هل المجتمع العراقي بحاجة إلى عدالة أم إلى مساواة؟

د. مهند يوسف
مستشار مركز العراق الجديد
هنالك فهم خاطئ عند بعض الناس حول مفهومي المساواة والعدالة، حين يقرنون بينهما باصطلاح ومعنى واحد، وهذا يشكل خطا كبيرا بعيدا عن حقيقة المفهومين، فالدلالة تتباين عند اهل الفكر سواء أكانوا من اهل الاديان او من العلمانيين.
فالعدل والعدالة لا يتعلقان بالثروة وتوزيعها بشكل مثالي فحسب، لأنهما حين شرعا فانهما لا يقيمان وزناً للمساواة بين الناس في توزيعها، بل ان اهل الدين لا يرون ان هناك أي علاقة بين العدالة وخاصة الاجتماعية منها وبين الأمور الاقتصادية.
فالعدالة عندهم هي تطبيق لأنظمة الدين في المجتمع، ولإن الدين لا يقول بالمساواة في قسمة الثروة سواء أكانت ثروات طبيعية ام بشرية، وإنما يريد أن يقيم العدل… وبالتالي فان المجتمع الديني ينقسم الى طبقة فقيرة وطبقة غنية، ولا وجود لما يعرف اليوم بالطبقة الوسطى، والتنظيم الاجتماعي انما يقوم على العلاقة بين الاغنياء والفقراء، اي اللامساواة في توزيع الثروات، وانما يكون العدل من خلال التعاليم الاخلاقية في تنظيم المجتمع…
فإنْ أرد المجتمع العدالة فما عليه إلا أن يفهم الدين فهماً كما يريده او يحبه فهما كاملاً، وان يدرك صورة العدل، ثمّ يسع هذا المجتمع إلى تطبيقه، والعمل به، وتنفيذه، في نظامه الاقتصادي والاجتماعي. وبالتالي فان تطبيق العدالة في اي مجتمع يكون مرتبطا بفهم الناس للدين، فاذا اعتقد الناس بالمظلومية المذهبية الدينية، فصورة العدالة هنا التي يطبقها هذا المجتمع تكون لحساب اعادة الاعتبار لهؤلاء المظلومين دون سواهم اي انصافهم، وهذا ما نلاحظه بوضوح تام في تطبيق العدالة المذهبية في المجتمع الشيعي اليوم في العراق، او حتى المناداة بالعدالة التي طالب بها المجتمع السني في اعتصامات 2014 ولم ينلها.
وكتطبيق حي لصورة هذه العدالة ولإنصاف اتباع هؤلاء المذهبيين نرى ان النظام السياسي الحاكم اليوم في العراق قد انشأ مؤسسات حكومية خاصة لإنصاف هؤلاء كمؤسسة الشهداء والسجناء السياسيين وجماعة رفحاء ومتضرري النظام السابق، وغيرها من المؤسسات والتشريعات، التي تفتح للتعويض المالي الرسمي، لتوزيعها على اتباعهم حصرا دون بقية المجتمع، الذي عانى سنوات الحصار، فاصبح لدى الكثير من هؤلاء عدة رواتب ومنح وهبات رسمية فضلا عن رواتبهم عن الوظائف الرسمية التي يشغلونها والتي تتجاوز عند بعضهم وكما اعلن عنهم رسميا عن اكثر من ثلاثين وظيفة في وقت واحد.
وايضا فان من اكبر الاخطاء هي ان نلبس العدالة الاجتماعية كمفهوم غربي لبوس الإسلام، بمعنى استعمال هذا اللفظ بدلالة جديدة، تنسجم مع معنى العدل والعدالة اللذين هما مقصد الدين، اي إن بعض الناس يقولون في الدين عدالة اجتماعية، وهذا القول فيه نقص كبير، فالدين هو العدل بعينه عند المتدينين والعدل ليس شيئاً زائداً عن الدين، إنما الدين هو العدل وتطبيق الدين وإقامة العدل شيء واحد…
وبناء على هذا التصور فان تحديد معنى العدالة في حقيقة أمرها، يتحدد تبعا لحرية فهم الدين لدى كل فرد من الأفراد، وكل أسرة من الأسر، وكل قبيلة من القبائل، وكل حزب من الاحزاب، وكل أمّة من الأمم .
وهذا التوازن في الحرية هو الذي سيحقق العدالة، فهو يتحقق بجعل الفرد المنتمي الى فئة او حزب او جماعة محور النظام الاجتماعي، فالنظام هو الذي يساعد أفراد الجماعة على تنمية شخصياتهم وترقية مواهبهم ولا يقيد حريتهم في الملكية  والتصرف، وهو النظام الذي اذا تحققت العدالة في ظله كان هو النظام الديني.
ان هذا التوفيق بين مفاهيم الحضارة الغربية والدين، يحاول العمل به الساسة في العراق اليوم، وان كان في ادبيات الاسلاميين طيلة القرن الماضي، وبأي حال من الأحوال فالنهضة المذهبية التي نشهدها اليوم في العراق، لا بد لها من أن تعتمد على المذهب الشيعي الخالص، اي على ما يمكن تقديمه او في كيفية تقديمه، من خلال الكتابات والمقالات على نحو تفصيلي، وان يفرق فيها بين ما يؤخذ وما يترك من أمور التمدن والحضارة الغربية، والامر الاهم هو ما يمكن تقديمه للعالم من مفاهيم مذهبية شيعية اصيلة. وبالتالي فكل ما نشهده من عدالة مذهبية في العراق اليوم من توزيع للثروات بين الناس انما هو تجسيد حي وكامل وشامل لعدالة المذهب الاثني عشري.
أن العدالة في العراق اليوم هي عدالة وانتقام المنتصر وليست عدالة وانصاف المهزوم، وبالتالي هدفها إعادة ترتيب التوازن بين مكونات المجتمع العراقي، فالشيعة اصبحوا هم المسيطرين على مقدرات البلد كتطبيق لعدالة المظلومية التاريخية وكذا الكرد والارمن، وتقرير العدالة الاجتماعية في حق الملكية الفردية لهؤلاء يحقق العدالة بين الجهد والجزاء، وهي للفرد كما هي لأحزابهم. وهدفها قيام سيطرتهم على المجتمع، بإقامة العدل المذهبي الاجتماعي والسياسي فيهم… وبالتالي تصبح العدالة عندهم مراعاة حقوقهم في توزيع الثروة وانفاقها، حتى تأخذ العدالة مجراها الصحيح.
بينما المساواة وهي فكرية بشرية لا علاقة بها بالأديان، من حيث الوجود والتأثير، اهتدى اليها الانسان بعد تجارب طويلة من التصنيف والتفريق بين البشر على اساس جنسي او عنصري او شكلي او حتى ديني، وتجلت قيم المساواة في اعلى صورها في النظام الديمقراطي الحديث حيث تتساوى الاصوات في منح السلطة لممثليهم في الانتخابات، وفي التوزيع المناسب للعمل والثروة ونشوء الطبقة الوسطى المتساوية والأغلبية في المجتمعات الصناعية المتقدمة اليوم.
الناس سواء في الحقوق العامة، لكن المساواة المطلقة خرافة، والمساواة المطلقة ظلم… ويمكن إحصاء الحقوق العامة، وإقامة القوانين المحترمة لحمايتها، لكن هناك حقوقاً خاصة لا بدّ من تقريرها ويستحيل قبول المساواة فيها، وهذه الحقوق تتبع التفاوت الطبيعي الموجود في الأشخاص والأشياء.
بمعنى ان المساواة ليست مطلقة بين البشر الا في بعض حقوق الجوانب السياسية والاخلاقية والاقتصادية، لكنها بمفهومها العام فتح ابواب الفرص امام الجميع ودون اي قيد، سواء اكانت تلك القيود اقتصادية او دينية او عرقية او جنسية، وللجميع ان يتقدم بحسب قدرته واجتهاده، وهذا هو الوضع المثالي لكي يتمكن المجتمع ان يستفاد وان يستثمر طاقاته ويتيح لأفراده اقصى قدر من السعادة والنمو والكفاءة لبناء مستقبله.
كلمات مفتاحية: