حكومات الفئران

د. مهند يوسف
مستشار مركز العراق الجديد
لعل اهم ما يميز عالم الفئران انها تستشعر الخطر قبل حدوثه، ولذا فهي تقفز من السفينة قبل ان تغرق، او حتى قبل ان يعلم الربان انها ستغرق، وانها كذلك تتميز بالقدرة على سرعة القفز بين الحبال، ولان النفس البشرية عامة لها من الصفات الحيوانية فصلها الاولون في كتبهم، فمنهم من له صفة الكلب او الحمير او الذئب او غيرها من النزعات الحيوانية، نجد ان كثير من الناس حولنا وحتى الجماعات والحكومات في عالمنا اليوم من له هذه الصفة او تلك في تعامله مع الدول والمجتمع من حوله.
والفأر بطبيعته يحب امرين اثنين في حياته، الطعام والتكاثر، ولذا فهو يحب البعد عن التنافس والسعي والاجتهاد الا فيما يتعلق الامر بهذين الشيئين، ويسعى لإبقاء ممتلكاته وباقل الخسائر وبعيدا عن المشاكل مع المطاولة الى ابعد حد ممكن مع بيئته الخارجية.
وقد مربنا ومرت علينا في حياتنا الماضية مثل هذه النفوس، واسباب تحول الانسان من طبيعته المعتادة والمتوافقة مع بيئته وجغرافيته واعتقاداته كما يفصلها علماء الاجتماع، هو التغير الذي يحصل في انماط عيش الانسان، وهذه الانماط المتعددة في حياة الانسان والتغييرات المتحولة في الجيل الواحد، تجعله يسعى لحود خبزته لنفسه تماما كما يفعل الفأر.
بعد الغزو الاستعماري للعراق 2003 تم تحطيم النفس العراقية المقاومة والمجادلة بطبيعتها، ومن خلال التأويل والعمل والاشتغال والعزل الفكري، وإحلال الأنظمة القانونية والاقتصادية والسِّيَاسِيَّة الجديدة، جعلت من الانسان العراقي مخلوقاً لا صلة له بالواقع الذي يعيش فيه، او من حوله ولا صلة له تربطه مع الاخرين.
ان ما جاء به الانفتاح من فلسفة للحياة الجديدة في العراق بعد تغيير النظام، وما ارساه من أسس فلسفية للمدنية الرأسمالية في المجتمع، وما طبع له من لوازم الثقافة الحديثة، وما أنشأه من مناهج للتعليم والتربية من المدارس الابتدائية إلى المراتب النهائية في الكليات والجامعات، وما احدثه من طراز في مناهج دروس التاريخ والمظلومية المذهبية والفلسفة والاقتصاد والسياسية والقانون والبرامج التعليمية، واقتباسه للأنظمة والمناهج وما إليها، كل ذلك حتى ينشأ فيهم الفِكْرة نفسها والعقلية ذاتها التي عليها الفأر، ومن ثم إدخالها بصورتها الذهنية لتكون لهم اسلوب للحياة الشاملة.
في أقسام علم النفس وفي اقسام الاجتماعيات في أكثر الجامعات في منطقتنا يدرس علم الاجتماع بكامله على المنهج الغربي، المبني على أساس لا ديني، وعلى أساس أنه نظرية علمية، تخضع لشروط الدارونية في التطور، ويتم تدريسها في مناهجنا الجامعية على أنها حقيقة علمية، مثلها مثل علوم الأحياء والتاريخ الطبيعي وعلم الأرض والكيمياء والفيزياء والفلك والطب، بينما تدرس مناهج الفلسفة والتاريخ بطريقة إحياء الثغرات التاريخية وعرضها من زواياها المختلفة، والتي تغري الاهتمام بمعرفتها، وأخطر من ذلك فإن هذه المناهج تقوم بنصب مُثُلٍ عليا جديدة أمام أجيال المتعلمين ممن يشتهرون باخلاق الفئران على مدى التاريخ الحديث، فتعرض لهم كانهم أبطال السياسة وعلمائها وانهم من مؤسسي مذاهبها الفلسفية والاجْتِمَاعِيَّة ونظرياتها العلمية بطريقة لامعة جذابة، إذ انها تحوي على موضوعات منوعة يجمعها الإعجاب بالغرب وتمجيد حضارته ورجاله، وتخلو من التصورات الإسلاميَّة والقيم الإيمانية.
وهكذا فان هذا الزمان يتميز في هذه المرحلة بالتوجيه الثقافي المخطط بعناية على المستويات الأدبية والتربوية والفلسفية، بل وحتى على مستوى الدراسات الإسْلاميَّة في بلادنا، ووجهت على نحو إخراج ثقافة جديدة مؤداها تطوير الثَّقافَة الإسْلاميَّة تطويراً بما يلائم ثقافة الفئران، وتعزيزاً لهذه الثَّقافَة ولهذه الأفكار، ظهرت أقلام تنادي بعناوين المصلحة الوطنية والوطن اولا والضرورات والنأي بالنفس والتنمية والاعمار، والعدالة والمساواة.
وبالتالي فان واقعنا اليوم من الناحية الفكرية والعملية وفي هذه الفترة الزمنية يمر في أخطر المراحل التي مرّ بها، إذ أن التغيير الفكري لم ينل في مرحلته الأولى إلا من بضع من المبعوثين وبعض الحكومات الذين فتنوا بالغرب، ليختاروا التقليد.
وفي ظل هذه الأعراض الفكرية التي غلبت على واقع الناس في العراق والمنطقة يعيش هؤلاء وحكوماتهم ما بين منتفع ومتأثر لبطنه وبين مخطئ ومصيب لتكاثره، وقليل منهم من هو تائب راجع إلى الحق ثابت عليه .
قبل اكثر من مائة عام دخلت الدولة العثمانية الحرب العالمية الاولى لأسباب عدة، وكان من اهمها ان حليفتها المانيا قد قامت بالحرب وبالتالي فواجب السلطنة آنذاك الوقوف مع الحليف مهما بلغ الامر، وبالتالي قاتل العثمانيون على اربع جبهات، وحدث ما هو معروف في كتب التاريخ، ودخل العراق في حربين من اجل فزعة ونخوة ولم يفكر كثيرا بنتائجهما، والشواهد مثل تلك المواقف كثيرة موزعة بين كتب تاريخ منطقتنا من نصرة للمظلوم، والمرؤة للمحتاج، والوقوف بالعدل، والوفاء للصديق، والمساعدة لأهلها.
وحينما ننظر الى واقع مجتمعاتنا وحكوماتنا اليوم نجدها على النقيض تماما مما كانت من قبل، فكم من دولة قفزت من سفينة العراق قبل ان تغرق وكانت من قبل تعيش من خيره، وكم من افراد نكرات عاشوا من خير العراق وكانوا اول من رقص على حبال موته وركب الدبابة واحتل بلاده من جديد، وكم من حكومة خانت، وغدرت، وقفزت، ولعبت، وكذبت، وطعنت شعوبها، على ظنها انها تمارس السياسة على اصولها، وهي بالتالي قد خالفت تاريخها وطبيعتها التي كانت عليها.
هذا الانفصام في شخصية مجتمعنا وحكوماتنا ودولنا اليوم انما جاء من خلال تغيير العناصر المكونة للمجتمع من الأفراد والأفكار والمشاعر والأنظمة، وان اي تغيير سيؤدي لامحالة إلى إخلال أو إتلاف في هذه العناصر الأَسَاسيَّة من مقومات المجتمع، وحينها يصبح المجتمع يعيش حياة غير سوية وغير طبيعية، وهذا ما سيؤدي الى ظهور مشاعر التطرف والمذهبية والتبعية الإقليمية، او انها ستؤدي الى التغريب أو التغيير الاجتماعي الذي يعني تغيير الأمة وتغيير ثقافتها وأخلاقها وعقيدتها.