فلسفة الإستراتيجية الإقليمية الإيرانية وأبعادها

فراس الياس

تمثل الإستراتيجية الإقليمية الإيرانية دائماً إشكالية سواء على المستوى التحليلي أم على المستوى العملي، وهو ما سبب إرباكاً حقيقياً للمتعاملين معها، ومرد ذلك أن إيران لا تتحدث بصوت واحد، وأن ثمة معسكرين في إيران (محافظين وإصلاحيين) يتداولان تلك المسألة، فضلاً عن طبيعة سياستها الحذرة والمعقدة، ويلاحظ في الآونة الأخيرة وبخاصة بعد الإحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، تصاعداً في النفوذ الإقليمي لإيران، فهي تقع في موقع جيوبوليتيكي متميز قدم لها فرصة كبيرة في إستثماره لجهة الدفع بمشروعها التوسعي الدفاعي والهجومي في الوقت نفسه، بيد أنه أي هذا الموقع، جعلها أيضاً عرضة للمخاطر في منطقة تتسم بالتوتر وللإستقرار[1].
تنطلق الإستراتيجية الإقليمية الإيرانية عند تعاملها الإستراتيجي الخارجي، إلى وضع مقتربات إستراتيجية مستنبطة من طبيعة الفلسفة الحاكمة لها، والتي عادة ما تتميز بالعمومية والشمول، بل أنه في كثير من الأحيان، مثلت هذه العموميات محدداً أمام قدرة صانع القرار السياسي والإستراتيجي، على الإحاطة بلكم الهائل من الفرص والتحديات التي تفرضها البيئات الإستراتيجية المتعامل معها.
فعند الحديث عن التوجهات العامة للإستراتيجية الإقليمية الإيرانية، نجد أنها لطالما تراوحت مابين خيارات مرة بها الكثير من الدول، فما بين الإنعزال والتدخل وعدم الإنحياز، وظفت الإستراتيجية الإقليمية الإيرانية أيضاً، إستراتيجية التوظيف الغير مباشر للعنصر البشري في العديد من بلدان المنطقة، إذ كانت الطبيعة العامة للإستراتيجية الإيرانية خلال فترة حكم الشاه محمد رضا بهلوي مزاوجة مابين خياري الإنعزال والتدخل، فهي تدخلية عندما تتعلق بقضايا الأمن الخليجي، وإنعزالية عندما يتعلق الأمر بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، أما في الفترة التي أعقبت قيام ثورتها الإسلامية، فقد تخلت السياسة الخارجية الإيرانية عن حالة الإنعزال، وأصبحت تعتمد التدخل في قضايا المنطقة، من خلال مبدأ تصدير الثورة والدفاع عن المستضعفين.
أما الأدوار الإيرانية فهي الأخرى تميزت ومنذ قيام الجمهورية “الإسلامية” بعدم الثبات أو التماسك، وكذلك الحال بالنسبة للإستراتيجيات الإيرانية فهي الأخرى يشوبها الكثير من التعقيد، بسبب التداخلات والتفاعلات المعقدة في علاقة إيران المتدهورة مع أمريكا والغرب من جهة، وعلاقاتها المتطورة مع بعض دول المنطقة العربية مثل “سوريا والعراق واليمن”، وأيضاً القوى السياسية والجماعات المسلحة في الشرق الأوسط من جهة أخرى.
وبالمجمل تنطلق الإستراتيجية الإيرانية في تعاملها مع التطورات الدولية من قيم وفلسفات أساسية، مثلت الإطار العام لتفسير الحركة الإيرانية الخارجية، ومن أبرزها:
القومية الفارسية والإعتزاز التاريخي.
تعتبر إيران واحدة من أكبر الإمبراطوريات القديمة، ومن أهم دول العالم تاريخياً، وهذا أمر إنعكس على الإستراتيجية الإقليمية الإيرانية، وتفضيل مقوم القومية الفارسية على ما سواه من المقومات الأخرى. [2]
فقد كانت النزعة القومية خلال الحقبة البهلوية هي السمة الطاغية للنظام الإيراني، وكان الشاه يطمح إلى التوسع في المنطقة العربية، كما كان يعد إيران بمثابة القوة المهيمنة في المنطقة، وخلال تلك الفترة تم إحتلال الجزر الإماراتية الثلاث، هذا المشروع السياسي الإيراني إستمر بعد ثورة 1979، وإن ظهر برداء جديد، تمهيداً لمشروعها التوسعي في المنطقة العربية، حيث تعمد إيران دائماً إلى إستدعاء التاريخ والجغرافيا بشكل متكرر وممنهج، في هذا الجانب يظهر البعد القومي جلياً في السياسة الخارجية للجمهورية الإيرانية، من خلال الحديث عن حدود الإمبراطورية الساسانية التي كتب الفتح الإسلامي العربي آخر صفحاتها في القرن السابع الميلادي، ولأنه لا يوجد في الوقت الراهن إمتداد قومي لإيران في الداخل العربي، وكي لا تهمل البعد القومي لأهداف داخلية بحتة، تروج الماكينة الإعلامية الإيرانية لمزاعم أن اليمن وأجزاء من المنطقة العربية كانت تحت مظلة الإمبراطورية الفارسية، وتنبش في المواقع الأثرية عما تقنع به الرأي العام المحلي لتشكل مزاجاً قومياً داعماً لمشاريع إيران في المنطقة، خاصة أن هذا النظام يدرك جيداً قوة النزعة القومية في الهوية الإيرانية في العصر الحديث، ومن هنا يكثف الساسة والقادة العسكريون حملاتهم الإعلامية التي تسعى إلى إقناع الشارع الإيراني، بأن التدخل في العراق وسوريا واليمن، ليس تدخلاً في الشأن الداخلي لتلك الدول، بقدر ما هو لحماية الأمن القومي الإيراني في المقام الأول، وهذه العبارة تخاطب المخيلة الفارسية بشكل مباشر وشفاف، وعلاوة على ذلك يروج النظام الإيراني لفكرة “العدو المتربص” بالبلاد، من خلال إبقاء أحداث الحرب العراقية الإيرانية وموقف دول الجوار العربي من ذلك حاضرة دائماً في المشهد الشعبي، هذا الدفاع ليس من خلال حماية الحدود الجغرافية لإيران، بل عبر تدمير الخطر في مصدره، ويتذكر الجميع تصريحات بعض المسؤولين الإيرانيين حول أن الدفاع عن سوريا يعد دفاعاً عن إيران وحدودها، والشارع الإيراني يفهم ذلك في هذا الإطار.[3]
 البراغماتية والمصلحية السياسية.
 على رغم من كل ما يتبناه الخطاب الإيراني من قيم ومبادئ عن طريق رفع الشعارات في هذا الصدد، تبقى البراغماتية السياسية هي حجر الزاوية في تعاملاته مع التطورات الدولية، وهي العامل الرئيس في صنع الإستراتيجية والسياسة الخارجية الإيرانية، وحين تتعارض القيم التي يرفعها الخطاب السياسي الإيراني مع مصلحة الدولة، يتم تأويل ذلك بسوق المبررات الكفيلة بتحقيق المصلحة، وشرعيتها قيمياً وأخلاقياً، والحيلولة دون أن تصطدم بالمرتكزات الأخرى، فإذا كانت مصلحة النظام الإيراني تقتضي الحوار مع أمريكا، فإن النظام على إستعداد للحوار معها حتى في قعر جهنم، كما يقول محمد جواد لاريجاني رئيس لجنة حقوق الإنسان في السلطة القضائية، وشقيق كل من رئيس السلطة التشريعية والقضائية في إيران.[4]
ويمكن القول أن السلوك السياسي الإيراني يتحدد في إطار عملية تكتيكية، لا تخرج عن إستراتيجيتها النهائية، التي تبدأ وتنتهي بميزة التفكير البراغماتي، القائم على المساواة بين الأعداء والأصدقاء، في جغرافية سياسية واضحة لمصالحها الحيوية، محددة بالمنطقة العربية بشكل عام، ومنطقة الخليج العربي بشكل خاص، وفي علاقتها مع دول المنطقة تبدو إيران دولة صديقة لدول عربية وخليجية، في الوقت الذي تبدو فيه أيضاً عدوة لدول عربية وخليجية، كما وتتعقد المعادلة الإيرانية أكثر في علاقتها بالداخل العربي والخليجي، فهي داعمة وممولة لمكونات داخل الدولة الواحدة، على حساب مكونات داخلية أخرى، الأمر الذي  رسخ  حالة من التشويش والفوضى، التي كرست منطق الخلاف العربي العربي، كما شكلت مدخلاً إستراتيجياً لبروزها كقوة إقليمية بديلة عن النظام الإقليمي العربي، إلذي إنتقل من الصراع بين “العلمانيين” و”الإسلاميين” العرب، إلى صراع بين المكونات الإسلامية العربية ذاتها، التي إنتقلت هي الأخرى من صراع  داخل المذهب الواحد، بين موالٍ لها، وآخر يختلف معها، قبل أن تتبلور إلى إصطفافات طائفية تشهدها المنطقة الآن.[5]
الأيديولوجية الدينية والمذهبية.
