة من الفصائل المسلحة أمثال كتائب ثورة العشرين وغيرها واندمج رجال العشائر مع هؤلاء. وتعد تجربة الصحوات من التجارب النادرة التي استطاع من خلالها المحتل الأمريكي السيطرة على قصبات المحافظة السنية بعد أن انحازت الفصائل المسلحة التي واجهت الأمريكان إليها في قتالها ضد تنظيم القاعدة الإرهابي، لكون القاعدة دخلت في مواجهة شاملة ضد كل من حمل السلاح ولم يبايعها سواء كان من الفصائل المسلحة التي قاومت الغزو الأمريكي، أو من المؤسسات التي حملت السلاح وتبعت الدولة في المؤسسة العسكرية كالجيش والشرطة أو من حمايات الأحزاب الذين انخرطوا في العملية السياسية كالحزب الإسلامي.
    قبل الشروع في الأعمال الإرهابية لا بد من تحديد هذا التوصيف وعلى من يقع من وجهة نظر كاتب هذه الكلمات، الإرهابي أي شخص أو جماعة أو مؤسسة عامة أو خاصة تستهدف الأبرياء من المدنيين دون وجه حق. ففي الإمكان أن يختص في الفعل الإرهابي شخص بعينه، وممكن أن تخص جماعة بعينها طالما تبيح استهداف المدنيين والأبرياء كما هو الحال مع تنظيم القاعد وبعدها داعش وجميع الفصائل المسلحة من الميليشيات التي تخترق أجهزة الدولة الأمنية والعسكريةـ أو تلك المليشيات الخارجة على القانون، أو أي ميليشيا مسلحة انتسبت للقوات المسلحة العراقية أو بقيت خارجها طالما تبيح لنفسها قتل الأبرياء فإنها إرهابية، وكذا الحال مع الحكومات الطائفية التي تسعى للتغيير الديمغرافي أو تبيح لأجهزتها استهداف الأبرياء فإنها تصنف جهة إرهابية ولا اعتبار بتقنينها قانونا وبصرف النظر عن خلفيتها الدينية والمذهبية والعرقية، خلاصة الأمر ومداره استهداف أي بريء مها كان دينه أو مذهبه أو قوميته.
     بدأ نشاط التنظيمات الإرهابية في المحافظة في استهداف المدنيين على الهوية فالقاعدة بالإضافة إلى استهداف العرب السنة المخالفين لها سواء كانوا فصائل مسلحة لم يبايعوها أو كان من المنخرطين في العملية السياسية أو من المنتسبين للجيش والشرطة والمؤسسات الأمنية، عمدت تنظيمات القاعدة على قتل المواطنين الأبرياء من العرب الشيعة على الهوية ولم تدخل في مواجهة حقيقية مع أي ميليشيا مسلحة للعرب الشيعة. في حين كانت المليشيات الخارجة على القانون من العرب الشيعة سواء كانت بشكل منفصل أو من خلال وجودها في المؤسسات العسكرية والأمنية تقتل العرب السنة على الهوية، وخاصة بعد احداث تفجير المرقدين في سامراء، مع اعتبار أن جل المؤسسات الأمنية والعسكرية من جيش وشرطة بنيت من قبل عناصر تابعة للأحزاب الشيعية(أفراد هذه المؤسسات فيهم المهني المستقل وفيهم المنتسب لميليشيات خارجة على القانون) حصرا وتم طرد أو فصل أو اغتيال أغلب المنتسبين من العرب السنة تارة بيد القاعدة وتارة بيد الميليشيات وتارة أخرى بالتفجيرات، وخلاصة الأمر أن الإرهابيين من العرب السنة كانوا يستهدفون غالب المكون العربي السني كما أنهم يستهدفون المكون العربي الشيعي خاصة من الأبرياء الذين لا حول لهم ولا قوة، في حين أن الميليشيات التابعة للأحزاب الطائفية أو الخارجة على القانون وميلشيات الجريمة المنظمة كانت تغتال من المكون العربي السني فقط، لا فرق عندها بين من يحمل السلاح أو من انخرط في العمل السياسي أو من الأبرياء لا بل كانت تقتل على الأسماء والهوية، ولم تواجه هذه الميليشيات إلا بحدود ضيقة جدا أي ردع قانوني أو أمني.
    والنتيجة الطبيعة التي رافقت المشهد السابق كان يتشكل عبر تحجيم دور العرب السنة على المستويات الأمنية والسياسية وحتى الاقتصادية، ففي البعد الأمني فبعد سنوات عجاف من تشكيل المؤسسات الأمنية التي ربت عن أربع عشرة مؤسسة أمنية خلت في معظمها من المكون العربي السني إلا في حدود ضيقة ومن الرتب الدنيا، أما في البعد السياسي فبعد أن كان الحزب الإسلامي في محافظة ديالى يعد الحزب الأول على المستويات التنظيمية من العدد والتنظيم حتى أنه كان يقود تنسيقية الأحزاب السياسية في المحافظة لكل المكونات في مقره في بعقوبة الكائن يومها في بناية إحدى النقابات في بعقوبة الجديد، ومشكلته كانت في تصديقه للحياة الجديدة بعد الاحتلال ولآليات العمل الديمقراطي المزعوم فتم استهدافه وقياداته مع الحكومات الطائفية المتعاقبة إلى أن بات ضعيفا يتعاون ابناء المكون السني من تحميله مسؤولية المشاركة السياسية وإضفاء الشرعية عليها، ويحمله المكون الشيعي مسؤولية الأعمال الإرهابية للإرهابيين مع يقينهم ببراءته منها لكنهم يجدونه تحدي حقيقي لمشروعهم الطائفي الإقصائي، وأقوى ضربة تعرض لها الحزب باستهداف قياداته الحقيقية المبدئية بإحدى ثلاث المقابر أو المحاجر أو المهاجر، شأنهم شأن جميع أصحاب التأثير من المكون العربي السني.
     تمكنت الصحوات وبإسناد من القوات الأمريكية والحكومية من طرد تنظيم القاعدة بشكل تام عن المدن ولم يبقى لهم وجود إلا في بعض المناطق النائية البعيدة ولم تتم عودتهم إلا مع تنظيم داعش في شمال المحافظة، ودخول التنظيم الإرهابي للمحافظة كان بسبب أجندات خارجية عديدة لعل من أهمها انهاء استثمار حقل المنصورية الغازي الذي سيطر على مدنه التنظيم وانسحب منهم لينهي استثمار شركات ثلاث دول كورية تركية كويتية، وليصرح مسؤول من وزارة النفط إن الحقل يحتاج لخمس سموات لإعادة تأهيله ليستمر استيراد الغاز والكهرباء من إيران، أي بتعبير أدق تم انهاء التنظيمات الإرهابية التابعة للمكون العربي السني بمساعدة ابناء المكون، في حين انظمت الجهات الإرهابية أو معظمها من المليشيات إلى القوات المسلحة العراقية والمؤسسات الأمنية، ومن هنا تم افراغ المحافظة من العناصر المؤثرة للمكونات الأخرى، وهنا قد تكون حقبة لتغيير هوية ديالى تمت بنجاح، وهدأت المحافظة بعد ذاك وخضع المكون العربي السني للمشروع وهيمن من كان يشكل المليشيات الإجرامية على الساحة الأمنية وحصل استقرار أمني نسبي تخرقه هذه العناصر بين الحين والأخر.
      بعد هذا الاستعراض التاريخي لعمل المنظمات الإرهابية في محافظة ديالى نستطيع فهم ما يحصل في المحافظة بين الحين والآخر، ففي الأيام الأخيرة شهدت قرية أبو خنازير التابعة لناحية أبو صيدا مقتل ثلاث شباب من قبل عناصر ترتدي الزي العسكري وأمام مسمع مرأى الجهات الأمنية المسؤولة عن حماية القرية وطرقها، وبعد حملة إعلامية كبيرة فضحت الجريمة تدخل مسؤولون كبار في الحكومة العراقية وأرسلوا قوات لاعتقال المجرمين الذين قاموا بهذه الجريمة النكراء ولكون الأمر لم يحسم في الملف الأمني للحكومة الاتحادية تدخلت قوة أمنية أخرى ومنعت اعتقالهم، وبقي المجرمون أحرار لساعة كتابة هذه الكلمات وزاد الطين بلة تجرأ الميليشيات مرة أخرى على قتل شباب مدنين في قرى مدينة بعقوبة وتحديدا بقرية الحد الأخضر، وقرية كصيبة، فهل ستحمي الفصائل الخرجة على القانون هؤلاء المجرمين؟ أم سيتغلب صوت العدل والحق وتتعقب القوات الأمنية المسؤولة هؤلاء المجرمين ليحفظوا للمحافظة استقرارها الأمني النسبي؟ أم هي إشارة خضراء لبداية مرحلة جديدة من الاستهداف الطائفي والتغيير الديمغرافي للمحافظة؟ جواب ذلك في قابل الأيام.
كلمات مفتاحية: