محطات في قرار مجلس الأمن الدولي المرقم 2470/2019 الخاص بالعراق/الجزء الأول

د. عبدالناصر المهداوي
مستشار مركز العراق الجديد
   أصدر مجلس الأمن القرار المرقم 2470 الصادر 21 أيار/مايو  2019 الخاص بالعراق بعد التقرير الذي قدمته ممثلة الأمين العام في العراق السيدة جينين هينيس-بلاسخارت التي قدمت فيه مجموعة من المواقف من قبل المجلس تجاه العراق، وقد أشار القرار إلى التأكيد على جميع القرارات الصادرة من مجلس الأمن تجاه العراق من عام 2003 ولساعة اصدار هذا القرار، كما أكد القرار على مجموعة معطيات منها استقلال العراق وسيادته ووحدته وسلامة أراضيه، ويعرب عن الدعم للعراق حكومة وشعبا في التصدي للتحديات التي يواجها في سياق مواصلة جهود تحقيق الاستقرار في مرحلة ما بعد انتهاء النزاع، وانتقاله إلى مهمة تحقيق الانتعاش وإعادة الإعمار والمصالحة، ورحب مجلس الأمن بالجهود التي تبذلها حكومة العراق من خلال برنامجها الحكومي الوطني للمدة 2018-2033 من أجل التصدي للفساد وتعزيز المؤسسات الحكومية التي تمتلك مقومات البقاء.
أهم فقرات القرار الأممي تكمن في الآتي؛
  1. تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى العراق حتى 31 أيار/مايو 2020.
  2. أن يقوم الممثل الخاص للأمين العام بما يلي:
(أ‌)  اعطاء الأولوية لتقديم المشورة والدعم والمساعدة إلى العراق، حكومة وشعباً، بشأن تعزير الحوار السياسي الشامل والنهوض بالمصالحة على المستوى الوطني وعلى صعيد المجتمعات المحلية.
(ب‌)  تقديم المزيد من المشورة والدعم والمساعدة إلى:
(1)     حكومة العراق والمفوضية المستقلة للانتخابات بشأن وضع الإجراءات اللازمة لعقد الانتخابات والاستفتاءات.
(2)     حكومة العراق ومجلس النواب بشأن مراجعة الدستور وتنفيذ الأحكام الدستورية، وكذلك بشأن وضع الإجراءات التي تقبل بها حكومة العراق من أجل تسوية مسألة الحدود الداخلية المتنازع عليها.
(3)     حكومة العراق من اجل إحراز تقدم في جهود إصلاح قطاع الأمن، بسبل منها منح الأولوية لتخطيط وتمويل وتنفيذ برامج إعادة إدماج الأعضاء السابقين في الجماعات المسلحة حيثما كان ذلك مناسباً.
(4)     حكومة العراق بشأن مسائل أمن الحدود والطاقة والبيئة والمياه واللاجئين.
           (ج) العمل على تعزيز ودعم ما يلي:
  1. تنسيق المساعدات الإنسانية وإيصالها وعودة اللاجئين والمشردين أو دمجهم محليا.
  2. تحسين قدرات العراق لتوفير خدمات مدنية واجتماعية بما في ذلك الرعاية الصحية والتعليم.
  3. مساعدة الجهود التي يبذلها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في مجال الإصلاح الاقتصادي وبناء القدرات لتحقيق التنمية المستدامة وإعادة الإعمار.
(د) تعزيز المساءلة وحماية حقوق الإنسان والإصلاح القضائي والقانوني في ظل الاحترام التام لسيادة العراق.
(ه) كفالة مشاركة النساء وانخراطهن وتمثيلهن على جميع المستويات.
(و) تعزيز حماية الطفل.
       ثم يقرر المجلس في فقرة الختامية للقرار على (أن يبقي المسألة قيد نظره). مما يدل على أن الحالة في العراق ما زالت تحت مراقبة المجلس.
     في هذه العجالة سنركز على ترحيب مجلس الأمن بالجهود التي تبذلها حكومة العراق من خلال برنامجها الحكومي الوطني للمدة 2018-2033 من أجل التصدي للفساد وتعزيز المؤسسات الحكومية التي تمتلك مقومات البقاء، ومن هذه الفقرة المقتبسة من منهاج الحكومة الذي قدمه السيد رئيس مجلس الوزراء إلى البرلمان العراقي في دورته الرابعة،  البرنامج الذي أثار زوبعة تصريحات متناقضة ومتضادة حول واقعية المنهاج، وإمكانية تنزيله واقعا على الأرض في معالجة ملفات تراكم فيها أجيال من الفساد والكساد وهيمنة السلاح وسلب الإرادة على مستويات عدة وعلى رأسها إرادة الحكومة في الإصلاح ما لم يتوافق مع مصالح إقليمية مهيمنة على الساحة الأمنية والسياسية، وحتى المحاولات التي تسعى لتحقيق مصالح العراق تظل منزوعة الإرادة لصالح إرادة تعتمد مصالح الأجنبي على حساب الصالح العام الوطني.
    ومن بين فقرات القرار الأممي التي لها صلة بالبرنامج الحكومي سنناقش مفصلين مهمين حظيا باهتمام مجلس الأمن الدولي، وضمنها فقرات قراره الأخير ذات العلاقة ولعل من أهمها الفقرة 2 (أ‌) التي تتضمن اعطاء الأولوية لتقديم المشورة والدعم والمساعدة إلى العراق، حكومة وشعباً، بشأن تعزير الحوار السياسي الشامل والنهوض بالمصالحة على المستوى الوطني وعلى صعيد المجتمعات المحلية. والفقرة ب 2 تقديم المزيد من المشورة والدعم والمساعدة إلى حكومة العراق ومجلس النواب بشأن مراجعة الدستور وتنفيذ الأحكام الدستورية، فتعطيل الدستور تسبب بانتهاك حقوق الإنسان في العراق على مستويات غير مسبوقة تضع العراق على لوائح الدول التي تتقدم دول العالم في تعذيب السجناء وانتشار عمليات الاخفاء القسري، في هذه العجالة سنتناول الحوار والمصالحة على المستويين الوطني والمحلي، ومن ثمة سنتناول مراجعة تنفيذ الدستور بعد أن عطلته الحكومات المتعاقبة.
      تعزيز الحوار السياسي الشامل يتعضد بالوصول إلى مصالحة وطنية حقيقية كما ذكرت من قبل في مثل هذا الموطن أن المشاريع الإصلاحية الكبيرة كانت ولا تزال هي مشاريع سياسية بالدرجة الأساس وما يأتي بعدها يأتي تبعا لها، لذا توجب على السياسيين من المكونات العراقية كافة امتلاك زمام المبادرة والدعوة إلى جلسات حوارية مفتوحة، حول طاولة واحدة ممتدة زمنيا، لا تحسم بمدة محددة بل مفتوحة تنتهي بانتهاء الغرض من تشكيلها، يتم الحوار بين ممثلي المكونات من السياسيين المشاركين والمقاطعين وحتى المبعدين، وتنقل بشكل مباشر للشعب كله، وتعمل قنوات تواصل مع المواطنين لإثراء الحوار، والاتفاق ابتداءا أن لا مخرج من الأزمات الحالية والماضية إلا بالحوار المفتوح المعلن ومن دون أي خطوط حمراء، ويتم ذلك برعاية إقليمية ودولية وبمعية المواطن العراقي البسيط، بمعنى أن المادة التي يتحاور عليها الساسة تدون وتنشر للشعب بمختلف خلفياته واختصاصاته، وتنقل الحوارات المفتوحة على الهواء بشكل مباشر، ويخصص لها أوقات معلومة، وتفتح قنوات تفاعلية لرصد آراء المواطنين حولها، وتعمل استبيانات حول كل مفردة بطريقة مهنية بما لا يدع للتلاعب بها سبيلا لرصد الرأي العام العراقي، وما يتفق عليه يحول إلى جهات ذات اختصاص لتدوينه وتقنينه حسب الدستور والقوانين النافذة التابعة له.
     ومن ثمة تعرض مخرجات الحوار على الحكومة ومجلس النواب في دورته الرابعة وهيئة الرئاسة للموافقة عليه وتصديقه، وترجمته واقعا حيا وفق تنظيم زمني معلوم وبتكليف الجهات ذات العلاقة لمتابعته، مع اعتبار إيجاد ضمانات دولية وإقليمية لتنفيذ ما يتفق عليه، ويعتد بمتابعة الرأي العام العراقي المتمثل بالإعلام ومنظمات المجتمع المدني ومنصات التواصل الاجتماعي. ومن يخرج عليه من الكتل السياسية والأحزاب يعرض لمسائلة حقيقية ويعرض لعقوبة محسوسة فضلا عن العقوبات المعنوية التي يوجهها له المجتمع العراقي. ويكون ذلك عبر رؤساء الكتل ومسؤولي الأحزاب وقادة المجتمع، من غير تعطيلها عبر تشكيل لجان تختص، مع اعتبار كون تشكيل اللجان ضرورة لكنها ستكون مرحلة لاحقة للتنفيذ. في المرحلة الراهنة ندعو المجتمع العراقي عبر ممثليه جميعا أن يطالبوا الحكومة بالدعوة إلى مؤتمر عام للحوار يشرك فيه الجميع من السياسيين الحاليين، ومن الذين يرغبون في المشاركة من الجهات التي قاطعت العملية السياسية ذات البعد السياسي ولها تأثير مجتمعي، أو من القادة والسياسيين المبعدين بمذكرات وأحكام كيدية، كما نطالب أن يكون المؤتمر وفقا للمذكور أعلاه ويعتبر الآتي؛
  • دعوة الأحزاب والكيانات السياسية العراقية لكبح جماح الطائفية والإثنية، وتجنب المواجهة على هذا الأساس بين مختلف أطياف اللون العراقي، وتسعى لتكريس المواطنة على حساب المكونات.
  • العمل على إشاعة مفهوم المواطنة، وفكر الاعتدال والوسطية وثقافة الشراكة الوطنية بين مختلف مكونات الشعب العراقي بجميع القوى والطوائف والمذاهب والقوميات، ولا اعتبار لأي فوارق إلا الكفاءة والمسؤولية.
  • المباشرة بعملية الإصلاح السياسي والأمني والعمل على تأسيس مؤسسات أمنية مهنية مستقلة، وإنهاء سياسات الإقصاء والتهميش لأي مكوّن من مكونات المجتمع العراقي، وبناء نظام سياسي ديمقراطي تشاركي على أسس عدالة تحقق الاستقرار والتنمية وتكافح الفساد.
  • إنهاء الاستبداد والافراج عن المعتقلين الأبرياء، وتطبيق الدستور بشكل عام وخاصة في مواد الحريات وحقوق الإنسان ومعاقبة كل من يتجاوز على الحريات والحقوق، وتبييض السجون من السياسيين والمخالفين إلا من الإرهابيين.
  • تصحيح مسار القضاء، وإصلاح المنظومة القضائية من المحكمة الاتحادية ومجلس القضاء الأعلى فما دون وتعقب آثار السياسات الطائفية للحكومات السابقة ومعالجتها جذريا، وانهاء ملف الاستهداف السياسي.
  • اعتبار وانصاف السياسيين المستهدفين سابقا ومشاركتهم الهم العراقي بتفاصيله كافة، بعد ارجاع حقوقهم المسلوبة ورفع الحيف عنهم، وتعقب من قام بالخيانة والتدليس وكشف ملابسات استهدافهم الكيدية والسياسية.
  • العمل بالدستور العراقي الحالي وتفعيل مواد الحقوق والحريات والفصل بين السلطات الثلاث على وجه الحقيقة لا الادعاء، مع اعتبار استكمال المؤسسات الدستورية المعطلة كمجلس الاتحاد وغيره.
  • دعوة جميع القوى السياسية العراقية والكيانات والهيئات والجماعات إلى الحفاظ على وحدة العراق وعلى النظام الاتحادي الفدرالي، واعتبار ذلك هدفاً لكل القوى السياسية بصرف النظر عن انتماءاتها الإثنية أو الطائفية أو كونها مشاركة في العملية السياسية أو معارضة لها.
  • وقف التدخلات الخارجية السلبية والانتهازية في الشأن العراقي على المستويين الإقليمي والدولي، وإتاحة الفرصة للعراقيين لإدارة شؤونهم بعيدًا عن محاولات الإلحاق والهيمنة وبدعم عربي كامل.
  • دعوة المجتمع الدولي ودول الجوار، وخاصة الدول العربية وتركيا وإيران، إلى المساهمة في التوصل إلى حلّ سياسي للأزمة في العراق على قاعدة المشاركة الوطنية والديمقراطية ووحدة أراضي البلاد والدولة، واعتبار مصالح العراق الأساسية وتبادل المصالح بين الدول.
     أما المفصل الثاني الذي أكده مجلس الأمن حول تقديم المزيد من المشورة والدعم والمساعدة إلى حكومة العراق ومجلس النواب بشأن مراجعة الدستور وتنفيذ الأحكام الدستورية، فالقواعد الدستورية تتوسد المكانة العليا في سلم التدرج الهرمي للنظام القانوني في الدولة برمته، اذ هي كما يقول مختصون تسمو على كل ما عداها من قوانين وانظمة وتعليمات او قرارات تتخذها السلطات العامة بما فيها السلطة التشريعية، فالدستور هو الذي يؤسس السلطات في الدولة، وهو الذي يحدد لها اختصاصاتها وطريقة ممارسة تلك الاختصاصات، فضلا عن ما يتضمنه من قواعد متعلقة بحقوق وحريات المواطنين وواجباتهم.
     ومن جانب اخر يضع الدستور قواعد عامة وموجهات وقيود ينبغي ان تراعيها سلطة التشريع وهي بصدد تشريع القوانين، وهذه القيود قد تكون شكلية تتعلق بالشروط والاجراءات الشكلية التي يجب مراعاتها عند تشريع القوانين واصدارها، أو هي قواعد وموجهات وقيود موضوعية تتعلق بموضوع القانون وفحواه. وتُعبر القواعد والموجهات الموضوعية عن القيم السياسية والاجتماعية والاقتصادية السائدة وقت وضع الدستور فضلا عن طبيعة نظام الحكم وطريقة تداول السلطة، لذا نجد من الضرورة بمكان التنبيه على أن الجهة الأكثر تعطيلا للدستور في عراق ما بعد الاحتلال هي الحكومات المتعاقبة التي تعاملت مع الدستور بمعيارية مزدوجة، فالمواد التي تخدم مصالحها وتوافق رؤيتها تعمل بها، والمواد التي تضيق على أهوائها أو تفلتر أدائها تعطله، كما هو الحال مع غياب مجلس الاتحاد حسب المادة 65 وهو لم يسن لحد الان رغم اهميته وهو عبارة عن فلتر يدقق ويصفي ويصيغ القوانين الصادرة من مجلس النواب بشكل صحيح، ويتكون من عناصر ذات كفاءة ولها خبرة في مجال القانون .
      وبحسب مختصين في القانون يوضحون أن التعطيل غير الرسمي للدستور يكون من قبل المتنفذين في السلطة فالملاحظ أن المسؤولين على السلطة لا يعلنون بشكل صريح عن إيقافهم العمل بالدستور بل تتجه إرادتهم نحو التعامل بازدواجية المعايير فما يخدم مصالحهم من مواد الدستور يعملون به، وما يتعارض معها يهملونه وهذا الإهمال يكون عبر تطبيق نصوص الدستور بشكل جزئي أو كلي، أو تطبيق نصوص الدستور بشكل يتعارض مع محتواها. ومع ما لهذا الدستور من قيمة واعتبار كبير إلا أن الحكومات المتعاقبة من تشريعه في 2005 لساعة كتابة هذه الكلمات تتعامل معه بانتقائية وازدواجية، فما يخدم رؤيتها ومصالحها تعمل به، وما يتعارض معها تهمله إن لم تتصدى له بممارسات مخالفة له. وهذا ديدن حكومة الجعفري 2005 وطيلة مدة دورتي حكومة المالكي 2006-20014، وحتى العبادي الذي ورث تعطيل الدستور لم يعمل على الحد من هذا التعطيل إبان السنوات الأربع من ولايته المنتهية، واليوم يجد عبد المهدي وحكومته على المحك فمن أهم خطوات الإصلاح تفعيل الدستور وهو التحدي الحقيقي لهذه الحكومة ولمجلس الرئاسة، وليس عبد المهدي المسؤول عن تفعيل الدستور فحسب، بل اليوم يجد رئيس الجمهورية برهم صالح نفسه في اختبار عسير لكونه المسؤول الأول عن سلامة تطبيق الدستور والحفاظ عليه.