 كون إيران الدولة الشيعية الوحيدة، ولعبها دور القائد بالنسبة لأتباع هذا المذهب حول العالم، فقد أصبح هذا المذهب ومن يتبعونه أحد أهم المرتكزات في صنع القرار السياسي لدولة إيران، وأصبح هذا المرتكز جزءً أصيلاً في الدستور الإيراني، وتسعى إيران منذ بزوغ ثورتها الإسلامية، والتي تعتبر الثورة “الإسلامية” الوحيدة عبر التاريخ، إلى طموح بناء ذاتها كقوة إقليمية كبرى، والرغبة في الهيمنة الإقليمية، ولعب دور محوري بارز في الإقليم والعالم، وإعتمدت إيران في تحقيق الهيمنة على شقين رئيسين، وهي القوة الصلبة “العسكرية”، والتي تعمل على تطويرها رغم كل الصعوبات التي تقف أمامها في ذلك، والشق الثاني القوة الناعمة التي تسعى من خلالها إلى إيجاد بيئات حاضنة تتقبل وتؤيد طرحها الساعي للهيمنة في العالم العربي، وذلك عن طريق الأقليات “الشيعية” في الخليج والعالم العربي والإسلامي، ويعتبر العامل الأيديولوجي من أبرز أدوات القوة الناعمة في السياسة الإيرانية، وتم المزج بين الأدوات الدينية والأدوات الديمقراطية الغربية، وتشكلت بنية أيديولوجية لإيران الجديدة بعد الثورة، من حيث معاداتها للمصالح الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، وتصديرها دعايتها التي قامت على معاداة إسرائيل كونها ذراع أمريكا في المنطقة، ودعمها للجماعات المسلحة في فلسطين والعراق واليمن والبحرين، ومساهمتها في إنشاء حزب الله اللبناني، ودعمها لنظام الأسد في سوريا، وكل ذلك تم من منطلق عقائدي مذهبي وديني.[6]
ومن خلال ماتقدم يمكن القول أن الإحاطة العامة بفلسفة الإستراتيجية الإقليمية الإيرانية يستدعي إستجلاب ثلاثية القومية – البراغماتية- المذهبية، من أجل التوصل لصورة واضحة حول الألية التي تتحرك بها إيران في بيئتها الإقليمية والدولية، فهي بكل تحركاتها تعكس أحد أوجه هذه الثلاثية المعقدة، والهدف المنشود من وراء ذلك هو تحقيق مصلحتها القومية العليا، فرغبة صانع القرار السياسي في إيران واضحة في إبقاء إيران قوية ومتماسكة، بعيداً عن أية محاولة أمريكية تسعى لإضعافها أو النيل منها، فالواقعية الدفاعية والهجومية شكلت أهم أوجه التعاطي الإيراني الحالي مع الضغوط الأمريكية، فهي تعتمد خطاب الحرب عندما يكون ذلك مجدياً، وخطاب السلام والحوار عندما يكون ذلك ضرورياً، وفي كلتا الحالتين يكون الهدف الإيراني المنشود قد تحقق.
[1] عياد البطنيجي، السياسة الخارجية الإيرانية:دراسة نقدية مقارنة، عمان، مركز الدراسات الإستراتيجية، 2012.
http://cssrd.org.lb/index.php?option=com_content&view=article&id=70:2011
[2] عبدالسلام العيدي، مرتكزات السياسة الخارجية الإيرانية.. المصلحة والعامل الأيديولوجي، صحيفة الوئام الألكترونية، 25 يوليو 2016، ص1.
http://www.alweeam.com.sa/416084/%D9%85%D8%B1%D8%AA%D9%83%D8%B2%D8%A7%D8%AA-
[3] محمد بن صقر السلمي، القومية والمذهبية في السياسة الإيرانية، مجلة اراء حول الخليج، العدد (99)، في 2017.
http://araa.sa/index.php?view=article&id=3467:2015-09-04-16-06-24&Itemid=565&option=com_content
 [4]عبدالسلام العيدي، مصدر سبق ذكره، ص2.
[5] محمد خالد الشاكر، المرتكز البراغماتي للسياسة الإيرانية وأيديولوجيا الإيهام والتواجد: من السياحة إلى السلاح، مركز الشرق للدراسات والبحوث، في 28 أغسطس 2014.
http://falsharq.com/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%AA%D9%83%D8%B2-
[6] عبدالسلام العيدي، مصدر سبق ذكره، ص3.