حقيقة التحدي الإيراني للقوات الأمريكية في الخليج العربي

د. عبدالناصر المهداوي
مستشار مركز العراق الجديد
     بعد الضغط الأمريكي الهائل على طهران عبر العقوبات المتعاقبة، وما تسبب به الحظر الأمريكي من تردي الواقع الاقتصادي الإيراني إلى مستويات غير مسبوقة الأمر الذي عاد سلبا على الواقع المعاشي للمواطن الإيراني الأمر الذي عزز حراك المعارضة الإيرانية في الداخل، هذا فضلا عن تحجيم أنشطة النظام الإيراني في الشرق الأوسط وتحديد دعمها لأذرعها في المنطقة، أضف إلى ذلك عدم سيطرة النظام على الحراك المعارض في الداخل والخارج الذي تصاعد مطردا مع التداعيات الكارثية للعقوبات الأمريكية يضع كل ذلك إيران على المحك، فالوقت لم ولن يكون في صالح طهران التي باتت تعي سعي الولايات المتحدة الأمريكية إلى الإطاحة بالنظام عبر الحراك الثوري المعارض في الداخل بعد أن تعطلت الحياة في إيران بسبب الضغط الأمريكي، لذا بات من الأهمية بمكان استعجال الحل وتخفيف الضغط حتى لو كان بثمن مدفوع دون إسقاط النظام الإيراني وأركانه من الحكم.
    أركان النظام الإيراني لا تتفق على رؤية واحدة، ففي حين يرفض الولي الفقيه أي فرصة للحوار بعد العقوبات على طهران ويعدها تجرع للسم مرة أخرى، فمن خلال تصريحات بثتها محطات التلفزيون المحلية الإيرانية في 14 أيار/مايو، وصف المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي فكرة إجراء مفاوضات مع الولايات المتحدة بأنها “سمّ”، لكنه في الوقت نفسه طمأن المشاهدين بأنه “لا نحن ولا هم يسعون إلى الحرب، إنهم يعلمون أن ذلك لا يصب في صالحهم”. وتُعد صيغة “لا حرب ولا تفاوض” جزءاً لا يتجزأ من استراتيجية “المقاومة الرشيدة” التي يعتمدها خامنئي، والتي تنص على عدم إثارة المواجهة العسكرية، مع اعتبار أن جرع الولي الفقيه لكأس السم يعود لواجهة الأحداث مع الحراك المتصاعد في الشرق الأوسط في14/5/2019  فقد أطل الولي الفقيه ليلملم مسؤولي نظامه المذعورين وقال لهم يومها؛ لن تنشب حرب وأن المفاوضات هي السم.
   في حين نجد أن روحاني يسعى لتحسين الظروف الموضوعية التي تحيط بعملية التفاوض،  يقول الرئيس الإيراني حسن روحاني أن بلاده ستصمد أمام الضغوط الأمريكية ولن تخضع للإملاءات، وأشار إلى أنه خلال السنة الماضية توسط أكثر من 5 رؤساء دول كبرى لدي لنبدأ مفاوضات مع أمريكا، لكننا رفضنا، مع اعتبار أن الرئيس الإيراني يذهب إلى أنه من أنصار التفاوض والدبلوماسية، لكنه غير موافق على اتباع هذا النهج في الظروف الراهنة، موضحا أن الظروف اليوم غير مواتية للتفاوض، بل تنص على المقاومة والصمود. قال الرئيس الإيراني حسن روحاني في وقت سابق من هذا الشهر ردا على عرض الولايات المتحدة الدخول في محادثات مع إيران دون شروط مسبقة إن واشنطن هي التي غادرت مائدة التفاوض “ويجب أن تعود دولة طبيعية”.
 وبحسب مختصين في الشأن الإيراني؛ يعتقد النظام الإيراني بأنّه لا يستطيع ان يبقى ساكناً في مواجهة العقوبات المتزايدة، ذلك أنّ السكوت يعني أنّ حالته ستتدهور وقد يدفع ذلك الى تأزيم وضعه الداخلي بشكل غير مسبوق. في المقابل لا يستطيع النظام الإيراني الذهاب الى التفاوض من دون أوراق، لأنّ ذلك سيعني استسلامه أمام ترامب مما سيقوّض شرعيته داخل إيران. يبقى الخيار الأخير وهو خيار التصعيد العسكري، لكن بما أنّ خوض حرب مباشرة مع الولايات المتّحدة أمر غير ممكن، يمكن حينها اللجوء الى التصعيد المتدرج. الغرض الأساسي من هذه السياسة رفع منسوب التوتر في المنطقة بشكل يقنع الأميركيين بأنّه اذا لم تتراجع واشنطن عن عقوباتها، فقد تكون سبباً في إشعال المنطقة. بمعنى آخر، تلجأ إيران الى سياسة حافة الهاوية لتقول إنّه بإمكانها أن ترفع التكاليف على الولايات المتّحدة وحلفائها، لكنّ أي خطأ في هذه السياسة قد يؤدي الى ما لا تحمد عقباه، اذ ليس هناك من ضمانات تمنع الرئيس الأميركي من أن يقرر القيام بضربات محدودة أو موسّعة، لا سيما انّ النظام لإيراني يقوم بشكل متزايد ومتسارع بمنحه الذرائع اللازمة للقيام بمثل هذا الأمر.
   ويؤكد ما تقدم وفق ما جرى في آخر جولة من التصعيد، فقد أعلن الحرس الثوري الإيراني عن اسقاط طائرة تجسس أميركية من دون طيار من طراز «غلوبال هوك»، فجر الخميس 20/6/2019، وذلك بعد اختراقها للأجواء الإيرانية، وفقا لبيان صادر عنها، في حين أكد مسؤولون أميركيون أن الطائرة الموجهة هي من طراز MQ-4C تابعة للبحرية الأميركية وجرى استهدافها من قبل الحرس الثوري في الأجواء الدولية واسقطت فوق مضيق هرمز. وتعد هذه التطورات المتسارعة أخيراً الى وجود نيّة إيرانية بتصعيد عسكري مباشر وغير مباشر عبر أذرعها العسكرية في المنطقة، على أن يبقى التصعيد ضمن الحدود التي توصل الرسالة الإيرانية من دون ان تعطي الولايات المتّحدة الذريعة الكافية لشن حرب ضد إيران كما يروى العديد من المحللين المتابعين.
   قدرة الولايات المتحدة على الرد الجزئي بعد الحادث الأخير واردة وكبيرة غير أن المتابع لتطور الأحداث يستطيع الوصول إلى نتيجة مفادها أن ترامب باعتبار كونه يفكر بطريقة تجارية تعود عليه بالربح دائما لا يخضع للاستدراج لذا حاول التهوين من شأن إسقاط الطائرة، فقد قلل الرئيس الأمريكي ترامب من شأن إسقاط طائرة مراقبة مسيرة عسكرية أمريكية يوم الخميس 20/6 وقال؛ إنه يشتبه في أنها أسقطت بالخطأ مشيرا إلى أن الأمر كان سيختلف كثيرا بالنسبة له لو كانت الطائرة مأهولة .وقال للصحفيين في البيت الأبيض؛  أعتقد أن إيران ارتكبت خطأ على الأرجح، وأتصور أن جنرالا أو شخصا ما ارتكب خطأ بإسقاط تلك الطائرة .وأضاف لدى لقائه مع رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو في المكتب البيضاوي _ كما ذكرت وكالات الأخبار_ لم يكن هناك شخص على متن تلك الطائرة المسيرة، كان الأمر سيختلف كثيرا… كان سيختلف كثيرا جدا جدا إذا كانت مأهولة”، وقال ترامب: من الصعب التصديق أن الأمر كان متعمدا إذا أردت معرفة الحقيقة أعتقد أنه ربما كان شخصا منفلتا وغبيا في ذلك اليوم، في إشارة لإسقاط الطائرة المسيرة.
      مع العلم أن حراك في الإدارة الأمريكية حدث بعد إسقاط الطائرة المسيرة يدل على وجود خلاف أو على الأقل عدم وجود اتفاق على سيناريو أمريكي محدد للرد، ومؤشرات ذلك تكمن في الآتي؛ قالت صحيفة “نيويورك تايمز” صبيحة 21/6/2019  إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب وافق على خطة لضرب أهداف إيرانية، ثم تراجع عن التنفيذ بشكل مفاجئ، وفي نفس اليوم  قامت سلطات ‏الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وأستراليا بإصدار أوامر لخطوطها الجوية المدنية بعدم التحليق فوق مضيق هرمز وفوق الأراضي الإيرانية. مع اعتبار أن تصريحات ترامب تؤكد على عدم جديته لخوض حرب بل تحقيق مفاوضات وفق الشروط الأمريكية الجديدة، لذا نجده يعلن في غالب تصريحاته أنه ليس هناك أي نوايا لإشعال حرب لا مكاسب من ورائها لكلا الطرفين، وأن أسلم الحلول هي اللجوء إلى مفاوضات تنتهي بتوصل الطرفين إلى قواسم مشتركة يتم التفاهم عليها بنسب ترضي الطرفين.
    مما تقدم ممكن أن نستنتج أن صراعا يدور في أروقة دولة الأمن القومي الأمريكي العميقة بين من يتبنى سيناريو التصعيد ومن يرفضه، ومؤشرات هذا الصراع واضحة وعديدة منها؛ انسحاب باتريك شاناهان وزير الدفاع بالوكالة من منصبه وطلبه بعدم المضي قدما في إجراءات المصادقة على توليه الوزارة .. مما يشير إلى خلاف ما .. رغم ما ذكر إعلاميا بأن السبب هو خلافه مع طليقته. وإعلان ترامب نيته بترشيح مارك أسبر وزيرا للدفاع وهو صاحب التاريخ الدموي في العراق. ومنها عودة ثعلب السياسة الأمريكية هنري كيسنجر للساحة وزيارته للبنتاغون في يومين متعاقبين .. مما يعني أن هناك مسألة ما تستدعي أن يقوم كيسنجر بنقاشها مع جنرالات البنتاغون سيما وأن الحدث هو زيارتان متعاقبتان لا زيارة واحدة، ويذهب البعض بأنه يحاول إقناع الجنرالات بأمر لا يستسيغونه، ومنها قيام وزير الخارجية الأمريكي بومبيو بزيارة ملفتة للقيادة العسكرية الوسطى في تامبا بفلوريدا .. وهو وزير خارجية لا دفاع، وهو بذلك قد تخطى وزير الدفاع ووصل للمرؤوسين الضباط حسب ما أعلن عن مناقشاته مع الجنرالات بأنها تمحورت حول مهمة الردع والدفاع ضد العدوان الإيراني والقوات الخاصة اللازمة لتنفيذ تلك المهمة.
   اليوم الولايات المتحدة الأمريكية باتت في موقف لا يحسد عليه، فعلى الرغم من كونها لا تسعى لأي حرب بل تسعى لإخضاع طهران إلى طاولة المفاوضات وفق الشروط الأمريكية وضمن المقاس الأمريكي التي تفسره إيران بأنه خضوع وخنوع لا ترضاه، نجدها في موقف حرج أمام التصعيد الإيراني المدروس بعناية، فلا بد لواشنطن أن تعيد هيبتها ومصداقيتها دون الانجرار إلى حرب لم تعد لها خطة مكتملة الأركان، وقد يكون ذلك عبر القيام بضربات محدودة التأثير لا تستدعي رد إيراني كبير، وهنا يفهم الإيرانيون نوايا واشنطن لذا تجدهم يصعدون ليحققوا ظروفا تناسبهم للدخول في مفاوضات تحفظ لهم اعتبارهم المهدور، لذا فإن المحصلة النهائية ستكون جلوس الطرفين على طاولة التفاوض، مع اعتبار حوادث وضربات قد تحصل للوصول لقناعة مشتركة بضرورة التفاوض ضمن الظروف الموضوعية المحيطة بهما، أما إذا صعدت إيران بقسوة خشية الانتفاضة الداخلية فقد تجر المنطقة إلى حرب طاحنة ستكون هي الخاسر الأكبر بها.