قوات البيشمركة ، والمقارنات الخاطئة

شاهو القره داغي
مستشار مركز العراق الجديد
قبل إجراء الاستفتاء في عام 2017 وفي احدى اللقاءات ، تحدث مسعود البارزاني عن إصرار الحاكم المدني الأمريكي السابق في العراق بول بريمر عام 2003 على حل قوات “البيشمركة ” و اعتبار البيشمركة ميليشيات عسكرية على غرار قوات بدر و الجيش المهدي .
وكان رد بارزاني واضحاً عندما قال ” بأن حل البيشمركة ليس من صلاحياتك ولا من صلاحياتي، لأن البيشمركة لم تتأسس بقرار حتى يتم حله بقرار، بل تأسست من الدماء و الدموع ، و موضوع البيشمركة ليست خطاً أحمراً واحداً بل مجموعة من الخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها “.
في 1 تموز 2019 أصدر رئيس الوزراء العراقي (عادل عبد المهدي )قراراً يقضي بضم كافة تشكيلات الحشد الشعبي إلى القوات المسلحة العراقية، و إغلاق مقراتهم داخل المدن و خارجها ، وقطع أي ارتباط لهذه الجماعات المسلحة مع أي تنظيم سياسي .
ونص مرسوم القرار الذي أصدره (عبد المهدي) على أن “تعمل جميع قوات الحشد الشعبي كجزء لا يتجزأ من القوات المسلحة وتسري عليها جميع ما يسري على القوات المسلحة ، وتعمل هذه القوات بإمرة القائد العام للقوات المسلحة.
واختلفت ردود الافعال الصادرة حول القرار بين من يؤيد القرار و يعتبره إجراءً ضرورياً لتحجيم الحشد الشعبي و إخضاعه لسلطة الدولة ، وبين أطراف أخرى عبرت عن مخاوفها من وجود محاولات لحل الحشد الشعبي تماشياً مع الارادة الامريكية في العراق، وبين أطراف أخرى مثل ائتلاف النصر بزعامة رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي الذي طالب رئيس الوزراء (عادل عبد المهدي) بأن يشمل قوات البيشمركة الكردية بإجراءاته التنظيمية التي اتخذها بشأن قوات الحشد الشعبي والتي قضت بدمجها ضمن هيكل موحد تابع للقوات المسلحة.
وبعد البيان الصادر عن ائتلاف النصر والذي يوضح رؤية زعيمه (حيدر العبادي) الذي فشل في القضاء على تجربة إقليم كردستان العراق عندما كان رئيساً للوزراء رغم كل محاولاته ، خرجت أصوات عديدة تكرر هذه المطالب و تدعو لحل قوات البيشمركة و تدخل في مقارنات خاطئة بين قوات البيشمركة النظامية والتي تلعب دور جوهري في حماية الامن و الاستقرار و تخضع للتدريب و الاشراف من قبل قوات التحالف ، وبين ميليشيات طائفية و مذهبية تعلن ولاءها الصريح للجمهورية الاسلامية في إيران و مستعدة للإضرار بدول الجوار و الدخول في صراعات خارجية بناء على توجيهات طهران و ولاية الفقيه .
من الخطأ مقارنة قوات البيشمركة بالميليشيات و الفصائل المسلحة الموالية لإيران في العراق ، فقوات البيشمركة أصبحت قوة احترافية تتلقى التدريب و الاشراف من قبل الولايات المتحدة الأمريكية و دول التحالف الدولي، ومنذ 2003 بدأت تتشكل أكاديميات عسكرية في إقليم كردستان لتدريب قوات البيشمركة وتحويله لقوة احترافية ، بخلاف الميليشيات و الفصائل المسلحة التي تأسست بفتاوى دينية دون المرور بتدريب عسكري أو حمل عقيدة عسكرية واضحة مما أدى لانتشار الفوضى في مناطق نفوذ هذه الميليشيات .
قوات البيشمركة تلتزم بحماية إقليم كردستان العراق من الأخطار الخارجية ولا تتدخل في الشؤون الداخلية في الإقليم و لا تمارس النشاطات الاقتصادية و التجارية و لا تفرض رؤيتها بالقوة وليست متورطة في اعمال غير قانونية ولا تشكل أي تهديد على جيران العراق ، بخلاف الميليشيات الطائفية التي تعلن الولاء لمشروع ولاية الفقيه في طهران و تحمل أيدولوجية متطرفة تحاول تطبيقها في العراق و تعمل على السيطرة على النشاط التجاري في المناطق التي تقع تحت نفوذها ، بالإضافة إلى مشاركة العديد من هذه الميليشيات في نشاطات خارج العراق (في سوريا على سبيل المثال) استجابة للتعليمات الإيرانية وبالتالي تشكل تهديد حقيقي على الدول المجاورة للعراق باعتبارها ذراع إيراني في العراق ومصدر تهديد لدول المنطقة.
 تجربة قوات البيشمركة في إقليم كردستان العراق تجربة مميزة ، بحيث نجحت هذه القوات في حماية الامن و توفير الاستقرار في الإقليم منذ عام 2003 ، و بسبب الاداء الاحترافي لهذه القوات تحول إقليم كردستان إلى قبلة للمظلومين و المهمشين من باقي مناطق العراق، مع تقديم صورة مشرقة لنموذج ناجح في العراق و المنطقة ، مما ساهم في تجميع كافة القوميات و الاديان و المذاهب داخل إقليم كردستان دون إقصاء او انتقام لأي طرف ، بينما على الطرف الآخر ، فالميليشيات الطائفية التي انتشرت في المدن المنكوبة و المناطق المتنازع عليها تسببت في تهجير الآلاف من المواطنين و سرقة و نهب ممتلكاتهم و السيطرة على منازلهم و محلاتهم بالقوة ، بالإضافة إلى فرض رؤية ايدولوجية ضيقة ومحاولة طمس و مسح كافة مظاهر التنوع في هذه المناطق ، مع انتشار ظاهرة عمليات الاختطاف و القتل و التعذيب و السجون السرية و تحويل المناطق السكنية إلى مخازن للأسلحة و الصواريخ وتشكيل خطر حقيقي على التعايش في هذه المناطق التي تتمتع بتنوع قومي و مذهبي و ديني .
أهمية بقاء قوات البيشمركة ظهرت بعد 2003 عندما فشلت الاحزاب الدينية و الطائفية من بناء الدولة و تطبيق الدستور و تأسيس منظومات أمنية و عسكرية وطنية غير طائفية أو مذهبية ، حيث كان رئيس الوزراء الاسبق نوري المالكي معروفاً بتهديداته المستمرة لإقليم كردستان ، بالإضافة إلى قادة الميليشيات الطائفية التي كانت تهدد بدخول (أربيل) عاصمة الإقليم ، بالإضافة إلى احداث الاستفتاء عندما حاول رئيس الوزراء السابق (حيدر العبادي) السيطرة على المنافذ الحدودية و إنهاء تجربة إقليم كردستان ، ولكن وجود قوات البيشمركة ساهمت بشكل رئيسي في إجهاض هذه المخططات ضد إقليم كردستان ، ولولا وجود هذه القوات لكان مصير إقليم كردستان مثل مصير المناطق السنية التي تم تدميرها و السيطرة عليها من قبل الميليشيات و الفصائل المسلحة وتم تهجير الآلاف من مواطنيها إلى الخيام .
البيئة الحالية في العراق و انتشار الميليشيات و زيادة نفوذها و قوتها و تجاربها السيئة في العديد من المحافظات ، مع مخاطر عودة نشاط الجماعات الإرهابية ، جميعها أسباب كافية تبرر بقاء البيشمركة كمؤسسة قوية تحافظ على أمن و استقرار إقليم كردستان العراق و ولا يمكن أن تُقارن بميليشيات الحشد الشعبي أو باقي الفصائل المسلحة المرتبطة بمشروع ولاية الفقيه الإيراني والتي تهدد الاستقرار و تشكل عامل مزعزع للأمن الداخلي و خطر على الدول المجاورة للعراق بسبب خطابها العدواني و إصرارها في التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية و دول الخليج.
كلمات مفتاحية: