العرب السنة في البرلمان العراقي مع دورته الرابعة رمال وآمال….

د. عبد الناصر المهداوي

مستشار مركز العراق الجديد

      واحدة من أهم الإشكاليات التي ترافق سياسيي العرب السنة في مجلس النواب العراقي وضمن دوراته الأربع يكمن في الخضوع الفعلي للمشروع الإيراني لتيسير عمل هؤلاء، ولا اعتبار بالتصريحات الإعلامية التي تنتقد نظام طهران أو تنتقد الطائفية أو حتى حكام إيران، فهي في الغالب للاستهلاك العام، سمعت من أحد الساسة من قبل أنه التقى بالجنرال سليماني وسمع منه ما معناه ؛أنك حتى وإن تجاوزت أو تتهجم أو تسب إيران لا مانع لدينا لكن بعد أن نتفق على ذلك ابتداءا، طهران ونظامها لا يلتفتون إلى الانتقادات ولا حتى التهجم المجرد من الفعل أو من المواقف، بل جل تركيزهم يكمن في أن لا يكون سياسي أو حزب أو شخصية سواء كانت سنية أو شيعية يغرد خارج سربها عمليا، وتمكنت من ذلك مع تقادم الحكومات الموالية لها في العراق فأزاحت العديد من السياسيين من مختلف المكونات، ولعل النصيب الأوفر حظا كان من سياسيي العرب السنة وعلى رأسهم نائب رئيس الجمهورية الأسبق طارق الهاشمي وغيره كثير كرافع العيساوي وأحمد العلواني وجمع غفير من القيادات والشخصيات السياسية غيرهم.
     اليوم وفي مجلس النواب العراقي في دورته الرابعة يعد العرب السنة الجهة الأضعف من حيث العدد ومن حيث الولاء للوطن ومن حيث النوع، فما شهد البرلمان العراقي شخصيات بهذه النوعية وهذا العدد من قبل، ولعل الآفة الكبرى التي يعيب عليهم بها هو استخدام المال السياسي لحسم الولاءات والمناصب وحتى مقاعد البرلمان وهذه معلومات باتت معلومة من قبل الجميع بالضرورة بل تناقل بها الركبان، وهذا التعميم لا يعني عدم وجود استثناء وإن كان لا تأثير كبير له على الساحة السياسية كي لا نحمله مسؤولية الإخفاقات العديدة التي مني بها سياسيو العرب السنة تحديدا، بل يوجد العديد من القادة والساسة المخضرمين، ومن الشباب الجدد ما لا يندرج عليهم التوصيف السابق، أضف إلى ذلك وجود العديد من قيادات العرب السنة الذين لم يترشحوا للانتخابات الأخيرة والقسم منهم لم يحالفه الحظ للوصول إلى قبة البرلمان يرتبط بهم الخير ويؤمل معهم الرجاء، وقد ينعقد الأمل بهم في غد أفضل للعراق والعراقيين، واليوم سأتكلم عن شخصية لم ارتبط بها  سابقا ولا لاحقا بأي صلة، ولم تجمعني بها أي لقاء ولا حتى توافق فكري واضح أو تنظيم سياسي سابق كي اتجرد من الانحياز وأحكم بموضوعية، سأتكلم بمهنية عن عينة اخترتها بسبب مواقفها المبدئية وتصريحاتها المتوازنة، وإن كان تأثيرها في ساحة اليوم السياسية قليل بسبب ما عم من بلاء وفساد، في هذه العجالة سأتكلم عن شخصية السياسي القيادي أسامة النجيفي، وسأتناول سبب اختياره في الآتي.
      تناولت الواجهات الإعلامية في العراق عنوانا كبيرا يحمل تهديد السياسي أسامة النجيفي، وصرح بحقيقة هذا التهديد المعني، ولاقى تعاطف من قيادات على رأسها السيد رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس الوزراء السيد عادل عبدالمهدي الذي عد هذا التهديد موجه له شخصيا، وفي البداية لم يوضح أحد ماهية التهديد والجهة الصادرة عنه لحين نشرت عدد من وسائل الإعلام صورة من البيان المنشور باسم المقاومة الإسلامية…حزب الله العراق.. ويحمل البيان الرقم195/أ وتم إصداره في تاريخ 2/6/2019 ومعنون التهديد…إلى/ أسامة عبدالعزيز النجيفي..
    وينص البيان على؛ بعد أن دقت أجراس الحرب بين الحق والباطل بين الجمهورية الإسلامية (جمهورية المقاومة) وبين الولايات المتحدة الشيطان الأكبر…نود أن نوضح لكم بأن فصائل المقاومة الإسلامية وعلى رأسها كتائب حزب الله العراق ستتصدى لكل سياسي يقف ضد الجمهورية الإسلامية وسيكون هدفا كل من يقف مع محور الولايات المتحدة الأمريكية ومن معها من العملاء، ونحذركم بعدم إصدار أي تصريح ضد الجمهورية الإسلامية وفصائل المقاومة الإسلامية ومن خلالكم نوجه التحذير إلى شقيقكم المدان أثيل عبد العزيز النجيفي وخلافه ستكونون هدفا لنا وعوائلكم في بغداد والموصل وحتى في أربيل…  انتهى البيان بتوقيع المعاون العسكري لكتائب حزب الله العراق.
 في قراءة سريعة للبيان الذي يحمل التهديد نرصد مجموعة حقائق لا تخفى على أحد نجملها في الآتي؛
  • البيان جاد ويعي ما يقول ويملك أن ينفذ التهديد بسبب حقيقة واحدة أن العراق يخضع عمليا لحملة السلاح ولهذه الفصائل التي لا تخضع لسيطرة الدولة العراقية.
  • السبب واضح وهو اصدار أي تصريح ضد إيران ولم يقل ضد الحكومة العراقية ولا الأحزاب المتنفذة وهذا يؤكد لنا حقيقة أخرى أن الحاكم الفعلي في العراق هو النظام الإيراني، وبالتالي تخضع العملية السياسية برمتها لهيمنة المشروع الإيراني، ونؤكد على المشروع الإيراني لا الطائفي لكون الطائفية واحدة من أدوات هذا المشروع.
  • أن أغلب الفصائل المسلحة المنتمية للحشد أو غير المنتمية له ولائها الحقيقي لنظام ولاية الفقيه وليس لمكتب القائد العام للقوات المسلحة العراقية برئاسة رئيس مجلس الوزراء.
  • البيان يحمل الصفة التعميمية فهو وإن كان باسم كتائب حزب الله العراق إلا أنه تكلم عن فصائل المقاومة الإسلامية وعلى رأسها كتائب حزب الله في العراق. ولم يخرج من يكذب أو من يعترض على هذا البيان من الفصائل الأخرى.
  • على الرغم من ذكر أن هذه الفصائل وما سمي بالمقاومة ممهورة دائما بتسمية الإسلامية، مع أن الإسلام لا يتيح استهداف الأبرياء وكان الأجدر تسميتها باسم آخر لكونها هددت عوائل أسامة النجيفي وشقيقه، وهل يتيح الإسلام الذي ينص قرآنه الكريم (ولا تزر وازرة وزر أخرى….) استهداف عوائل آمنة مسلمة لكون أحد أفرادها صرح ضد إيران.
  • تناغم هذه الفصائل مع الأحكام السياسية الجائرة التي تؤكد اندماج الحالة العراقية زمن الحكم الطائفي للأحزاب التي حكمت العراق قبل العبادي وعبد المهدي حين تصف شقيق أسامة بالمدان أثيل… فكلمة المدان تشي بهذه المقاربة ما بين الأحكام السياسية الجائرة وهذه الفصائل المسلحة.
  • أضف إلى ما تقدم تضع هذه الفصائل نفسها في موضع الخصم والحكم في آن واحد، حين تكلم البيان عن توصيف السيد أثيل النجيفي بالمدان فهو قرر أنه مدان قبل أن تخضع الأحكام الجائرة السياسية في توجهها لأي محاكمة تذكر، وهنا يذكرنا هذا الفعل بفعل التنظيمات الإرهابية كداعش والميليشيات التي تحكم على خصومها بمجرد أن يخالفوها.
  • الصراع الحقيقي اليوم في الساحة السياسية العراقية بين دولة ناشئة تسعى لخلع ما ران عليها من أكدار ومظالم، وما بين فصائل مسلحة تخضع الشأن العراقي بقوة السلاح لصالح نظام ولاية الفقيه والحديث عن الديمقراطية هنا يكون عبث لا طائل من جرائه ما لم تنتصر إرادة الدولة والقانون بصرف النظر عن من يكون على رأسها.
  • الحقيقة الكبرى تكمن في ضرورة حصر السلاح بيد الدولة وتمكين القانون ليحافظ على العراق والعراقيين بصرف النظر عن مواقفهم كانت مع أو ضد، لكونها لا تتعدى التصريحات ولا فعل من جرائها وتعد هذه أدوات الديمقراطية وحرية التعبير عن الرأي المكفولة بالحفاظ عليها قانونا وضمن الدستور العراقي المعطل.
 وبعيدا عن البيان وعن تصريحات آل النجيفي  ومواقفهم ضد إيران لكوننا نعلم جميعا أن من يعمل في الحقل السياسي العراقي لا بد له من الإدلاء برأيه على بعض المواقف خاصة في المواجهة المحتملة ما بين واشنطن وطهران فهي تخص في أبعادها الشأن العراقي وقد يكون العراق محرقة لوقودها، وإن أرادت طهران أن تنقل الصراع على الأراضي العراقية يتعين على الجميع يومها حاكم ومحكوم ومواطن عادي أو من ينتمي للفصائل المسلحة أن يمنع ذلك لكوننا وإن تعاطفنا مع طهران لا يقبل منا لا عرفا ولا شرعا ولا ذوقا أن نقدم أبنائنا قرابين على مذبحهم في مواجهة لا ناقة للعراق فيها ولا جمل، بل يتعين على الجميع ضبط النفس وتجنب إراقة الوقود على المحرقة، فهذه النيران اشتعلت لا تستثني أحدا.
    إذن مالذي يجعل البعض يتحسس من شخصيات آل النجيفي وخاصة القيادي أسامة النجيفي؟ في الحقيقة هنالك احتمال وإن كان ضعيفا لكنه يبقى احتمالا واردا، فبعد الشتات الذي أصاب نواب وسياسيي العرب السنة الذين تحولوا في الدورة الانتخابية الحالية إلى رمال متحركة تجاه هذه الكتلة أو تلك، لم تلح في الأفق سوى مبادرة واعية واحدة لهذا العام، وكانت هذه المبادرة من قبل القيادي أسامة النجيفي الذي اجتمع بدعوة منه سياسيون وبرلمانيون، ولأول مرة لهذا العام يطرحون مجموعة أفكار تصلح لأن تكون نواة لمشروع واعد أريد وأده قبل ولادته، فإن ولد قد يحول الرمال المتحركة التي يمثلها العرب السنة اليوم إلى آمال حقيقية يرتجى فعلها… وتكمن حقيقة هذا المشروع في المنشور الآتي؛ بدعوة من السيد أسامة عبد العزيز النجيفي ، اجتمع نواب وسياسيون وقادة رأي مساء يوم الأحد 19 ايار 2019 ..
     تدارس المجتمعون الوضع السياسي في العراق، والتحديات التي تواجهه في اصلاح البنية العامة، وتحديات البناء المطلوب في أعقاب تحرير محافظات ومدن وقصبات من الإرهابيين، كما تدارسوا تأثيرات الصراع الأميركي الايراني على العراق، والرؤية الوطنية المطلوبة للنأي عن أضرار هذا الصراع وسلبياته على الشعب.
وتناول الاجتماع تحليلا معمقا لوضع ممثلي المحافظات المحررة، والتجاذبات السياسية، وخلفياتها التي لا تنسجم مع تطلعات أبناء هذه المحافظات في إعادة البناء وعودة النازحين واحترام ارادتهم في أوضاعهم السياسية وخياراتهم دون إملاء أو تجيير لهذا الطرف أو ذاك.
وبعد مناقشات سادتها الصراحة والرغبة المؤكدة في تجاوز الاختناقات والتأكيد على المبادئ والخيارات التي تعز الشعب، اتفق المجتمعون على الأفكار والنقاط الآتية:
  1. يؤكد المجتمعون أن لقاءهم يمثل نواة لمشروع وطني يشكل خيمة لدعم واسناد الجهود الخيرة، وفضح الولاءات والانتماءات القائمة على المصالح الآنية والوعود غير المشروعة أو محاولة الاستقواء بقوى خارج الحدود أيا كان شكلها ونوعها.
  2. العمل على تحقيق شراكة حقيقية هدفها خدمة العراق وشعبه.
  3. أكد المجتمعون أن عمقهم في العمل والتوجه عراقي أصيل، وامتدادهم عربي اسلامي، مع الانفتاح على المجتمع الدولي على قاعدة المصالح المتبادلة واحترام ارادة وخيارات الشعوب بعيدا عن الاملاءات ومفهوم الغالب المغلوب.
  4. تدارس المجتمعون خيار المعارضة الايجابية كركن أساس في العملية الديمقراطية، وأكدوا أن البرنامج الحكومي وعهود الحكومة ما زالت متلكئة، ودعوا إلى تفعيل الجهود للوفاء بالالتزامات، والايفاء بمستحقاتها بما يمكن أن يلمسه الشعب.
  5. أكد المجتمعون أن عملهم قائم على الانفتاح على أطراف العملية السياسية على مبدأ التعاون والتآزر، بعيدا عن المصالح الآنية، والصراع على النفوذ ومحاولات الكسب غير المشروع، وتسخير امكانات الدولة لهذا الغرض.
  6. يدعو المجتمعون إلى تفعيل الجهود على المستوى الدولي لحل الصراع الأميركي الايراني بالطرق السلمية بعيدا عن التهديدات، وبما يضمن إبعاد شعوب المنطقة عن ويلات الحروب.
  7. كما قرر المجتمعون تسمية لجنة للتواصل مع القوى السياسية والمجتمعية والعشائرية بهدف توحيد الجهود لدعم مشروع وطني طموح. وسميت اللجنة
  8. كما اتخذ المجتمعون قرارات وتوصيات تنظيمية لتنشيط الأداء، ووضع آليات العمل.
      تعد هذه النقاط التي أجمع عليها المجتمعون نواة لمشروع للخلاص من الثالوث المدنس…الإرهاب…الطائفية…الفساد..
فهل سيتبلور للعرب السنة بشكل خاص والسياسيين العراقيين بشكل أعم مشروع واع يأخذ بأيديهم إلى الخلاص من قيود الثالوث المدنس؟ غدا بظهر الغيب واليوم لي كما يقول الشاعر، تكفي أنها محاولة للخلاص، وأنها شمعة تبدد الظلمة في زمن التاثت به حتى المعاني السامية مع العملية السياسية في العراق بعد الاحتلال.
مرفق المقال البيان المذكور سلفا
كلمات مفتاحية: