بغداد والبغادة… شيء من التاريخ.

د. مهند يوسف
مستشار مركز العراق الجديد
        في تاريخنا الحي مساحات مفقودة بل قد تكون مقبورة من قبل المؤرخين والباحثين، واحيانا يطلقون عليها الفترة المظلمة، وهي تلك السنوات الالف الماضية من عمر بغداد، وربما تكون السياسة او الصراع المذهبي بين المحمديين من اهل بغداد والرافضة على طول مدى هذا التاريخ احد اهم الاسباب التي جعلت تلك الفترات مظلمة لاهلنا هذا اليوم.
        ولكي نكون اقرب الى الموضوعية التاريخية في وصف تلك القرون الماضية دعونا نقرأ ماكتبه، من عاش في تلك الفترة ونقل الينا صورة بغداد كما هي لا كما نحب ان نسمع عنها او نراها، وربما سنصادف عندهم مصطلحات لم نعد اليوم متعودين عليها، وقد اندثرت وماتت رغم انها كانت معبرة عن مدلولاتها اكثر مما نستخدمه هذا اليوم، فالمحمديين مصطلح اطلق لقرون طويلة وحتى بداية القرن العشرين على اهل السنة والجماعة في العراق، ومصطلح الرافضة على الشيعة، وليس فيهما اي انتقاص لكليهما، بل ان مدلولاتهما متوافقة اكثر من المصطلحات الجديدة في وصفهما.
واول من نصادفه في وصف بغداد واهلها ابن جبير الاندلسي حيث وصـل بغداد في عـام 1184، في خـلافـة الـنّـاصـر لـدّيـن الله أحـمـد بـن الـحـسـن الـمـسـتـضئ بـأمـر الله، قادما مـن الـمـديـنـة إلى بـغـداد، حيث يقول: وكـنّـا سـمـعـنـا أنّ هـواء بـغـداد يـنـبـت الـسّـرور في الـقـلـب، ويـبـعـث الـنّـفـس دائـمـاً عـلى الانـبـسـاط والأنـس، فـلا تـكـاد تـجـد فـيـهـا إلّا جـذلان طـربـاً وإن كـان نـازح الـدّار مـغـتـربـاً. وكـتـب: نـفـحـتـنـا نـوافـح هـوائـهـا، ونـقـعـنـا الـغـلّـة بـبـرد مـائـهـا، وأحـسـسـنـا مـن نـفـوسـنـا، عـلى حـال وحـشـة الإغـتـراب دواعي مـن الإطـراب.
ومـع ذلـك وجـد هـذه الـمـديـنـة الـعـتـيـقـة قـد ذهـب أكـثـر رسـمـهـا، ولـم يـبـق مـنـهـا إلّا شـهـيـر اسـمـهـا … فـلا حـسـن فـيـهـا يـسـتـوقـف الـبـصـر إلّا دجـلـتـهـا الّـتي هي بـيـن شـرقـيـهـا وغـربـيـهـا مـنـهـا كـالـمـرآة الـمـجـلّـوة بـيـن صـفـحـتـيـن، أو الـعـقـد الـمـنـتـظـم بـيـن لـبّـتـيـن. فـأمّـا الـجـانـب الـغـربي فـقـد عـمّـه الـخـراب واسـتـولى عـلـيـه. وكـان الـمـعـمـور أوّلاً، وعـمـارة الـجـانـب الـشّـرقي مـحـدثـة.
وقـد أقـام ابـن جـبـيـر في الـجـانـب الـشّـرقي في مكان يـعـرف بـالـمـربّـعـة عـلى شـطّ دجـلـة لـمـقـربـة مـن الـجـسـر، حيث كـان هـذا الـجـسـر قـد حـمـلـتـه دجـلـة بـمـدّهـا الـسّـيـلي، فـعـاد الـنّـاس يـعـبـرون بـالـزّوارق. والـزّوارق فـيـهـا لا تـحـصى كـثـرة، فـالـنّـاس لـيـلاً ونـهـاراً مـن تـمـادي الـعـبـور فـيـهـا في نـزهـة مـتّـصـلـة رجـالاً ونـسـاءً. والـعـادة أن يـكـون لـهـا جـسـران، أحـدهـمـا مـمـا يـقـرب مـن دور الـخـلـيـفـة والآخـر فـوقـه لـكـثـرة الـنّـاس، والـعـبـور في الـزّوارق لا يـنـقـطـع مـنـهـا. وذكـر ابـن جُـبـيـر ان الـحـمـامـات فيها لا تـحـصى عـدة، وقد ذكر لنه أنّـهـا بـيـن الـشّـرقـيـة والـغـربـيـة نـحـو الألـفي حـمـام.
وأبـواب بغداد فللـشّـرقـيـة الرصافة أربـعـة أبـواب، بـاب الـسّـلـطـان، ثـمّ بـاب الـظّـفـريـة، ثـمّ يـلـيـه بـاب الـحـلـبـة، ثـمّ بـاب الـبـصـلـيـة. وهـذه الأبـواب في الـسّـور الـمـحـيـط بـهـا مـن أعـلى الـشّـط إلى أسـفـلـه. وهـو يـنـعـطـف عـلـيـهـا كـنـصـف دائـرة مـسـتـطـيـلـة. والـشّـرقـيـة فـهي الـيـوم دار الـخـلافـة. ودور الـخـلـيـفـة مـع آخـرهـا. ولأنّ جـمـيـع الـعـبـاسـيـيـن في تـلـك الـدّيـار مـعـتـقـلـون اعـتـقـالاً جـمـيـلاً لا يـخـرجـون ولا يـظـهـرون. ولـهـم الـمـرتـبـات الـقـائـمـة بـهـم. فالـخـلـيـفـة مـن تـلـك الـدّيـار جـزء كـبـيـر، قـد اتـخـذ فـيـهـا الـمـنـاظـر الـمـشـرفـة والـقـصـور الـرّائـقـة والـبـسـاتـيـن الأنـيـقـة .
ولـيـس لـه الـيـوم وزيـر، إنّـمـا لـه خـديـم يـعـرف بـنـائـب الـوزارة يـحـضـر الـدّيـوان الـمـحـتـوي عـلى أمـوال الـخـلافـة، وقـد يـظـهـر الـخـلـيـفـة في بـعـض الأحـيـان بـدجـلـة راكـبـاً في زورق. وقـد يـصـيـد في بـعـض الأوقـات في الـبـرّيـة. وظـهـوره تـعـمـيـة لأمـره عـلى الـعـامـة، فـلا يـزداد أمـره مـع تـلـك الـتّـعـمـيـة إلّا اشـتـهـاراً. وهـو يـحـبّ الـظّـهـور لـلـعـامـة، ويـؤثـر الـتّـحـبـب لـهـم. وهـو مـيـمـون الـنّـقـيـبـة عـنـدهـم. قـد اسـتـسـعـدوا بـأيّـامـه رخـاء وعـدلاً وطـيـب عـيـش. فـالـكـبـيـر والـصّـغـيـر مـنـهـم داعٍ لـه، ويقول ابن جبير أبـصـرنـا هـذا الـخـلـيـفـة بـالـجـانـب الـغـربي أمـام مـنـظـرتـه وقـد انـحـدر عـنـهـا صـاعـداً في الـزّورق إلى قـصـره بـأعـلى الـجـانـب الـشّـرقي عـلى الـشّـط : وهـو في فـتـاء مـن سـنّـه. أشـقـر الـلـحـيـة صـغـيـرهـا، حـسـن الـشّـكـل جـمـيـل الـمـنـظـر. أبـيـض الـلـون مـعـتـدل الـقـامـة، رائـق الـرّواء، سـنّـه نـحـو الـخـمـس وعـشـريـن سـنـة، لابـسـاً ثـوبـاً أبـيـض شـبـه الـقَـبـاء بـرسـوم ذهـب فـيـه، وعـلى رأسـه قـلـنـسـوة مـذهّـبـة مـطـوّقـة بـوبـر أسـود مـن الأوبـار الـغـالـيـة الـقـيـمـة، مـعـتـمـداً بـذلـك زيّ الأتـراك تـعـمـيـة لـشـأنـه، لـكـنّ الـشّـمـس لا تـخـفى وإن سـتـرت. وأبـصـرنـاه أيـضـاً عـشـيّ يـوم الأحـد بـعـده مـتـطـلـعـاً مـن مـنـظـرتـه الـمـذكـورة بـالـشّـطّ الـغـربي.
وأمّـا أهـل بـغـداد فـلا تـكـاد تـلـقى مـنـهـم إلّا مـن يـتـصـنّـع بـالـتّـواضـع ريـاء، ويـذهـب بـنـفـسـه عـجـبـاً وكـبـريـاء…يـزدرون الـغـربـاء، ويـظـهـرون لـمـن دونـهـم الأنـفـة والإبـاء، ويـسـتـصـغـرون عـمّـن سـواهـم الأحـاديـث والأنـبـاء… قـد تـصـوّر كـلّ مـنـهـم في مـعـتـقَـده وخـلـده أنّ الـوجـود كـلّـه يـصـغـر بـالإضـافـة إلى بـلـده، فـهـم لا يـسـتـكـرمـون في مـعـمـور الـبـسـيـطـة مـثـوى غـيـر مـثـواهـم، كـأنّـهـم لا يـعـتـقـدون أنّ لله بـلاداً أو عـبـاداً سـواهـم…يـسـحـبـون أذيـالـهـم أشـراً وبـطـراً، ولا يـغـيّـرون في ذات الله مـنـكـراً…يـظـنـون أنّ أسـنى الـفـخـار في سـحـب الإزار، ولا يـعـلـمـون أنّ فـضـلـه، بـمـقـتـضى الـحـديـث الـمـأثـور، في الـنّـار… يـتـبـايـعـون بـيـنـهـم بـالـذّهـب قـرضـاً، ومـا مـنـهـم مـن يـحـسـن لله فـرضـاً، فـلا نـفـقـة فـيـهـا إلّا مـن ديـنـار تـقـرضـه وعـلى يـدي مُـخـسِـر لـلـمـيـزان تـعـرضـه… لا تـكـاد تـظـفـر مـن خـواصّ أهـلـهـا بـالـورع الـعـفـيـف، ولا تـقـع مـن أهـل مـوازيـنـهـا ومـكـايـيـلـهـا إلّا عـلى مـن ثـبـت لـه الـويـل في سـورة الـتّـطـفـيـف. لا يـبـالـون في ذلـك بـعـيـب، كـأنّـهـم مـن بـقـايـا مـديـن قـوم الـنّـبي شُـعـيـب… الـغـريـب فـيـهـم مـعـدوم الإرفـاق، مـتـضـاعـف الإنـفـاق، لا يـجـد مـن أهـلـهـا إلّا مـن يـعـامـلـه بـنـفـاق، أو يـهـشّ إلـيـه هـشـاشـة انـتـفـاع واسـتـرزاق… كـأنّـهـم مـن الـتـزام هـذه الـخـلّـة الـقـبـيـحـة عـلى شـرط اصـطـلاح بـيـنـهـم واتّـفـاق. فـسـوء مـعـاشـرة أبـنـائـهـا يـغـلـب عـلى طـبـع هـوائـهـا ومـائـهـا، ويـعـلـل حـسـن الـمـسـمـوع مـن أحـاديـثـهـا وأنـبـائـهـا، أسـتـغـفـر الله إلّا فـقـهـاءهـم الـمُـحـدّثـيـن ووعـاظـهـم الـمـذكّـريـن…
وكان من أهـمّ مـا يـجـذب الإنـظـار ويـسـحـرهـا في كـلّ مـدننا في الـشـرق كما يصفها الرحالة الغربيين اننا نـرى أنـاسـاً في بغداد مـن كـلّ الأنـواع والأجـنـاس فالـتّركي المتكبر، والـعـربي الـرّزيـن، والـبـدوي الـسّـلاب الـنّـهّـاب، والـكـردي المـفـتـرس، والـفـارسي العجمي الـمـبـتـهـج، والـيـهـودي الـمـغـتـم، والـمـسـيـحي الـمـتـعـقـل، والـهـنـدي الـوقـور، والأفـريـقي المبتسم.
وكـتـب ماركو بولو عـن سقوط بـغـداد في الـفـصـل الـسّـادس عـشـر مـن كـتـابـه  وفي ذلـك الـجـزء مـن الـعـالـم مـديـنـة عـظـيـمـة تـدعى  بـغـداد، اخـتـارهـا مـقـرّاً لـحـكـمـه كـبـيـر الـسّـرزانـيـيـن، الّـذي يـسـمـونـه خـلـيـفة  ولا نـجـد مـديـنـة أجـمـل مـنـهـا في تـلـك الـمـنـاطـق. وتـصـنـع فـيـهـا أقـمـشـة مـن الـحـريـر وخـيـوط الـذّهـب بـطـرق مـتـنـوّعـة. ففي عـام 1250، ضـرب هـولاكـو كـبـيـر الـتّـتـار، الـحـصـار أمـام هـذه الـمـديـنـة، واشـتـدّ في حـصـارهـا حـتّى سـقـطـت تـحـت ضـربـاتـه. وكـان في الـمـديـنـة أكـثـر مـن مـائـة ألـف مـقـاتـل هـزمـهـم هـولاكـو.
وكـان لـلـخـلـيـفـة،سـلـطـان الـمـديـنـة، بـرج مـلئ بـالـذّهـب والـفـضّـة والـجـواهـر وثـروات أخـرى لا تـقـدّر قـيـمـتـهـا. ولـكـنّـه بـدلاً مـن أن يـنـفـق مـنـهـا عـلى جـنـوده، كـان يـكـتـنـزهـا لـنـفـسـه، وسـبـب بـخـلـه ضـيـاع مـديـنـتـه مـنـه.
وبـعـد أن دخـل هـولاكـو الـمـديـنـة، أمـر بـحـبـس الـخـلـيـفـة في بـرجـه الّـذي يـحـفـظ فـيـه كـنـوزه، وأمـر أن لا يـعـطى لـه طـعـام ولا مـاء، وقـال لـه لـو لـم يـدفـعـك بـخـلـك إلى الإحـتـفـاظ  بـكـنـزك لـك وحـدك لاسـتـطـعـت أن تـسـلـم وتـحـتـفـظ بـمـديـنـتـك. لـتـنـعـم الآن بـه عـلى هـواك، كُـلْ مـنـه واشـربْ إن اسـتـطـعـت  مـا دام هـذا أكـثـر مـا تـحـبّ.  وهـكـذا مـات هـذا الـبـائـس بـيـن كـنـوزه. حيث أذاب الـتّـتـار الـذّهـب وصـبّـوه وهـو يـغـلي في حـلـقـومـه قـائـلـيـن لـه إن لـم يـكـن قـلـبـكَ قـد شـبـع مـن الـذّهـب فـهـا سـتـتـشـبّـع بـه، وهـكـذا قـتـلـوا الـخـلـيـفـة، وعـادوا إلى وسـط الـمـديـنـة واسـتـمـرّوا أربـعـيـن يـومـاً يـقـتـلـون ويـمـيـتـون بأهـل بـغـداد.
وعـنـدمـا خـرج الـتّـتـار لـغـزو الـبـلاد كـان فـيـهـا كـثـيـر مـن الـمـسـيـحـيـيـن والمحمديين. وكـانـت أوامـر الـخـان هـولاكـو أن لا يـدخـل الـتّـتـار في دور الـمـسـيـحـيـيـن وأن لا يـؤذوهـم، وأن يـقـتـلـوا مـن أمـسـكـوا بـه مـن المحمديين. ودعـا الـمـسـيـحـيـون جـيـرانـهـم المحمديين أن يـلـتـجـئـوا عـنـدهـم، تـدفـعـهـم لـذلـك الـشّـفـقـة بـهـم، وعـنـدمـا سـمـع الـخـان بـالأمـر أمـر أن يـقـتـلـوا جـمـيـعـاً.
ثم يكتب يـوهـانـس شِــلـتـبـيـرجـر واحـد مـن أقـدم وأهـم مـا كـتـبـه الأوربـيـون عـن بغداد وواحـدة مـن أعـجـب الـقـصـص، في نـهـايـة الـقـرن الـرّابـع عـشـر وبـدايـة الـقـرن الـخـامـس عـشـر، حين وصـل إلى بـغـداد، الّـتي يـسـمـيـهـا بـابـل الـجـديـدة.
حيث يقول ان تـيـمـورلنك احتل بـغـداد في 1393، ثـمّ ثـار عـلـيـه أهـلـهـا، فـعـاد إلـيـهـا في 1401 وخـرّبـهـا. ويقول ذهـبـت إلى بغداد في ذلك الوقت وقـد رأيـت هـذه الـجـنـيـنـة، وقـرب الـنّـهـر تـنـمـو شـجـرة فـاكـهـة تـدعى الـتّـمـر، ولا يـمـكـن لأحـد جـني الـثّـمـار حـتّى تـأتي الـلـقـالـق وتـبـعـد عـنـهـا الـثّـعـابـيـن الّـتي تـعـيـش تـحـتـهـا وفـي داخـلـهـا، ولـهـذا الـسّـبـب لا يـسـتـطـيـع أحـد جـني هـذه الـثّـمـار الّـتي تـنـضـج مـرتـيـن في الـعـام.
والـنّـاس من أهـل بـغـداد مـسـالـمـيـن لا يـحـبّـون الـحـرب في هـذه الـمـمـلـكـة، فـقـد كـان غـنـاهـا يـأتـيـهـا مـن أصـحـاب الـصّـنـائـع والـتّـجـار، وقـد سـكـنـهـا كـثـيـر مـن الـفـرس إلى جـانـب الـعـرب .
ثم يحدثنا عن بغداد عـدد مـن الـتّـجّـار الإنـكـلـيـز غادروا لـنـدن في 1583 مـتّـجـهـيـن نـحـو الـشّـرق، وكـانـوا سـتّـة جـون نـيـوبـري وورالـف فـيـتـش وولـيـام لـيـدز ووجـون إلـدريـد وولـيـام بـيـتـس وولـيـام شـالـس، حيث أقـامـوا في بغداد وهي لـيـسـت مـديـنـة كـبـيـرة، ولـكـنّـهـا كـثـيـرة الـسّـكّـان، وتـخـرج قـوافـل كـثـيـرة، وتـأتـيـهـا كـثـيـر مـن الـسّـلـع عـلى أكـلاك مـن جـلـود مـاعـز مـنـفـوخـة، وتـحـمّـل عـلـيـهـا الـبـضـائـع. وعـنـدمـا تـصـل وتـنـزل مـنـهـا الـبـضـائـع تـفـرغ الـقـرب الـمـنـفـوخـة مـن الـهـواء، وتـحـمّـل عـلى ظـهـورالـجـمـال إلى أرمـيـنـيـا لـتـسـتـعـمـل مـن جـديـد. وكـانـت بـغـداد تـخـضـع لـبـلاد الـفـرس ولـكـنّـهـا الآن تـحـت سـيـطـرة الأتـراك.
ومـديـنـة بـغـداد امـتـدادهـا حـوالي مـيـلـيـن إنـكـلـيـزيـيـن، وسـكـانـهـا يـتـكـلّـمـون اعـتـيـاديـاً ثـلاث لـغـات الـفـارسـيـة والـعـربـيـة والـتّـركـيـة. وبـشـرات الـنّـاس مـثـل بـشـرات الإسـبـان، وتـضـع الـنّـسـاء في أحـد مـنـاخـيـر أنـوفـهـنّ حـلـقـة تـشـبـه حـلـقـة الـخـطّـبـة والـزّواج، ولـكـنّـهـا أوسـع عـلـيـهـا لـؤلـؤة أو خـرزة فـيـروزيـة، وبـهـذا يـتـجـنـبـن الـوقـوع في الـفـقـرالـمـدقـع.
ثم يحدثنا جـان بـاتـسـت تـافـرنـيـيـه عن رحـلتـة الـرابـعـة إلى الـشّـرق والتي وصـل فيها الى بـغـداد في 25 شـبـاط 1651. وصـلـنـا إلى بـغـداد، والّـتي اعـتـدنـا  أن نـسـمـيـهـا أيـضـاً بـابـل. ويـفـتـحـون أبـوابـهـا في حـدود الـسّـادسـة صـبـاحـاً، وأمـامـهـا رجـال الـجـمـارك لـيـفـتـشـوا بـضـائـع الـتّـجّـار، وحـتّى أجـسـامـهـم. وإن لـم يـجـدوا شـيـئـاً مـعـهـم يـتـركـونـهـم يـدخـلـون. ولـكـن إذا كان مـعـهـم مـا يـسـتـوجـب الـدّفـع عـلـيـه أخـذوهـم إلى مـكـتـب لـيسـجـلّـوا مـا يـمـلـكـون ثـمّ يـتـركـونـهـم  يـذهـبـون لـحـال سـبـيـلهـم، وكـلّ هـذا يـجـري حـسـب تـنـظـيـم وتـرتـيـب وبـدون ضـجّـة.
حـال بـغـداد الآن ويـسـمـونهـا اليوم دارالـسّـني، قـد صـار مـنـذ فـتـرة طويـلـة مـيـدانـاً لـلـصّـراع بـيـن الـفـرس والأتـراك. وطـول الـمـديـنـة حـوالي ألـف وخـمـس مـائـة قـدم وعـرضـهـا سـبـع أو ثـمـاني مـائـة. ولا يـمـكـن أن يـكـون مـحـيـطـهـا أكـثـر مـن ثـلاثـة آلاف قـدم. أسـوارهـا كـلّـهـا مـن الـطّـابـوق عـلـيـهـا سـطـوح في بـعـض الأمـاكـن وفـيهـا أبـراج ضـخـمـة عـلى شـكـل حـصـون. وعـلى كـلّ أبـراجـهـا حـوالي سـتـيـن مـدفـع ، أكـبـرهـا لا يـمـكـن أن يـطـلـق قـذيـفـة أثـقـل مـن خـمـسة أرطـال أو سـتّـة. وخـنـادقـهـا عـريـضـة عـمـقـهـا خـمـس قـامـات أو ســتّ. ولـيـس لـهـا إلّا أربـع بـوابـات : ثـلاثـة مـن جـهـة الـبـر، وواحـدة مـن جـهـة الـنّـهـر، يـعـبـر إلـيهـا عـلى جـسـر ثـبّـت عـلى قـوارب يـبـعـد الـواحـد مـنـهـا عـن الآخـر بـعـرض قـارب.
أمّـا الـقـصـر فـهـو في الـمـديـنـة قـرب إحـدى الـبـوابـات الـمـسـمـاة بـالـمـازان مـن جـهـة الـشّــمـال. وجـزء مـنـه شــيّـد فـوق الـنّـهـر، يـحـيـطـه حـائـط  في بـعـض أمـاكـنـه سـطـوح  وأبـراج صغـيـرة عـلـيـهـا حـوالي مـائـة وخـمـسـيـن مـدفـعـاً صغـيـراً لا مـسـانـد لـهـا. وخـنـدقـه ضـيّـق، ولا يـتـجاوز عـمـقـه قـامـتـيـن أو ثـلاث. وحـامـتـيـه ثـلاثـمـائـة انـكـشـاري يـرأسـهـم أغـا. والـمـديـنـة يـحـكـمـهـا بـاشـا يـكـون عـادة وزيـراً. وداره بـمـحـاذاة الـنّـهـر مـهـيـبـة الـمـظهـر، ولـديـه سـتّـمـائـة أو سـبـعـمـائـة فـارس دائـمـو الإسـتـعـداد. وهـنـاك أيـضـاً أغـا يـتـرأس ثـلاثـمـائـة أوأربـعـمـائـة  صـفـاهي. ولـديـهـم نـوع مـن الـفـرسـان يـسـمـونـهـم جـنـغـلي، يـرأسـهـم أغـوان اثـنـان. وهـم عـادة ثـلاثـة آلاف ســواء في الـمـديـنـة أو في الـقـرى الـمـحـيـطـة. ومـفـاتـيـح أبـواب الـمـديـنـة والـجـسـر في يـد أغـا لـديـه مـائـتي انـكـشـاري تـحـت أوامـره. وهـنـاك أخـيـراً ســتّـمـائـة مـن الـمـشـاة عـلى رأسـهـم أغـا خـاص بـهـم، وحـوالي سـتـيـن مـدفـعـيـاً عـلى رأسـهـم رجـل حـاذق يـدعى سـنـيـور مـيـكـائـيـل، يـعـتـبـرونـه  إفـرنـجـيـاً مـع أنّـه ولـد في جـزيـرة كـريـت. وقـد ارتـبـط  بـالـسّـلـطـان مـراد عـنـدمـا جـاء لـيـحـاصـر بـغـداد في  1638.  وقـد حـالـفـه الـحـظ  واسـتـولى عـلـيـهـا بـسـرعـة، ولـكـن ذلـك لـم يـكـن بـفـضـل الـثّـغـرة الّتي فـتـحـتـهـا مـدافـع الـسّـنـيـور مـيـكـائـيـل، بـل بـسـبـب الـتّـمـرّد الّـذي انـدلـع في نـفس الـوقـت في الـمـديـنـة.
حيث كـان الـخـان الّـذي قـاوم الـحـصـار مـن أصـل أرمـني، واسـمـه صـفي خـولي خـان، وكـان يـحـكـم الـمـديـنـة مـنـذ فـتـرة طـويـلـة، ودافـع عـنـهـا مـرتـيـن قـبـل ذلـك ضـدّ جـيـش الأتـراك الـذّيـن لـم  يـسـتـطـيـعـوا فـتـحـهـا. ولـكـنّ مـلـك الـفـرس بـعـث أحـد رجـال حـاشـيـتـه لـيـحـلّ مـحـلـه، ودخـل الـمـديـنـة قـبـل أن تـفـتـح الـمـدافـع الـثّـغـرة في الأسـوار.  وعـنـدمـا رأى الـخـان الـعـجـوز رسـائـل اعـتـمـاد الـقـادم الـجـديـد فـضّـل أن يـمـوت عـلى أنّ يـتـحـمّـل عـار الـعـزل. وبـمـحـضـر مـن ضـبّـاطـه وجـنـوده، إسـتـدعى زوجـتـه وابـنـه. وأخـذ ثـلاث كـؤوس مـلـيـئـة سـمّـاً، وقـال لـزّوجـتـه إنّـهـا إن كـانـت تـحـبّـه فـسـتـثـبـتـه لـه بـقـبـولـهـا الـمـوت مـعـه. وقال نـفـس الـشّـئ لابـنـه. وابـتـلع الـثّـلاثـة وفي نـفـس الـوقـت كـؤوسـهـم وسـقـطـوا مـوتى.
وعـنـدما رأى الـجـنـود، الّـذيـن كانـوا يـحـبّـون حـاكـمهـم هـذا الـمـشـهـد الـفـظـيـع، وكـانـوا يـعـرفـون أنّ الـسّــلطـان الـعـثـمـاني يـسـتـعـدّ لـلـهـجـوم  وأنّ الـثّـغـرة في الـسّـور تـوسّـعـت، أعـلـنـوا عـصـيـانـهـم عـلى الـخـان الـجـديـد وثـاروا ضـدّه. وتـفـاوضـوا مـع الأتـراك عـلى أن يـتـركـوهـم يـخـرجـون بـأسـلـحـتـهـم وأمـتـعـتـهـم. فـلمـا دخـل الأتـراك الـمـديـنـة قتلوا كـلّ جـنـودهـا وكانـوا اثـنـيـن وعـشـريـن ألـفـاً لـيُـضعـفوا بـذلـك عـزة مـلـك الـفـرس.
أمّـا عـن حـكـومـة بـغـداد الـمـدنـيـة، فـلـيـس فـيهـا إلّا قـاضي أو رئـيـس يـقـوم بـكـلّ الـمهـمّـات، وحـتّى وظـيـفـة الـمـفـتي. ومـعـه شــيـخ الإسـلام   أو دفـتـردار  يـجـبي الضّـرائـب والـمـكـوس لـلـسّـلـطـان. وفي بـغـداد خـمـسـة مـسـاجـد، إثـنـان مـنـهـا عـلى شـئ مـن الـجـمـال تـزيـنـهـمـا قـبـاب ضـخـمـة يـغـطـيـهـا آجـر مـزجـج بـألـوان مـخـتـلـفـة. وفـيـهـا عـشـرة خـانـات لـلـتّـجّـار رديـئـة الـبـنـاء، والـمـديـنـة عـمـومـاً رديـئـة الـبـنـاء ، ولا نـجـد فـيـهـا مـن جـيّـد الـمـبـاني إلّا الأســواق الـتّـامّـة الـتّـسـقـيـف، ولـولا هـذه الـسّـقـوف لـمـا اسـتـطاع الـتّـجار الـبـقـاء فـيـها لـشـدّة الـحـرارة. ويـنـبـغي أن تـرشّ بـالـماء مـرتـيـن أو ثـلاثـة في الـنّـهـار، وهـذا مـا يـفـعـلـه عـدد مـن الـفـقـراء يـدفـع لـهـم أجـر عـلـيـه.
والـمـديـنـة كـثـيـرة الـتّـجـارة، ولـكـن لـيـس بـالـقـدر الّـذي كـانـت عـلـيـه في تـبـعـيـتـهـا لـمـلـك الـفـرس، فـعـنـدمـا أخـذهـا الأتـراك قـتـل كـثـيـر مـن أغـنـيـاء تـجّـارهـا. والـنّـاس يـأتـون إلـيـهـا مـن كـلّ الـجـهـات، إمّـا لـلـبـيـع والـشّــراء وإمّـا لـلـتّـعـبّـد. وكـلّ الّـذيـن يـتـبـعـون مـلّـة عـلي يـعـتـقـدون أنّـه أقـام في بـغـداد. وعـنـدما يـعـزمـون عـلى الـذّهـاب إلى مـكّـة عـن طـريـق الـبـرّ يـجـب عـلـيـهـم أن يـمـرّوا بـهـا، ويـدفـع كـلّ حـاج أربـع دراهـم لـلـبـاشـا.
ويذكـر أن الـمـحـمّـديـيـن في بـغـداد عـلى نـوعـيـن نـوع يـسـمـونهـم الـرّافـضـيّـة أي الـخـارجـيـن عـلى الـمـلّـة ، والآخـرون الـذّيـن يـسـمـونـهـم أصـحـاب الـسّـنـة، والّـذيـن هـم عـلى نـفـس طـريـقـة الـقـسـطـنـطـيـنـيـة في أمـور الـدّيـن. والـرّافـضـيـة لا يـقـبـلـون الأكـل والـشّـرب مـع  الـمـسـيـحـيـيـن إطـلاقـاً، وهـم لا يـقـبـلـون أن يـفـعـلـوا ذلـك مع الـمـحـمّـديـيـن الآخـريـن إلّا بـصـعـوبـة شـديـدة. وإن حـدث أن شـربـوا مـعـهـم مـن نـفـس الـطّـاسـة، فـهـم يـذهـبـون حالاً لـيـغـتـسلـوا، لاعـتـقـادهـم بـأنّـهـم أنـجـاس. أمّـا الـمـحـمّـديـون الآخـرون فـهـم لـيـسـوا بـهـذا الـتّـزمـت، ويـأكلـون ويـشـربـون مـع كـلّ الـنّـاس مـن غـيـر تـفـريـق.
وفي سـنـة 1639، بـعـد أن أخـذ الـسّـلـطان الـعـثـمـاني بـغـداد، حدث ان لـم يـقـبـل أحـد من الـرّافـضـة السقاة أن يـسـقي يهـوديـاً طـلـب مـنـه الـمـاء في الـسّـوق، بـل شـتـمـه. وذهـب الـيهـودي يـشـكـوه إلى الـقـاضي الّـذي بـعـث حـالاً بـمـن يـأتي لـه بـه مـع قـربـتـه وطـاسـتـه. ولـمـا وقـف الـسّـقّـاء بـيـن يـدي الـقـاضي، أخـذ مـنـه الـقـاضي طـاسـتـه وسـقى بـهـا الـيـهـودي ثـمّ شـرب مـنهـا هـو نـفـسـه، وأمـر بـجـلـد الـسّـقـاء وهـو يـوبـخـه بـأنـنـا كـلـنّا مـخلـوقـات الله، الـمـسـلـم  كـالـمـسـيـحي والـيـهـودي. وهـذا يـمـنـعـهـم الآن مـن إظـهـار احـتـقـارهـم  رغـم كـثـرة أعـدادهـم.
وحـداد اهل بغداد عـلى الـمـوتى، فـعـنـدما يـمـوت رجـل، تـنـزع امـرأتـه فـوطـتـهـا وتـتـرك شـعـرها مـنـثـوراً، وتـسـوّد وجـهـهـا بـسـخـام قـدر حـرقـتـه الـنّـار، ثـمّ تـشـرع بـالـوثـب والـتّـقـافـز، ويـجـتـمـع كـلّ الأهـل والأصـدقـاء والـجـيـران في دار الـفـقـيـد ويـنـسـحـبـون جـانـبـاً في انـتـظـار الـتّـشـيـيع، ولـكـنّ الـنّـسـاء بـيـنـهـنّ يـقـمـن بـحـركـات الـقـردة حيث يـلـطـمـن وجـوهـهـنّ ويـصـرخـن كالـمـعـتـوهـات، ثـمّ يـشــرعـن فـجـأة في الـرّقـص عـلى أصـوات دنـابـك تـشـبـه دنـابـك الـبـشـكـش تـضـرب عـلـيـهـا نـسـاء لـمـدة ربـع سـاعـة. وبـيـنـهـنّ واحـدة تـرفـع صـوتـهـا بـأنـغـام مـفـجـعـة وتـجـيـبـهـا الأخـريـات وهـنّ يـبـالـغـن في الـصّـراخ، حـتّى يـمـكـن أن يُـسـمـعـن مـن بـعـيـد. وعـنـدهـا يـسـتـحـيـل الـتّـخـفـيـف عـن حـزن أطـفـال الـمـيّـت  لأنّـهـم يـهـتـاجـون و يـفـقـدون الـتّـحـكـم بـعـواطـفـهـم  ولا يـصـغـون لأحـد. وهـم مـجـبـرون عـلى أن يـتـصـرفـوا بـهـذه الـطّريـقـة لـكي لا يـوبـخـهـم الـنّـاس بـقـلّـة مـحـبـتـهـم لأبـيـهـم.
وعـنـدمـا يـنـزلـون الـتّـابـوت في الـقـبـر، يـجـتـمـع حـولـهـم أسـراب مـن الـفـقـراء يـحـمـلـون رايـات وأهـلّـة ثـبـتـوهـا فـوق قـضـبـان طـويـلـة يـحـمـلـونـهـا مـثـل رمـاح، ويـنـشــدون سـائـريـن أنـغـامـاً مـأتـمـيـة.  ولا تـحـضـر الـنّـسـاء الـدّفـن، لأنـهـنّ لا يـسـتـطعـن الـخـروج مـن دورهـنّ إلّا في أيّـام الـخـمـيـس، الّـتي يـذهـبـن فـيهـا إلى الـمـقـابـر لـلـدّعـاء عـلى الـقـبـور. ولأن ّالـرّجـل، حـسـب ديـنـهـم، مـجـبـر عـلى مـبـاضعـة زوجـتـه، وخـاصـة لـيـلـة الـخـمـيـس، فـالـنّـسـاء يـذهـبـن أيـضـاً إلى الـحـمّـام  يـوم الـجـمـعـة للإغـتـسـال، ويـلـقـيـن بـكـثـيـر مـن الـمـاء والـعـطور عـلى أجـسـادهـنّ وعـلى رؤوسـهـنّ.  ويـسـتـطعـن الـخـروج أيـضـاً عـنـدما يـسـمـح الـرّجـل لـهـنّ بـالـذّهـاب لـزيـارة الأهـل. وعـنـدمـا يـخـرجـن إلى الـمـديـنـة يـتـلـحفن بـما يـشــبـه الـكـفـن من الـرأس إلى الـقـدمـيـن، لـيـس فـيـه إلّا ثـقـبـيـن أمـام الـعـيـنـيـن لـيـريـن طـريـقـهـنّ. ولا يـمـكـن أن يـتـعـرف أحـد عـلى امـرأة تـحـت هـذا الـغـطاء ولا حـتّى زوجـهـا لـو لاقـاهـا في الـطّريـق.
ونـسـاء بـغـداد بـاهـرات الـمـلـبـس،عـلى طـريـقـتـهـنّ وعـلى طـراز بـلـدهـنّ. ولـكـن لـو كـنّ في بـلـدنـا لـظهـرن لـنـا مـضـحـكـات، فهـنّ لا يـكـتـفـيـن بـالـذّهـب والـمـجـوهـرات في الأسـورة والأقـراط بـل يـحـطـن بـهـا وجـوهـهـنّ ويـثـقـبـن خـنّـافـة أنـوفـهـنّ لـيـضعـن فـيهـا حـلـقـاً. ونـسـاء الـعـرب يـكـتـفـيـن بـثـقـب مـا بـيـن الـمـنـخريـن ويـمـررن فـيـهـا حـلـقـة مـن الـذّهـب قـطـرهـا قـطـر أنـبـوب ريـشـة الـطّـائـر مـفـرغـة لـتـكـون خـفـيـفـة ولـلإقـتـصاد في الـذّهـب. وفـوق ذلـك، ولـزيـادة حـسـنهـنّ، فهـنّ يـسـوّدن مـا حـول أعـيـنـهـنّ بـسـواد خـاص. والـرّجـال مـثـل الـنّـسـاء يـضـعـون مـنـه في أعـيـنـهـم في الـبـوادي، لـيـحـمـيـهـا مـن لـهـب الـشّـمـس.
والـمـسـيـحـيـون الّـذيـن يـسـكـنـون بـغـداد عـلى ثـلاثـة أصنـاف الـنّـسـاطـرة، ولهـم كـنـيـسـتهـم، والأرمـن والـيـعـاقـبـة الّـذيـن لـيـس لـهـم كـنـيـسـة، والّـذيـن يـأتـون عـنـد الآبـاء الـكـبـوشـيـيـن لـتـنـاول الـقـربـان الـمـقـدّس. وغـالـبـاً مـا يـذهـب الـمـسـيـحـيـون لـلـتّـعـبـد في مـصـلّى كُـرّس لـقـدّيـس يـسـمـونـه خـضـر إلـيـاس عـلى بـعـد ربـع فـرسـخ مـن الـمـديـنـة. ولـكي يـدخـلـوه فـهـم يـدفـعـون مـبـلـغـاً ضـئـيـلاً لـلأتـراك الّـذيـن يـحـتـفـظـون بـمـفـاتـيـحـه.
وإذا مـات المـسـيـحيّ جـاء الآخـرون لـتـشـيـيـعـه، وعـنـدمـا يـعـودون يـجـدون أكـلاً جـاهـزاً في دار الـفـقـيـد. ويـعـودون في الـغـد إلى قـبـره لـلـدعـاء لـه، وكـذلـك في الـيـوم الـثّـالـث الّـذي يـعـدّون فـيـه الـعـشـاء لـكـلّ مـن يـأتي عـنـدهـم. وتـصـل أعـدادهـم في بـعـض الأحـيـان إلى مـائـة أو مـائـة وخـمـسـيـن شـخـصـاً. ويـكـررون الـمـأتـم في الـيـوم الـسّـابـع والـخـامـس عـشـر والـثّـلاثـيـن والأربـعـيـن لـشـدّة إكـرامهـم لـلـمـوتى. وكـثـيـراً مـا يـدعـون لـهـم بـحـسـن الـثّـواب. وعـادة الإطـعـام هـذه تـضـرّ بـالـفـقـراء، لأنّـهـم في رغـبـتهـم بـأن يـقـلـدوا الأغـنـيـاء ، وعـدم قـدرتـهـم عـلى ذلـك يـسـتـديـنـون كـثـيـراً، ثـمّ لا يـسـتـطيـعـون تـسـديـد ديـونهـم فـيـضـطـرون لـبـيـع أطـفـالـهـم لـلأتـراك.
وفي بـغـدات أيـضـاً يـهـود ويـأتـيـهـا كـلّ عـام كـثـيـر مـنهـم لـلـتّـعـبّـد وزيـارة قـبـر الـنّـبي حـزقـيـل. وهـو عـلى بـعـد مـسـيـرة نـهـار ونـصـف مـن الـمـديـنـة.
ومـنـذ أن اسـتـولى الـسّـلـطـان مـراد عـلى الـمـديـنـة لـم يـتـجـاوز عـدد سـكـانـهـا خـمـسة عـشـر ألـفـاً وهـو قـلـيـل لـمـديـنـة بـسـعـتـهـا.
اما رحـلـة الـرّسّـام الـفـرنـسي أوجـيـن فـلانـدان الى بـغـداد الّـتي وصـلهـا في عـام 1841، فيصف بـغـداد ويـتـكـلّـم عـن مـسـاجـدها فيقول: ومـن أجـمـلـهـا جـامـع الـمـيـدان الّـذي يـغـطـيـه بـكـامـلـه آجـر مـزجـج تـتـشـابـك زخـارفـه بـأشـكـال رائـعـة وبـألـوان زاهـيـة. وهـو يـهـيـمـن عـلى سـاحـة الـمـيـدان الـواسـعـة الّـتي تـنـفـتـح عـلـيـهـا مـقـاهٍ ودكـاكـيـن وخـانـات مـسـافـريـن، والّـتي تـمـتـلئ مـنـذ الـصّـبـاح الـبـاكـر بأعـراب يـحـتـلّـونـهـا لـبـيـع بـطـيـخـهـم الأصـفـر وبـطـيـخـهـم الـسّـنـدي ودجـاجـهـم وأنـواع أخـرى مـمـا يـربّـون ويـجـنـون. وهي أيـضـاً مـحـطّـة وصـول قـوافـل الـشّـمـال أو مـغـادرتـهـا. وفـيـهـا تـنـزّل حـمـولات الـجـمـال في انـتـظـار الـقـوافـل الّـتي تـوصـلـهـا إلى آسـيـا الـصّـغـرى.
ونـجـد مـن جـهـتي الـنّـهـر مـقـاهي تـنـفـتـح طـارمـاتـهـا عـلـيـه يـجـلـس فـيـهـا بـغـداديـون يـدخـنـون في نـارجـيـلات أنـيـقـة أفـضـل أنـواع تـبـغ الـشّـرق وهـم يـحـتـسـون أحـسـن أنـواع القـهـوة. وتـمـتـد أنـظـار الـجـالـس في الـمـقـهى عـبـر الـنّـهـر نـحـو الـصّـوب الـمـقـابـل.
اما الـفـرنـسـيـة جَـيـن ديـولافـوا الّـتي وصـلت إلى بـغـداد في عـام 1879 فتحدثنا عن بغداد انها مـديـنـة مـيّـتـة لا حـركـة فـيـهـا في الـنّـهـار ولـكـنّـهـا تـعـود إلى الـحـيـاة في الـمـغـرب، فـتـجـتـمـع الـنّـسـاء ويـتـزاورن مـتـنـقـلات مـن سـطـح إلى سـطـح، ويـقـضـيـن الـلـيـل في الـثّـرثـرة وهـنّ يـدخـنّ ويـشـربـن الـشـربـت . وهـنّ مـجـبـرات، لـيـتـحـاشـيـن الـبـعـوض، عـلى إطـفـاء الأضـواء والـبـقـاء في الـظـلام. ويـجـبـرهـنّ فـصـل الـقـيـظ عـلى فـراغ مـمـل. ويـنـزل الـجـمـيـع في الـفـجـر إلى الـسّـرداب لـيـقـضـوا الـنّـهـار في خـمـود وركـود يـصـيـبـان حـتّى أنـشـط الـنّـاس مـنـهـم.
وعـنـدمـا يـحـلّ الـبـرد يـصـعـد الـنّـاس إلى غـرف الـطّـابـق الأوّل، ورغـم أنّـهـم يـوقـدون الـنّـار في الـمـواقـد فـهـم يـظـلـون يـرتـجـفـون مـن شـدّة الـبـرد وخـاصـة بـعـد أن أضـعـفـتـهـم شـدّة الـحـرّ واسـتـنـزفـت حـيـويـتـهـم.
ولـيـسـت حـال نـسـاء بـغـداد بـأفـضـل في الـشّـتـاء مـنـهـا في الـصّـيـف فـالـطّـرقـات الـضّـيّـقـة  تـتـحـول إلى مـسـتـنـقـعـات وحـول يـصـعـب عـبـورهـا بـتـنّـورات أوربـيـة، وتـغـطـيـهـا قـاذورات مـن كـلّ الأنـواع تـوصـلـهـا أنـابـيـب إلى بـلالـيـع مـفـتـوحـة لـيـس عـلـيـهـا أغـطـيـة حـفـرت أمـام كـلّ دار. وعـنـدمـا تـمـطـر الـسّـمـاء مـدّة طـويـلـة تـمـتـلئ الـبـالـوعـة وتـنـسـكـب أنـابـيـب الـقـاذورات مـبـاشـرة في الـطّـرقـات. والـرّجـال أنـفـسـهـم لا يـخـرجـون في الـمـسـاء إلّا ويـتـقـدمـهـم خـدم يـحـمـلـون مـشـاعـل عـلى ارتـفـاع عـشـريـن سـنـتـمـتـراً مـن الأرض (لـتـنـيـر لـهـم الـدّروب الـمـلـيـئـة بـالـحـفـر والـوحـول.
ولا عـجـب في أنّ الـطّـاعـون يـتـفـشى في الـمـديـنـة، وعـنـدمـا يـشـتـد الـحـرّ إلى درجـة تـقـتـل الـوبـاء. والـفـصـل الـوحـيـد الّـذي رحـم الله بـه أهـل بـغـداد الـمـسـاكـيـن هـو الـخـريـف، لـيـخـفـف عـنـهـم عـيـش الـقـهـر والـضّـنـك الّـذي فـرض عـلـيـهـم في ثـلاثـة أربـاع الـسّـنـة الـبـاقـيـة. فـمـازال الـجـو مـعـتـدلاً ومـشـمـسـاً، لا أمـطـار فـيـه ولا عـواصـف. وتـغـتـنـم الـعـوائـل الـمـيـسـورة الـحـال عـذوبـة الـطّـقـس لـتـضـرب خـيـامـهـا في سـهـول طـيـسـفـون وسـلـوقـيـة. وأحـبّ هـوايـاتـهـم في هـذه الـفـتـرة صـيـد الـخـنـازيـر الـبـرّيـة، وهـو صـيـد شـديـد الإثـارة ولـكـنّـه بـالـغ الـخـطـورة. وغـالـبـاً مـا تـصـيـب الأوربـيـيـن مـن مـطـاردة الـحـيـوان بـالـرّمـاح الّـتي تـرمى عـلـيـه عـلى أرض مـتـعـرجـة مـلـيـئـة بـالـحـفـر جـراح وأضـرار بـالـغـة. ولا تـحـضـر الـنّـسـاء في الـغـالـب هـذا الـصّـيـد الـمـلئ بـالـمـخـاطـر ويـكـتـفـيـن بـإطـلاق الـنّـار عـلى طـائـر الـحـجـل أو عـلى طـيـور الـمـاء الّـتي تـعـج بـهـا ضـفـاف دجـلـة.
اما الإنـكـلـيـزيـة فـريـا م. سـتـارك  التي وصـلـت إلى بـغـداد 1929 فتـتـكـلّـم في رسـائـلـهـا عـن أحـيـاء الـمـسـلـمـيـن في بـغـداد، وتـعـني بـهـا الأحـيـاء الـبـغـداديـة الـشّـعـبـيـة. وهي تـفـرّق بـيـنـهـا وبـيـن الأحـيـاء الـحـديـثـة الّـتي كـان الأجـانـب وخـاصـة الإنـكـلـيـز يـسـكـنـون فـيـهـا. فقد رأت فـيـهـا مـلّا عـجـوزاً جـلـس مـتـربّـعـاً يـعـلّـم عـشـريـن أو ثـلاثـيـن طـفـلاً الـقـراءة. ولـم يـكـن لـهـم إلّا مـا يـقـارب الـعـشـرة مـصاحـف، فـتـجـمّـعـوا حـولـهـا : ثـلاثـة أو أربـعـة حـول كـلّ مـصـحـف، يـرددون بـأصـواتـهـم الـطـفـولـيـة آيـاتٍ قـرآنـيـة. وبـيـن الـحـيـن والـحـيـن، يـصـل طـفـل ويـخـلـع نـعـلـيـه لـيـدخـل في الـحـلـقـة، بـيـنـمـا يـنـهـض مـن أصـابـه الـمـلـل مـنـهـم لـيـتـجـوّل بـيـن الـنّـبـاتـات والـزّهـور، ثـمّ يـعـود إلى مـكـانـه بـعـد ذلـك. وكـان الـمـلّا أبـيـض الـعـمـامـة طـلى لـحـيـتـه بـالـحـنّـاء، وعـلى وجـهـه الـعـجـوز مـلامـح الـطّـيـبـة، ولـم يـكـن يـبـدو عـلى تـلامـيـذه أنّـهـم يـخـشـونـه، ويسمونه بالعلامة.
كلمات مفتاحية: