هندسة التوازن الديموغرافي في العراق

د. مهند يوسف

مستشار مركز العراق الجديد

الصدام السني الشيعي عنصر خطير في ديناميكيات الشرق الاوسط عامة وفي العراق خاصة، الذي كان مستقرا باغلبية سنية مطلقة منذ القرن السابع عشر وحتى عام 2003، بحسب اكثر الوثائق الرسمية الموثوقة والوقائع التاريخية المعتمدة في تاريخ العراق الحديث والمعاصر.
وهذا الاستقرار الديموغرافي للعراق ومحيطه الاسلامي حافظ على ثباته طوال هذه العقود الاخيرة لانه كان ملائما للتاريخ والجغرافيا وحتى للجغرافيا السكانية، ولم يتاثر رغم محاولات البريطانيين والهنود عند احتلال العراق 1918، وبقيت الاقليات اليهودية والمسيحية والارمنية والشيعية موالين للسنة، بل حتى خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980- 1988)، ظلت الشيعة موالية للسنة لهذا السبب او ذاك، مما اعطى استنتاج للمؤرخين والسياسيين أن الفجوة الدينية لم تعد لها صلة بشكل عام في استقرار المجتمع العراقي بقدر ما تؤثر القبلية والعشيرة عليه.
 منذ اكثر من عقد ونصف اي بعد الاحتلال الامريكي للعراق بدأ النقاش حول المنطقة من خلال التساؤل الامريكي، انه من غير المعقول ان نرى السكان الشيعة لا يزالون أقلية! وسط صراع دموي بين الاصولية السنية والولايات المتحدة، حيث كان من الصعب رؤية ان وجه الشرق الأوسط والعراق لن يتغير وسط هذا الصراع العنيف.
وبالتالي بدأت هندسة التوازن الديموغرافي، وبدأت عملية إعادة تشكيل التوزيع السكاني لمنطقة الشرق الاوسط عامة عن طريق خلق ملايين اللاجئين والنازحين داخليا على وجه الخصوص، وكلنا رأى ويتذكر ايام 2004 كيف نصبت الخيام الفارغة في مناطق محددة، وكيف جهزت اكياس الموتى من خلال مناقصات امانة بغداد، والحرب الاهلية المذهبية لم تبدأ بعد، وبعدها اعدم الرئيس السابق وبدأ التطهير السياسي والعرقي واسع النطاق، لخلق التوازن الديموغرافي لصالح الشيعة.
والحق كانت هنالك مخاوف قد أثيرت فيما يتعلق بالنتائج الديموغرافية وكان هناك من يخشى تكرارها، فالعالم راى وسمع، وبقيت حية، ذكريات الحرب الاهلية في لبنان في السبعينيات والثمانينات، لكن اليوم وفي الوقت نفسه وفي نفس هذه الساحة، ساعدت التحولات الديموغرافية في العراق الشيعة لكي يكونوا ذوي النفوذ السكاني والسياسي والاقتصادي على حساب العرب السنة.
ان صعود الشيعة في جميع أنحاء المنطقة عامة والعراق خاصة يؤكد على الدور المتزايد المطلوب من الشيعة ان تلعبه في المنطقة في جزء كبير من المشرق العربي (سوريا ولبنان والعراق) وهي الأراضي العربية السنية تاريخيا، تبدأ من الهيمنة المتصورة على الأقليات الجديدة اليوم وهم، العلمانيون والسنة وماتبقى من الآثور الارمن والصابئة والايزيديين.
فوجه الصراع اليوم بين الولايات المتحدة وايران يتمثل بالحقيقة حول قدرة الشيعة على اداء الدور المنوط بهم في السيطرة على سكان المنطقة جميعا بعد هذا التطهير السني الدامي، ومدى قدرتهم على ارغام السكان الاصليين من السنة، للبقاء تحت ظل حكم اكثريتهم الجديدة.
المسلمون السنة بشكل غالب كانوا موحدين في مواقفهم السياسية والدينية، لكن بدأت تغييرات هذا النظام في القرن العشرين ببعض التعديلات الديموغرافية، خاصة في المدن، في المقابل في المناطق الريفية ارتبطت التغيرات الديموغرافية الرئيسية بالتغيرات العرقية. حيث كانت التطورات في المناطق الريفية أبطأ وأقل محدودية لأن هذه المناطق عادة ما تكون بعيدة عن مراكز السلطة.
وحين النظر إلى العراق ككل سنجد انه غير مأهول إلى حد كبير، فالكثافة السكانية ضعيفة، ومن الخطا التأكيد على الحجم الكبير للوزن العددي للمناطق الريفية، مع التقليل من أهمية المدن، بغض النظر عن مدى ضآلة حجمها، والتي تشرح بشكل أفضل القوة المحدودة للعرب السنة في المنطقة.
لكن ومع التدخل الأمريكي في العراق، وما أدى من عكس للسلطة، استفادت منه الشيعة وأدى إلى نتيجة ديموغرافية دراماتيكية، والخطأ القاتل انهم استعملوا الابادة البشرية ظنا منهم انها ستؤدي الى بقاء ورسوخ حكمهم الجديد.
صحيح ان الولايات المتحدة فتحت لهم الباب بشكل مطلق للحكم في العراق تحت مسمى حق الاغلبية المظلومة، ودعمت ذلك اعلاميا وسياسيا وعسكريا، الا ان خيار الابادة البشرية كان قرارا شيعيا صرفا، وبالتالي هم سيتحملون نتائج افعالهم وقراراتهم التي لن تسقط بتقادم الزمن، وسيدفع الاثني عشرية غاليا ثمن موقفهم هذا وفسادهم.
بدأت الحرب الأهلية في العراق بعد اعدام صدام حسين في نهاية  2005 وسرعان ما تم تفسير الصراع على أنه تهديد لجميع الشيعة في العراق خاصة بعد تفجير سامراء في شباط 2006، والصعود السريع للجهاديين السنة، وزادها حدة الهجمات على الأقلية الشيعية مما ساهم في التعبئة في العالم الشيعي، وأجبرت الهجمات على الجيش والشرطة ذات الاغلبية الشيعية على التدخل، واصبح هناك نفير عام بين اواسط  العشائر الشيعية في الجنوب لارسال مقاتلين الى بغداد، ورفعت شعارات شوفينية عنصرية بشكل عام في مدن البصرة والنجف والناصرية من قبيل الدم الشيعي اطهر من الدم السني.
 من ناحية أخرى، كان من الصعب تبرير إرسال مقاتلي الشيعة الى المدن السنية الاخرى، وهنا جاء تاسيس فرق الموت من قبل السفير الامريكي في بغداد انذاك نيغروبونتي وانشئت الوية عسكرية حكومية كلواء الذيب وقوات الحرس الوطني وقوات العقرب، واستخدمت القرى والبلدات الشيعية في الجنوب للدعاية وللتعبئة، وتم استحضار المشاعر الشيعية لتبرير القتل والابادة للسنة.
بغداد كانت مدينة ذات أغلبية سنية وكذا كانت اغلب المدن الكبرى في العراق، وحتى العقد الماضي تركزت الشيعة الاثني عشر في جنوب العراق، وبقية الأقليات انتشرت في السهول الداخلية، والاكراد السنة في جبال شمال العراق، وبقيت الأقليات التركمانية واليزيديين في الشمال، وبسبب فرص العمل الزراعية تراجع البدو، وفي الواقع وللتذكير فإن الخريطة السكانية في العراق بشكل عام هي متوارثة، اي هي التي استقرت عليها العلاقات بين المجتمعات لصالح العرب السنة، ولم تستطع بريطانيا من تعديل ذلك النظام القائم.
وكانت المجتمعات المهيمنة في بغداد وبقية المدن هم من العرب السنة، وتحت حمايتهم عاش اليهود والمسيحيون في المدن، حيث تركزت بايديهم القوة والثروة، كما أنهم امتلكوا أفضل الأراضي الزراعية. وفي المدن، احتل كل مجتمع منطقة سكنية معينة، فالمسلمين السنة يجتمعون حول الأماكن الرئيسية للسلطة والمساجد الكبيرة، والمسيحيين واليهود بجانب كنائسهم ومعابدهم.
وهنا بدات هندسة التوازن الديموغرافي على حساب السنة، فكانت المقدمة تطهير عرقي واسع النطاق في مناطق مجتمعات محددة وبدات في بغداد لأنها عاصمة العراق، ولان عدد السكان السنة بدأ ينخفض بشكل كبير فيها منذ اعدام صدام حسين، ثم بعد ذلك جاءت المدن الصغيرة التي تظهر نمطًا أكثر تعقيدًا كتوزخورماتو، المدينة التركمانية الشيعية الكردية السنية المختلطة، والتي استولت عليها الميليشيات الشيعية وكان الهدف النهائي لها هجرة جماعية، لولا تدخل البيشمركة الكردية، لكن قضية توزخورماتو مهمة من حيث أنها تمثل عملية تطهير إثنية مستمرة تهدف قبل كل شيء إلى تأمين النقاط الاستراتيجية، وعلى نفس هذا النمط بدات ايضا في تلعفر ومدن ديالى والحلة.
رجال الميليشيات الشيعية عادوا منتصرين الى مدنهم تلك التي اخرجوا منها في البداية وبعدهم عاد السكان الشيعة، ثم بدأ التطهير العرقي فيها لضرب القاعدة الاجتماعية ضد السكان السنة ، فقد استهدفهم بهجمات وحشية، وتم منع السكان من العودة إلى ديارهم، وتم تحويل العرب السنة إلى لاجئين دائمين، وهنا تمت إعادة هندسة نهائية للتوازن الديموغرافي.
جرف الصخر واليوسفية والقصر الاوسط وابو غريب والصويرة والمدائن وعرب جبور والمشاهدة والطارمية ومايسمى بحزام بغداد السني سيطرت المليشيات الشيعية على تلك المدن بعد معارك عنيفة، وبسبب ان جميع السكان المدنيين، وكلهم ​​من السنة، تبعوا المقاومين ضد الاحتلال فقد فروا ونزحوا من تلك المناطق، ويبدو الآن من المستحيل بالنسبة لهم العودة إلى مدنهم، وحين يحاولوا العودة يتم سجنهم على الفور من قبل المليشيات.
الشخصية الحالية للتطهير العرقي في العراق اليوم في مدن الموصل وتكريت وبيجي والقيارة وقرى الفلوجة انه بعد فرار السكان يتم نهب الممتلكات ومن ثم أحراقها من قبل الميليشيات المحلية التي أخذت المبادرة لمنع الناس من العودة.
وضمن هندسة هذه العملية العرقية والمذهبية تتم إعادة تجميع الأقليات عندما تكون أعدادهم غير كافية لضمان بقائها، وبالتالي فإن المجتمعات الشيعية المنعزلة كما في انحاء سامراء في الجلام وبلد والدجيل وفي سهل نينوى وامرلي والدبس وانحاء ديالى، فالبقاء على قيد الحياة في بيئات معادية مهم للغاية، حيث يتم النظر اليهم كنقاط استراتيجية، مرشحة لعكس التوازن الديموغرافي فيما بعد.
اليوم في العراق الوضع السياسي العربي السني مختلف، لأنهم لا يمثلون نفس الوزن الديموغرافي، فالعرب السنة أقلية، ومنقسمين بشدة، وإستراتيجية الدولة الشيعية تجاه هؤلاء السكان الضغط المليشياوي العسكري، واستخدام الرعاية السياسية للحفاظ على الانقسام، وأن يكونوا تحت رعاية سياسية شيعية، وان لا يستطيع أحد قادر على تمثيل مصالح المجتمع العربي السني.
وبالتالي فإن العرب السنة هم أكثر الضحايا عددًا بسبب التطهير والابادة، لكنهم يبقون الطبقة العاملة الخطيرة في النظام الاجتماعي العراقي، هذه المجموعة الاجتماعية ستبقى تدعم اي تمرد مستقبلي في العراق، وستحافظ بسبب تلك الهندسات العرقية على معدلات الفقر والبطالة والخصوبة العالية، وستختلف الأوضاع الديموغرافية، فالشيعة في العراق ليسوا أغلبية طبيعية؛