هل سترضخ إيران للتفاوض مع الولايات المتحدة وترتشف كأس السم من جديد؟ أم أنها تسعى للهروب إلى أمام عبر استعجال مواجهة محدودة تغير ظروف التفاوض؟

د. عبدالناصر المهداوي
مستشار مركز العراق الجديد
      طغت أحداث استهداف السفن والناقلات التجارية في الخليج العربي على المشهد الأمني والسياسي في الشرق الأوسط، خاصة بعد استهداف الحوثيين المدعومين من الحرس الثوري الإيراني مطار أبها السعودي، كما استهدف من قبلها مدن ومطارات سعودية بصواريخ بالستية وطائرات مسيرة إيرانية الصنع كما نقلت وكالات الأنباء، تداعيات الاعتداءات على الناقلات النفطية في سواحل الإمارات من قبل وفي خليج عدن أعاد إلى الأذهان تهديدات طهران في غلق مضيق هرمز حال التضييق عليها واستهداف نفطها كما صرح روحاني في 2 تموز 2018، بان منع إيران من تصدير نفطها يعني أن لا احد في المنطقة سيتمكن من تصدير نفطه، في إشارة إلى السعودية والإمارات والكويت والعراق، وقطر أيضا التي تشترك معها في حقل للغاز الطبيعي وتعتمد في تصديره على مضيق هرمز، في مقابل ذلك صعد الحرس الثوري الإيراني من تهديداته بإغلاق مضيق هرمز مرة أخرى، وتحدث قائد القوات البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني علي رضا تنكسيري أن إيران ستغلق مضيق هرمز إذا تم منع طهران من استخدامه.
    بعد سلسلة العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية على طهران باتت خيارات النظام الإيراني محدودة وضيقة، فهي بين أمرين قد يتعذر الثالث معهما خاصة المواجهة العسكرية لكون إيران تعلم أنها ليست ندا للولايات المتحدة الأمريكية، والخياران المتاحان هما؛ استعجال المواجهة المحدودة وإحراج واشنطن في قبول مفاوضات في ظروف أفضل من الظرف الحالي- وهذا خيار صعب وخطر-، وقد تسعى لتوسيط دول مؤثرة لضمان مفاوضات تعد الخسارة فيها أفضل ما يمكن تحقيقه بدلا من الوصول إلى نفق مظلم لا ينتهي إلا باقتلاع نظام الولي الفقيه فيها. والخيار الثاني، القبول بالمفاوضات في الظروف الحالية وتجرع كأس السم من جديد، وهذه المرة من فم الولي الفقيه خامنئي، والدافع لكل ذلك هو الهروب من انتفاضة شعبية عارمة من المؤكد أنها ستسقط النظام في ظل الظروف الراهنة مع الاقتصاد المنهار لنظام إيران، فإن العقوبات ستخضع نظام ولاية الفقيه إلى إرادة الشعب الثائر الذي من المؤكد إن استمر الحال على ما هو عليه فإنه سيقتلع النظام عاجلا أم آجلا.
    وعلى الرغم من مرونة الولايات المتحدة الأمريكية في مساعيها لإيجاد اتفاق نووي جديد بعد أن أبدي وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو, استعداد بلاده للجلوس على طاولة المفاوضات مع طهران دون شروط مسبقة، مضيفًا أن الجهود الأمريكية لوقف الأنشطة الخبيثة للجمهورية الإيرانية سوف تستمر. إلا أن طهران أكدت رفضها التفاوض مع واشنطن طالما لا تحترم إيران ولا تلتزم بوعودها في الاتفاق النووي القديم، محذرة من احتمال وقوع احداث في المنطقة إثر إرسال الولايات المتحدة تعزيزات عسكرية، وفعلا نفذت إيران تحذيراتها واستهدفت مصالح حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط. رفض الرئيس الإيراني، حسن روحاني، التفاوض مع الولايات المتحدة في الظروف الحالية التي وصفها، أنها تتطلب المقاومة والصمود لا يعني بالضرورة رفضه للمفاوضات من حيث المبدأ، بل لعله يناور للوصول إلى ظروف أنسب. فبعد أن شدد روحاني أن بلاده ستصمد أمام الضغوط الأمريكية ولن تخضع للإملاءات، أشار في تصريح إلى أنه خلال السنة الماضية توسط أكثر من خمسة رؤساء دول كبرى لبدأ مفاوضات طهران مع أمريكا، لكن الرئيس الإيراني رفضها جميعا.
     ويؤكد ما ذهبنا إليه من قبل ما قاله الرئيس الإيراني حسن روحاني في وقت سابق ردا على عرض الولايات المتحدة الدخول في محادثات مع إيران دون شروط مسبقة، إن واشنطن هي التي غادرت مائدة التفاوض ويجب أن تعود دولة طبيعية، وأكد أنه من أنصار التفاوض والدبلوماسية، لكنه غير موافق على اتباع هذا النهج في الظروف الراهنة، موضحا أن الظروف اليوم غير مواتية للتفاوض، بل تنص على المقاومة والصمود.  ويؤكد ما ذهب إليه روحاني رفض المتحدث باسم الخارجية الإيرانية عباس موسوي، دعوة وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو التي أطلقها للتفاوض مع طهران دون وضع شروط مسبقة. وعد موسوي أن دعوة واشنطن بشأن التفاوض غير المشروط مع إيران لعب بالكلمات بأهداف خبيثة.
   مع اعتبار وجود خلافات حادة بين مجموعة الولي الفقيه خامنئي الذي يرى في التصعيد حلا للأزمة وبين الرئيس روحاني الذي يرى التفاوض السبيل الأسلم لتجنيب إيران عواقب وخيمة لا قدر على النظام تحمل أعبائها، الفارق الوحيد أن الرئيس روحاني لا يعد الظروف الحالية مناسبة للتفاوض ويسعى لصناعة ظروف أنسب لها، في حين أن الولي الفقيه خامنئي يعد التفاوض تجرع لكأس السم، ليعيد إلى الأذهان مقولة سلفه الخميني حين تجرع كأس السم بعد أن وافق على وقف القتال مع العراق في 8/8/1988، وجرع الولي الفقيه لكأس السم يعود لواجهة الأحداث مع الحراك المتصاعد في الشرق الأوسط، ففي14/5/2019 أطل الولي الفقيه ليلملم مسؤولي نظامه المذعورين وقال لن تنشب حرب وأن المفاوضات هي السم. لم ينجح خطابه فحسب، بل لم يمر يوم من تصريحاته حتى أعطى النظام الإيراني الضوء الأخضر للتفاوض، مع اعتبار أن هجوم زمرة خامنئي على حكومة روحاني بسبب الدعوة للتفاوض مستمرة.
     يقول الكاتب فرزين نديمي، هو زميل مشارك في معهد واشنطن ومتخصص في شؤون الأمن والدفاع المتعلقة بإيران ومنطقة الخليج؛ أدّى الزخم المتزايد لسياسة “الضغط الأقصى” الأمريكية إلى دفع إيران إلى الرد بصورة أكثر عدائية في الآونة الأخيرة. ففي خطابٍ ألقاه المرشد الأعلى علي خامنئي في 29 أيار/مايو، أعلن أن “السبيل الوحيد” لكسب النفوذ الاستراتيجي على أمريكا يكمن في هزيمة واشنطن في لعبة الضغط الخاصة بها – ليس عبر المفاوضات، التي وصفها خامنئي بأنها الأسلوب المفضّل لدى الولايات المتحدة، ولكن عبر “أدوات النفوذ الخاصة بنا” والتي تشمل “الأدوات العسكرية”. ووعد باستخدام المزيد من هذه الأدوات إذا لم يؤدِّ التهديد الأخير للنظام باستئناف بعض الأنشطة النووية إلى النتيجة المرجوة المتمثلة في تخفيف العقوبات ومساعدة الاقتصاد الإيراني. وبالنظر إلى مثل هذا الخطاب، من الصعب رؤية الهجومين الأخيرين في أي شيء غير تنفيذ النظام لما قاله خامنئي.
     ويمكن اعتبار حادثتيْ الناقلتيْن كمحاولة لجس النبض وقياس قوة الردع الأمريكية في الخليج العربي، وهو تحدي لمكانة الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى ووضعها على المحك، فإذا لم يتم الرد على هذين الهجوميْن، فقد تتقوّض مصداقية واشنطن بين حلفائها الإقليميين، وقد يجعل ذلك أن تتحول إدارة النزاع من الولايات المتحدة الأمريكية الأقدر على ذلك إلى طهران في إدارة الأزمة في الخليج العربي، وقد يكسب ذلك طهران الحفاظ على عنصر المفاجأة، والإبقاء على قابلية الإنكار المعقول. وقد يفسر الهدف الأخير سبب إسراع إيران في إنقاذ بعض البحّارة الذي نجوا إلى الشاطئ وفي الإمكان استخدامهم كدروع بشرية إذا ما تطلب ذلك وشنت الولايات المتحدة عمليات هجومية على طهران وأذرعها في منطقة الخليج العربي.
      وبحسب الكاتب نديمي تسلّط طبيعة حمولة الناقلتين المستهدفتين مزيداً من الضوء على المدى الذي قد تصل إليه إيران بأفعالها، على افتراض أنها مسؤولة عن الهجوميْن. فسفينة “كوكوكا كوراجس” هي ناقلة للمواد الكيميائية من النوع 2 تُظهر بوضوح إشارات نقل منتجات تشكّل مخاطر شديدة مرتبطة بالبيئة والسلامة. ويُظهر الهجوم المتعمّد على مثل هذه السفينة تجاهلاً تاماً للأضرار البيئية والبشرية الكبيرة التي يمكن أن يسببها تسرّب هذه المنتجات. لذلك يمكن توقُّع أن تؤدي الهجمات المستقبلية إلى زيادة خطر ظهور بقع نفطية وغيرها من المشاكل المشابهة.
     علاوة على ذلك، تُعد مصفاة الرويس، التي انطلقت منها إحدى الناقلتين، منافسة إقليمية كبيرة لقطاع البتروكيماويات في إيران، و قد تجعل إيران مستفيدة كبيرة من تحجيم نقل البتروكيماويات لدول الخليج العربي إذا خلّفت العقوبات الجديدة على صادرات البتروكيماويات الإيرانية أثراً شديداً على المحصلة النهائية التي يصبو إليها النظام. وفي هذا السياق، ربما جرى التخطيط للهجومين كردٍ مباشر على هذه العقوبات. ويبدو التحذير الأوسع نطاقاً واضحاً: على المنطقة ألا تنتظر الهدوء في وقت تتراجع فيه عائدات تصدير النفط الإيراني إلى مستويات متدنية قياسية، فضلاً عن التهديد من حدوث الأمر نفسه من عائدات البلاد من البتروكيماويات. وقد تتوسع تدريجيّاً العمليات التخريبية لنظام طهران من حيث الحجم والنطاق الجغرافي، وربما تمتد لتشمل أهدافاً عسكرية. لذلك يتعين على واشنطن بالتالي بعث رسائل محددة وغير مبهمة حول الكيفية التي سترد بها على كل مستوى من التصعيد الإيراني، لردع النظام وبلورة الرد الدولي إذا أصبحت الإجراءات العسكرية ضرورية.