قرار رئيس مجلس الوزراء نحو الحشد الشعبي شراع يدفع السفينة نحو الأمام أم خرق سيتسبب بغرقها؟

د. عبدالناصر المهداوي
مستشار مركز العراق الجديد
     يعد قرار رئيس مجلس الوزراء السيد عادل عبد المهدي تجاه الحشد الشعبي واحد من أهم القرارات المصيرية التي تضع حكومة ومصداقية عبد المهدي على المحك، فقد أصدر رئيس الوزراء العراقي عبد المهدي، يوم الاثنين 1/7/2019، أمرا ديوانيا بضم فصائل الحشد الشعبي إلى القوات المسلحة العراقية وقطع كل علاقاتها بالقوى السياسية، فهل يقوى عبد المهدي على الصمود في وجه الحشد الشعبي إن تنكر الأخير لهذا القرار أو سعى لتفريغه من محتواه؟ مع اعتبار كون العديد من قيادات الفصائل المنضوية تحت جناح الحشد الشعبي رحبت بهذا القرار، وعلى رأسهم السيد مقتدى الصدر الذي صرح في بيان نشر على حسابه بموقع “تويتر” وقال؛ إن ما صدر عن رئيس مجلس الوزراء بما يخص الحشد الشعبي أمر مهم وخطوة أولى صحيحة نحو بناء دولة قوية لا تهزها الرياح من هنا وهناك، إلا أنني أبدي قلقي من عدم تطبيقها بصورة صحيحة.
قبل الخوض في مصداقية وتداعيات هذا القرار على الواقع الأمني في الساحة العراقية لا بد من الوقوف على أهم نقاط القرار وهي كالآتي؛
  • عبد المهدي أمر بأن يكون عمل جميع فصائل قوات الحشد الشعبي جزءا لا يتجزأ من القوات المسلحة، وأن تكون بإمرة القائد العام للقوات المسلحة وفقاً للقانون الذي شرعه مجلس النواب.
  • المرسوم أوضح أن القائد العام للقوات المسلحة هو من يعين رئيس هيئة الحشد الشعبي.
  • حسب المرسوم، يتم التخلي عن جميع التسميات التي عملت بها فصائل الحشد الشعبي في المعارك ضد تنظيم الدولة، واستبدالها بالتسميات العسكرية المعروفة، كما يحمل أفرادها رتبا عسكرية.
  • على هذه الوحدات والأفراد قطع أي ارتباط وعلاقة سياسية مع التنظيمات.
  • الفصائل التي لا تلتحق بالقوات المسلحة، يمكنها أن تتحول إلى تنظيمات سياسية خاضعة لقانون الأحزاب وضوابط العمل السياسي.
  • يمنع على هذه الفصائل، التي اختارت العمل السياسي، حمل السلاح إلا بإجازة رسمية ولمقتضيات حماية مقراتها المدنية.
  • المرسوم شدد على ضرورة تحديد معسكرات تجمع قوات الحشد الشعبي أسوة ببقية القوات المسلحة، وخضوعها لما يعرف عسكريا بنظام المعركة وفق سياقات القوات المسلحة.
  • رئيس الوزراء العراقي أمر بغلق جميع مقرات فصائل الحشد الشعبي في المدن وخارجها، وكذلك إغلاق جميع المكاتب الاقتصادية أو نقاط التفتيش خارج الإطار الجديد.
  • حسب المرسوم، يمنع تواجد أي فصيل مسلح يعمل سرا أو علنا خارج هذه التعليمات، واعتبار من يخالفها خارجا عن القانون وتتم ملاحقته.
  • المرسوم يشمل أيضًا الحشد العشائري، وهو تشكيل سني ظهر عقب تشكل الحشد الشعبي الشيعي، و”أية تشكيلات أخرى محلية على الصعيد الوطني”.
  • المرسوم حدد للفصائل مهلة تنتهي في 31 من تموز للالتزام بالضوابط الجديدة.
     إن قضية انهاء الحالة المستقلة للحشد الشعبي ودمج قواته بجميع فصائله ومن ضمنهم الحشد العشائري في القوات المسلحة العراقية كالجيش والشرطة وأفواج الطوارئ وغيرها من المؤسسات الأمنية واحدة من أهم المطالب الأساسية التي نادى بها جمع غفير من السياسيين العراقيين الذين لا يدينون بالولاء إلى نظام ولاية الفقيه في إيران، وما ذاك إلا لعلمهم على وجه الحقيقة أن تأسيس الحشد الشعبي وتقنينه كان على شاكلة ونمذجة الحرس الثوري الإيراني الذي يعد الأداة الضاربة الأقوى لنظام ولاية الفقيه في إيران، لذا تعد هذه الخطوة على الطريق الصحيح لإصلاح المنظومة الأمنية العراقية في ولاية السيد عبد المهدي الذي عول على أدائه الإصلاحيون وعلى رأسهم تحالف سائرون، لذا نجد أن زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر رحب بقرار رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي في ضم كافة تشكيلات الحشد الشعبي للقوات المسلحة بشكل مباشر وقام بتنفيذه فورا، والتيار الصدري من أصعب الأرقام في الساحة السياسية والأمنية العراقية وهو يتقدم التحالفات التي فازت بالانتخابات الأخيرة.

فقد أعلن الصدر انفكاكه عن سرايا السلام (التابعة لتياره) ووجه بإغلاق جميع مقاره، ‎ وأضاف: ما يهمني هنا أيضاً أن تكون سرايا السلام التابعة للحشد الشعبي التي أمرت بتأسيسها سابقاً هي المبادرة الأولى لذلك ومن فورها، وذلك بغلق المقرات وإلغاء الاسم وغيرها من الأوامر، وقال الصدر؛ ومن هنا أعلن انفكاكها عني انفكاكاً تاماً لا شوب فيه، ما يراه الصدر أن تكون سرايا السلام  الفصيل الأول الذي يستجيب إلى هذا القرار وينفذه، و طلب على الفور من الأخ أبو ياسر التطبيق، وذلك بغلق المقرات وإلغاء الاسم وغيرها من الأوامر، ومن المعلوم لدى العراقيين كافة أن الصدر وتياره كان من أوائل الذين طالبوا بحصر السلاح في يد الدولة في أوقات سابقة متعددة، ويعد التيار الصدري ومن على رأس تحالف سائرون الجهة التي تنادي بإصلاح العملية السياسية والمنظومة الأمنية في العراق.

       يأتي هذا القرار بعد ما يقرب من ستة أشهر على الطلب الأمريكي بعد زيارة وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو في 15/1/2019 للعراق والتقى يومها الرئيس العراقي برهم صالح، ورئيس الوزراء عادل عبد المهدي، ورئيس مجلس النواب الحلبوسي، ووزير الخارجية محمد الحكيم، والقوات الأمريكية، بعد وصوله إلى بغداد في زيارة غير معلنة مسبقًا. وحمل وزير الخارجية رسالة أرسلت من واشنطن مرفقة بقائمة تضم 67 ميليشيا وطلبت من الحكومة العراقية تجميدها وسحب السلاح منها، في حين طلب رئيس الوزراء العراقي، عادل عبد المهدي، من الجانب الأمريكي إعطاءه وقتًا للرد. تعد هذه خطوة جديدة اتخذتها الإدارة الأمريكية لتحجيم النفوذ الإيراني في العراق، وتفكيك الميليشيات التي تستخدمها إيران لتنفيذ أجندتها. فهل هذا القرار الذي أصدره عبد المهدي هي استجابة للطلب الأمريكي؟ أم هي خطوة على طريق الإصلاح الطويل للسيد عبد المهدي؟ الأيام فقط من سيجيب على هذه التساؤلات الخطيرة التي تضع مكانة وجهد عبد المهدي على المحك.
     اختلفت الآراء حول أهمية هذه الخطوة على أقوال فمنهم من يرى أنها إيجابية وتضع القاطرة على السكة، ومنهم من يرى غير ذلك فهي خطوة تكرس القوة الميليشياوية في القوات المسلحة العراقية، كتبت وحدة الدراسات العراقية في مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية؛ لاشك يعد إصدار “الأمر الديواني” خطوة شجاعة وجريئة لرئيس الوزراء عادل عبد المهدي لأنه بمثابة خطوة في الاتجاه الصحيح لإعادة ترتيب البيت العراقي، وخطوة رئيسة من أجل فرض سيادة القانون التي مخرجاتها تعني مجتمع عراقي منسجم اجتماعيّا غير متنافر ومتقدم اقتصاديّا غير متخلف ومستقر سياسيّا غير مضطرب، لذلك على الكتل السياسية العراقية أن تآزر رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي في خطوته الإصلاحية البالغة الأهمية، وأن لا تكون حجر عثرة في طريقه الإصلاحي وأن تغلب مصلحة العراق العليا على المصالح الحزبية والطائفية والعرقية، ويكفي العراق سنوات من المعاناة نتيجة الحسابات الضيقة جدا، فاستقرار العراق وتقدمه الذي يهدف إليه المشروع الإصلاحي لرئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي يعني عودته إلى مكانته الطبيعية والمستحقة  في البيئة العربية والإقليمية والدولية.
    في الجانب الآخر ذكر الدكتور صبحي ناظم حول القرار فقال؛ في ظاهره يبدو الأمر منطقيا من حيث تذويب الحشد وسط القوات المسلحة الرسمية. لكنه اعلاء من شأن الحشد من حيث جعل وحداته وتشكيلاته شبيهة بالجيش وحمل ضباطه وأفراده رتبا مشابهة. ويخلص إلى نتيجة مفادها أن الحشد أصبح نسخة (شبيهة) بالحرس الثوري الايراني. في حين ذكر متابعون عن الفرق بين قرار دمج المليشيات الذي اصدره بريمر وقرار عادل عبد المهدي دمج الحشد، ويخلصون إلى نتيجة واحده وتهدف القضاء على ما تبقى من استقلالية القادة العسكريين وتضعهم تحت هيمنة قادة الميليشيات، وتحت هاشتاغ يقول “العراق ينتحر”، يرجح مغردون أن يكون قرار دمج الحشد بالجيش قد تم بالتشاور مع قادة الحشد، وأن القرار سيجعل فصائل الحشد أقوى من فصائل الجيش الأمر الذي سيجعل من الحشد يسيطر على الجيش وعلى مفاصل القوات العراقية المسلحة بتشكيلاتها كافة.
   والكلام الفصل الذي يراه كاتب هذه الكلمات أن الخطوة تعد بذاتها خطوة إيجابية وعلى الطريق الصحيح، وقد تكون نواة حصر السلاح بيد الدولة، أما معيارية مصداقيتها فيتم بعد التأكد من خلع ولاء هؤلاء الجند والقادة من تبعيتهم لأحزابهم وفصائلهم إلى تبعية التسلسل القيادي للجيش والشرطة وبقية مؤسسات القوات المسلحة العراقية، وتبقى هذه الخطوة على خطر كبير إن لم تتبعها خطوات عديدة تستهدف تعزيز مهنية القوات المسلحة العراقية وتنظيفها من ما شاب بها من عناصر إرهابية وعناصر تلطخت يديها بدماء العراقيين وعناصر تم وضعها على لوائح القوائم الإرهابية الدولية، والمفصل الحقيقي يكون بالإعداد المهني والوظيفي للقوات المسلحة العراقية واستئصال من له توجه سياسي أو جهد سياسي، ونذهب إلى أبعد من ذلك إلى حرمان القوات العراقية المسلحة من أي نشاط سياسي حتى لوكان حقا طبيعيا كالمشاركة في الانتخابات حفظا على هذه المؤسسة من أن تخلع تبعيتها لقيادتها إلى تبعية جزئية للأحزاب والكيانات السياسية ويومها ستكون داء عضال يصعب استئصاله.