محافظة ديالى وقصة حمل السلاح خارج نطاق الدولة ونشـــأة المجاميع الإرهابية وتداعياتها على المحافظة (الجزء الثاني)

د. عبدالناصر المهداوي
مستشار مركز العراق الجديد
في الجزء الأول تكلمنا عن المسح التاريخي السريع لبداية الأعمال الحربية التي شهدتها مدن محافظة ديالى كافة، وبصرف النظر عن خلفيتها سواء كانت أمريكية أو أمنية أو إرهابية من قبل التكفيريين القاعدة وداعش من جهة أو الميليشيات المسلحة والعصابات الخارجة عن القانون من جهة ثانية، وفي هذا الجزء سنتكلم عن تداعيات هذه المجاميع المسلحة والأعمال الحربية التي صاحبتها على محافظة ديالى، وأثرها في خراب المحافظة فضلا عن تخلفها عن بقية المحافظات العراقية، بحجج كونها من المناطق الساخنة التي شهدت أحداثا دامية، خاصة بعد دخول الأمريكان بأكثر من عام أو عامين، فعند الاحتلال حافظ أهل المحافظة على أمن المحافظة وسيطروا على طرقاتها دون حدوث أي أحداث عسكرية تذكر على الرغم من وجود الآلاف من القوات المسلحة العراقية السابقة التابعة للنظام السابق، وعلى الرغم من دخول قوات بدر إليها وانتشارهم في طرقات المحافظة ومحاولة بسط نفوذهم، مع اعتبار أن الأهالي في بداية الأمر منعوا هذه القوات من دخول بعض المدن كقضاء المقدادية لكنهم استطاعوا الانتشار في محيط القضاء من جهة الجنوب الشرقي، كما تم انتشارهم في مركز المحافظة بعقوبة، وكذلك على الرغم من وجود مقاتلي مجاهدي خلق التابعين للمعارضة الإيرانية في معسكر أشرف.
كما أسلفنا في الجزء الأول من المقال أن الأعمال العسكرية بدأت في اتجاهين، الأول مواجهات بين قوات بدر وبعض ضباط الجيش السابق، خاصة بعد أن كشفت قوائم بأسماء الضباط الذين يراد تصفيتهم لدى قوات بدر، غير أن هذه المواجهات كانت على مستوى الاغتيالات للطرفين، دفع ثمنها العديد من الضباط والعديد من قيادات بدر الميدانية وحتى السياسية من غير أن تنعكس سلبا على المدن في مشيداتها العمرانية ولا بنيتها التحتية. والنوع الثاني من المواجهات كانت بين مجاميع مسلحة عراقية وبين القوات الأمريكية بعد أن دخلت مدن ديالى وتصنف هذه المجاميع بحسب اتجاهات وولاءات حاملي السلاح، فقسم منهم كان يتبع الجيش السابق، ومنهم دفعته وطنيته وغيرته على بلده لمقارعة الاحتلال، وتبلورت فصائل للمقاومة تتجمع بحسب الرؤية الفكرية الجامعة لها، وانحصرت بالغالب في مجاميع ومدن العرب السنة حصرا، ولم يوجد يومها أي تنظيم إرهابي بعد لا من تنظيمات القاعدة ولا حتى من الميليشيات التي تشكلت بعد حين، وكانت المواجهات بين المقاومة والقوات الأمريكية في الغالب شرسة، وكان رد الفعل الأمريكي عنيف أدى إلى خراب كبير في المباني العامة والخاصة للمدن الكبيرة وبعض القصبات، كما كانت لتفجيرات المقاومين أثار لكنها أقل من الفعل الأمريكي، وخاصة للمشيدات العامة كالمدارس والمبان الحكومية وبعض المباني الخاصة.
المرحلة اللاحقة كانت من خلال تسرب تنظيمات القاعدة الإرهابية وبلورة الميليشيات المسلحة الخارجة عن القانون وعصابات الجريمة المسلحة، طالت الأعمال الحربية التي قام بها هذان الصنفان من التنظيمات الإرهابية المساجد والحسينيات ودور العبادة والمدارس والمساكن الخاصة والعامة فضلا عن استهدافها بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال العمليات الحربية على البنى التحتية للخدمات البلدية والكهرباء ودوائر الماء والبنى التحتية لدوائر الصحة والتربية والطرق والجسور وحتى الموارد المائية، أما تأثيرها على مشاريع الميزانيات الاستثمارية لتنمية الأقاليم وميزانيات الوزارات فقد كانت كارثية لكونها حرمت المحافظة لما يقرب من أربعة سنين من أي ميزانية تنموية، كما كانت ذريعة لتفشي الفساد فيما تبقى بشكل مسف لا يستطيع استيعابه حتى من قبل أبسط الناس، والأمثلة على ذلك عديدة وغير مسبوقة وكل مشروع أقيم على قلتها في المحافظة من عام 2005 وحتى عام 2008 تقريبا كان يعتريه النقص والفساد والكساد بذريعة الإرهاب والأعمال الحربية.
تتعدد الأعمال العسكرية للجهات الخارجة على القانون، والمجاميع الإرهابية بشقيها القاعدة وداعش من جهة والميليشيات المسلحة وعصابات الجريمة المنظمة من جهة ثانية وتتحمل مسؤوليتها في خراب المحافظة، فقد بدأ خراب ديالى على أيدي الإرهاب والعمليات الحربية التي صاحبته، وفي الإمكان رصد بعض مظاهر هذا الخراب في الآتي؛
– مكن النزاع المسلح الإرهابيين من الجهتين القاعدة وداعش والمليشيات والعصابات الخارجة عن القانون على مساحات شاسعة من المحافظة، بل باتت مدن تعرف بسيطرة هذه الجهة أو تلك عليها، وبالتالي باتت تستهدف المواطنين المارين بها من المكون المقابل، وتمنع حتى مروره، الأمر الذي عطل هذه المدن عن الحياة خاصة المدن ذات الأغلبية السنية، لكون إرهابيي السنة لا يستهدفون الشيعة فحسب بل يستهدفون كل من خالفهم من السنة وبهم يبدؤون، كل ذلك لم بعطل التنمية في هذه المناطق فحسب بل عطل الحياة بمفاصلها التعليمية والاجتماعية والاقتصادية كافة، مع اعتبار هدم البنى التحتية البلدية يكاد يكون بالكامل فلا ماء ولا كهرباء ولا تعبيد طرق ولا أي مظهر من مظاهر العيش الانساني في حدوده الدنيا.
– في المناطق التي سيطر عليها التنظيم الارهابي الأول القاعدة ونتيجة للأعمال العسكرية التي قامت بها قوات الصحوات والقوات الأمريكية والقوات الأمنية أتت على البنية التحتية لهذه المدن التي يقطنها السنة بالكامل ولا أقول البنى التحتية البلدية فحسب (ماء، كهرباء، مجاري، تعبيد طرق، ترصيف، حدائق ومتنزهات) بل طالت البنى التحتية للمدارس بحيث هدمت مئات المدارس وتعطل التدريس، وكذلك الحال البنى التحتية للصحة باستهداف المراكز الصحية وتوابعها.
– شهدت أغلبية هذه المناطق السنية بسبب الأعمال الحربية هجرة جماعية ونزوح جماعي وباتت هذه المدن في أغلبها مدن أشباح وخاصة في السنين 2005 إلى 2008 وبعد تحريرها اعيد الناس إليها مع هيمنة أمنية للأجهزة الأمنية المخترقة في بعض مفاصلها من قبل مليشيات لا تتبع الحومة وتوجهاتها بل تتبع مرجعياتها الحزبية أو الإجرامية.
– لم تستفد الحكومات المحلية حتى عام 2008 من الميزانيات المتعاقبة لتنمية الأقاليم في استدراك الانهيار العمراني بل أعادت الأموال للحكومة المركزية التي لم تعوض المحافظة في سنوات الهدوء الأمني النسبي في السنوات اللاحقة، بل حملت مديونية لمشاريع فاسدة لسنة 2009 بحيث لم يرصد لميزانية تنمية الأقاليم الحكومة المحلية الجديدة بأغلبية سنية في مجلس المحافظة ومحافظ سني حتى تفاصيل تتعلق بالتنظيفات البلدية ، ولم تشهد المحافظة أي استثمار للوزارات المركزية بسبب الظرف الأمني، إلى نهاية عام 2007 ومع بداية 2008 استغلت الحكومة المحلية غياب ملحوظ للجهات الرقابية الحقيقية وفي ظل هيمنة أمنية للأجهزة الأمنية والميليشيات المسلحة المسنودة من قبل هذه الأجهزة فقامت بعمل مشاريع على حساب تنمية الأقاليم تستوعب ميزانية عام 2008 ومديونية لميزانية عام 2009 من غير أي تدوير للميزانيات المتعاقبة التي ارجعتها الحكومة المحلية السابقة إلى المركز.
– السياسات الاقصائية للأجهزة الأمنية والميليشيات المخترقة لها أو التي تتجحفل معها في أحيان كثيرة، واستهداف السنة العرب بشكل ممنهج واشاعة مفاهيم (المهاجر والمقابر والمهاجع) أي أن السنة أمام ثلاثة خيارات أما القتل وأما السجن وأما الهجرة، ونجحت السياسات الاقصائية إلى حد كبير بذلك ومن استهداف الشريك السياسي في مفاصل الإدارتين التشريعية والتنفيذية المتنفذة في أعضاء مجلس المحافظة من السنة ديوان المحافظة من السنة، إلى استهداف شرائح المجتمع العربي السني بخلفياته كافة ولا يستثنى أحد مؤثر على جميع الأصعدة السياسي والعسكري ( ضباط الجيش والشرطة الذين في الأجهزة العاملة يومذاك فضلا عن الضباط في النظام السابق) والاجتماعي (شيوخ عشائر ووجهاء) والاقتصادي (تجار ورجال أعمال وشركات).
الخلاصة أن محافظة تعد من المحافظات المنكوبة حربيا وبسبب المجاميع المسلحة والأعمال الحربية لها وللقوات الأمريكية وبعدها لقوات الجيش العراقي والحشد الشعبي التي لاحقت فلول “داعش”، ولما يزيد من عقد ونصف من الزمان كانت الميزانيات الاستثمارية سواء لميزانية تنمية الأقاليم التي تعد من مسؤولية مجلس المحافظة والإدارة المحلية، وكذلك من ميزانيات الوزارات الخدمية الاستثمارية كوزارة البلديات والطرق والجسور والكهرباء والموارد المائية كلها كانت محدودة ولم تلبي معشار احتياجات المحافظة الحقيقية، هذا فضلا عن الخلل ال1ذي يعتري المشاريع المنجزة عليها إلا ما رحم ربي لكون التعميم آفة، وهنالك وزارات بذلت جهدها كما شهدنا من قبل وزارتي البلديات زمن الوزير عادل مهودر، ووزارة الطرق والجسور بذات الأعوام ومع ذلك لم تستطيع بعض المشاريع المهمة أن تفي باحتياجات المحافظة العديدة بعد أن عصف بها الإرهاب والعمليات الحربية المصاحبة له، ونحن اليوم ندعو الحكومة الاتحادية أن تولي هذه المحافظة من الاهتمام بما يتناسب وحاجتها بعد أن عصف في جنباتها الثالوث المدنس… الإرهاب…الطائفية…الفساد…